ذاكرة الإنسان والمكان

د/خالد البغدادي



«تكتب الأمم العظيمة سيرتها في ثلاث مخطوطات، سفر أقوالها وسفر أفعالها وسفر فنونها، ومن بين الأسفار الثلاثة نجد السفر الأخير هو الوحيد الموثوق به...» . هذا ما أكده الناقد جون رسكن (JOHN RUSKEN) للدلالة على أهمية الأعمال الفنيّة كسجلات معتمدة وموثّقة عبر التاريخ تنبئنا عن أحوال الراحلين وتشي لنا عن أخبارهم وتدلنا على خصائص الزمان والمكان، فالعمل الفني هو ذاكرة الناس وعقلهم الباطن الذي يحفظ موروثهم الثّقافي والحضاري والقيمي، ويودعون فيه آمالهم وآلامهم وأيضاً أسرارهم وخفاياهم...!!

وفي هذا السياق نستطيع أن نلحظ الحالة التشكيلية القطريّة وتطوّراتها كحالة فنيّة وثقافية تحاول أن تجد لها مكاناً تحت شمس الإبداع المتوهّجة، ووسط عالم يموج بالحركات والتيارات الفكريّة والفنيّة، ووسط تجارب عربية وعالمية مكتملة وناضجة نشأت التجربة التشكيلية القطريّة، وأفرزت ثلاثة أجيال من المبدعين الذين استطاعوا أن يقدّموا تجارب فنيّة ناضجة تشكيلياً وجمالياً.

الإنسان عامة والفنان خاصة هو ابن بيئته بما فيها من مفردات وخصائص وعناصر مادية أو ثقافية، تتسلل إلى وعيه عبر الأيام والشهور والسنين حتى تشكّل ذاكرته البصرية وتكوّن مخزونه الصوري، وتنمّي- بشكل غير مباشر - مخزونه النفسي والروحي، وسوف نستعرض هنا- وباختصار- بعض ملامح البيئة القطريّة التي ساهمت بالضرورة وبشكل مباشر في تشكيل وعي الفنانين القطريين، فهي النبع الأول الذي يستمد منه الجميع إبداعاتهم، وهي الذاكرة التي تحتفظ بكل أسرار الإنسان والمكان.

أ - النقوش الحجريّة

أشارت البعثة الأركيولوجية الدنماركية التي اضطلعت بالتنقيب في قطر إلى النقوش الصخرية القطريّة الموجودة بجبل (الجساسية) في شمال شبة الجزيرة القطريّة عام 1956م، إلّا أنها لم تسجل بنظام إلّا في عام 1974 م، حيث نجد هناك مجموعات من العلامات التي تشبة الأكواب في صفوف متوازية أو على شكل الوردة كانت تستخدم أغلب الظن في لعبة تسلية تُسمى (الحويلة)، وهناك أيضاً نقوش لأشكال من السفن نُقشت بطريقة الحفر الغائر وتبيّن بها تفاصيل كثيرة مثل المجاديف والمرساة، وتُعدّ هذه الصورة الفنيّة نادرة بين النقوش الصخرية، ولم يسبق تسجيلها في أي مكان من البلاد العربية وهي تعود إلى عام 1400م.

ب - الصناعات الشعبيّة

تقوم الصناعات الشعبية في أية بيئة على المهارات الفنيّة، التي تتوارثها الأجيال لتقدّم الشيء النافع، فالفنان الشعبي يضيف إلى ما يصنعه لمسات فنيّة رفيعة ولمسات جميلة تعبّر عن الذوق الجمالي. وتميّز البيئة الشعبية الصحراوية في قطر بوفرة صناعاتها الشعبية، وبخاصة صناعة (السدو)، والذي يقوم على تلوين الصوف باللون الأحمر والأخضر تعبيراً عن الحياة، وباللون الأصفر الذي يعبّر عن الصحراء ووهج الشمس فيها، بالإضافة إلى الألوان الطبيعية للصوف أو وبر الجمل وتندمج هذه الألوان الطبيعية مع الوحدات الهندسية المستوحاة من الطبيعة. واستطاع الفنان الشعبي أن يدخل الحسّ الفني في استخداماته البيئية مثل المساند وسروج الخيل والخيام وزخرفة السفن والبيوت والأبواب والأعمدة وغيرها، والتي استطاع الفنان القطري المعاصر الاستفادة منها في لوحاته الفنيّة الحديثة.



أسماء في الذاكرة

الإنسان دائماً ابن بيئته، وخصوصاً عندما تكون هذه البيئة خصبة ومليئة بمصادر الإلهام عندها يكون التأثير والتأثر طبيعياً.. وتكون المدرسة الواقعية والتفاعل الحي المباشر مع مصادر البيئة هي المرحلة الأولى الطبيعية المؤسسة لأي حركة تشكيلية، وهي المرحلة التي مَرّ بها معظم الفنانين القطريين سواء من جيل الرواد أم الوسط والشباب، عندها تصبح الأعمال الفنيّة ليست مجرد ألوان وظلال، ولكن تصبح نوعاً من التوثيق التشكيلي/البصري لمظاهر الحياة وما بها من عادات وتقاليد قد تختفي أو تندثر بعضها على مَرّ السنين.. عندها تتحوّل الأعمال الفنيّة من مجرد لوحة لتصبح (ذاكرة) ويصبح الفنان ليس مجرد شخص يجيد الرسم والتلوين ليصبح (مؤرخاً) فنياً وبصرياً.. وهنا تصبح الأعمال الفنيّة كوثائق ورسائل عابرة للزمن والجغرافية أيضاً، وفي هذا السياق نستطيع أن نتأمل الأعمال الفنيّة لعديد من روّاد الفَنّ التشكيلي القطري وإلى أي مدى كانوا مخلصين لثقافتهم وبيئتهم.. ويجب أن نوضح هنا أن هناك العديد من الأسماء الفنيّة التي ظهرت وأرَّخت بأعمالها للبيئة والثّقافة القطريّة مثل الفنان محمد علي الذي بدأ بداية قوية ثم توقّف والفنان علي الشريف الذي يُعدّ من أقوى الفنانين توثيقاً للبيئة القطريّة، لكنه للأسف قليل الإنتاج، والفنان محمد الجيدة الذي يُعدّ مؤرخاً تشكيلياً للبيئة القطريّة بأسلوب واقعي.. لكنه لم يطوّر تجربته مثل الآخرين وظَلّ متوقّفاً عند المرحلة الواقعية التسجيلية...!!

جاسم زيني.. الأب الروحي

يُعدّ الفنان جاسم زيني الرائد الأول للفن التشكيلي القطري، كأول فنان يحصل على شهادة مُتخصّصة في مجال الفَنّ التشكيلي، عندما كان أحد ثلاثة هم طليعة البعثات العلمية في دولة قطر، حيث ذهب إلى بغداد وحصل منها على بكالوريوس الفنون الجميلة عام 1968، من هنا بدأت خطواته الأولى نحو ممارسة الفَنّ التشكيلي كمحترف، ومن هذا المنطلق فهو يُعدّ فعلاً (الأب الروحي) للتشكيليين القطريين، لأنه أول من فتح أمامهم هذا الباب السحري الواسع المليء بالرؤى والخيالات على مصراعيه.

ويتميّز الفنان جاسم زيني في تعامله مع الفَنّ التشكيلي بحسٍّ إنساني متدفق وعقل مفتوح وإمكانيات فنيّة متنوّعة، ساعد في ذلك البيئة التي نشأ فيها بما تحمله من تجارب بصرية ثريّة وحرف شعبية وعناصر تراثية، وأيضاً معايشة للإنسان القطري إبان بحثه المستمر عن وسائل العيش مثل الصيد والقنص والغوص للبحث عن اللؤلؤ، مما ساعده على أن تكون بدايته في التعامل مع الفَنّ مرتبطة بمفهوم تجريبي فيضيف إلى أعماله خامات وبقايا البيئة التي يمكن أن تتعايش مع الشكل والمضمون الذي يريد توصيله.

ولَعلّ من أهم أعماله التي تأتي في هذا السياق هي لوحة «ملامح قطريّة» الذي يحاول فيها الإمساك بتلك اللحظة الإنسانية الشفافة التي تجمع بين الفتاة الصغيرة وأخيها الصبي الممدد أمامها وهي تخيط له أحد أزرار ثوبه المقطوعة، من خلال حالة سحرية مليئة بمشاعر الحب والود الإنساني في أرقى صوره، وتأتي المعالجة الفنيّة الجديدة في بناء هذه اللوحة لتثبت مدى قدرته على إنتاج حلول تشكيلية وجمالية جديدة ومتنوّعة بتنوّع أعماله، حيث نلاحظ الصبي الممدد وقد ثنى الفنان جسده ومدّه حتى استطال وكأنه قطعة قماش مُلقاة على الأرض، ليدفعنا إلى حالة من التعاطف معه وليعطي لنفسه ولنا مساحة بصرية يضع فيها الفتاة (أخته) بزيها الوطني التقليدي وما يحمله من زخارف ونقوش في بؤرة العمل.

تحدي.. يوسف الشريف

كان الفنان الراحل يوسف الشريف أحد فرسان الجيل الأول في الحركة التشكيلية القطريّة، إلا أن القدر لم يمهله كثيراً، حيث وافته المنية عام 1987 ورحل عن عالمنا وهو في سن 29 سنة، ورغم رحيله المُبكّر إلّا أنه قد ترك بصمة في التجربة القطريّة من الصعب أن تُمحى، رغم أعماله الفنيّة القليلة التي تركها، لكنها تنم عن موهبة صادقة وتشي بحس (حدثي) ممتلئ بالشفافية والبراءة، حيث أراد- على حد قوله- أن يصنع نوعاً من (التأريخ) البصري للبيئة القطريّة، وما بها من مفردات شعبية وتراثية وبيوت قديمة وأناس بسطاء يعملون ليلاً ونهاراً لكسب الرزق، سواء في الرعي أم في صيد الأسماك واللؤلؤ، فقد انحاز للبسطاء الذين انحازوا إليه أيضاً.

وأبلغ مثال على ذلك لوحته الشهيرة المسماة «استراحة الحمّال» التي تُعدّ مثالاً للوحة الواقعية التي تعبّر عن حالة من الهزيمة والانكسار أمام عجلة الزمن وحكم الأمر الواقع، حيث يجلس (الحمال) مطأطئاً رأسه ومنكسراً بجوار عربته الخشبية التي تعب منها وتعبت منه، بعد عناء يوم طويل من العمل والإرهاق وحمل أغراض الناس، أما اللوحة التي تُعدّ درة التاج في أعمال يوسف الشريف فهي لوحة «التحدي» التي كان يتحدّى فيها نفسه قبل أن يتحدّى المرض والموت، حتى أنه قد أتمها في ثلاثة أيام فقط، أغلق فيها الباب على نفسه حتى انتهى منها، والتي تمثل وجهاً مقرباً لأحد عمال الموانئ والصيد وهو ينظر نظرة محدقة مليئة بالتحدي والكبرياء، رغم المعاناة وضغوط الحياة والزمن التي تنطق بها ملامحه، والتي استطاع الشريف أن يجسد هذه الحالة الوجودية من خلال درجة مُتقدّمة من الإتقان في بناء اللون وتوزيع درجات الظِلّ والنور وتعبيرات الأسى التي تنطق بها ملامح الوجه، ورغم أنه قد تبنى الاتجاه الواقعي في لوحاته إلّا أن واقعيته قد تطوّرت معه من مرحلة إلى أخرى، حيث بدأ : بالواقعية التسجيلية؛ مثل لوحات صناعة السفن والمقهى الشعبي وركوب الجمال. والواقعية المُحمّلة بدلالات تعبيرية؛ مثل لوحة استراحة الحمّال والنميمة. ثم الواقعية المُحمّلة بدلالات رمزية؛ مثل لوحة التحدّي والنمر الجريح.



يوسف أحمد ونخيل قطر

يُعدّ الفنان يوسف أحمد من أكثر الفنانين القطريين تفاعلاً مع عصره فهو دائم البحث والتجريب في الخامات والوسائط البيئية المتاحة في محاولة منه للوصول إلى معادل بصري مُغاير للصورة، كما يحاول دائماً استيعاب ما يحدث من متغيّرات متلاحقة سواء على مستوى الأفكار والموضوعات أم مستوى التقنيات ووسائط التعبير. وكان آخرها تجربته التي كانت مفاجأة للوسط الثّقافي عندما استطاع تخليق نوع خاص من الورق مصنوع من نخيل قطر وتحويل هذا الورق إلى أعمال فنيّة مسطحة ومجسمة/ثلاثية الأبعاد..!!

فعلى مستوى فلسفة الفَنّ نجد تأثير الثّقافة العربية والشرقية بما فيها من قيم روحية مجردة، وكثقافة هو قادم منها ومنتمي إليها، نجد التأثير واضحاً في مضمون وأفكار أعماله، أما تأثره بالثّقافة الغربية المعاصرة فنراه واضحاً في وسائط التعبير والتقنيات والخامات المستحدثة، ونراه في مراحل تطوره الفني الرئيسية، ففي مرحلة تفاعله المُبكّر مع العالم واحتكاكه بالثّقافة الغربية أثناء دراسته في أميركا، ولآسباب أخرى كثيرة، لجأ إلى استلهام القيم الفنيّة والتشكيلية للخط والحرف العربي كجزء من التراث الشرقي الإسلامي، وكنوع من تأكيد الذات أمام الآخر، وأيضاً كنوع من رَدّ الفعل الفني والثّقافي للتعامل مع الآخر من منطلق الندية له وليس الانبهار به.

وبالتوازي مع التفاعل مع آليات عصره حاول الفنان يوسف أحمد طوال رحلته استكشاف القيم الفنيّة والجمالية الكامنة في بيئته المحيطة سواء في الخامة أم المكان أم الموروث الثّقافي والاجتماعي أم في العلاقة بين كل هذا.. بين ضوء الشمس المتوهّج والصحراء الممتدة إلى مرمى البصر والأفق الذي يظهر من جميع الاتجاهات، وهذا الفراغ الذي يغلّف كل شيء مما يعطي الإحساس بالراحة والبراح وكأنه يرسم مظهراً علوياً للصحراء يُرى من طائرة عالية (منظور عين الطائر)، مما يعمّق من مستوى فهمنا للطبيعة وإدراكنا بأنها المثير للأحاسيس والوجدان والمنشط للذهن وحالات التأمل المحفزة للخلق والإبداع.

حسن الملا والحسّ الإنساني

الفنان حسن الملا يمارس فنه ببساطة شديدة وتلقائية أشد دون حذلقة فنيّة أو أيديولوجية قد لا تخدم إبداع الفنان أحياناً، فالمثير الفني عند بعض الفنانين والذي يدفعهم للتفاعل والإبداع، ربما كانت البيئة وما تحتويه من عناصر ومفردات، أو المكان وما فيه من قيمة أو التراث وما فيه من إشارات ودلالات، أو غيرها من منطلقات الإبداع. أما مضمون وموضوع العمل الفني عنده فإن عينه ترصد لحظات صدق إنسانية في كثير من الاتجاهات، وتقوم ريشته بتكثيفها وتجميع تفاصيلها المتناثرة، ابتداءً من الموضوع البيئي إلى الإنساني إلى الديني إلى القضايا الوطنية والقومية. فنجد في أعماله الفنيّة صيادي الأسماك وغواصي اللؤلؤ الذين يلهثون ليلاً ونهاراً خلف رزق لا يعلمه أحد إلّا الله، ونجد النساء اللاتي يتجمعن ليشكين همومهن من ظلم شهريار، والأطفال يمارسون براءتهم، كما نجد الحجاج يطوفون حول الكعبة في لحظات روحانية نادرة.

أما اهتمامه بالقضايا القومية فلعلّ ذروتها يتمثل في تعبيره عن القضية الفلسطينية في أقصى وأقسى لحظاتها وصورها مثل لحظة اغتيال الحلم في استشهاد الطفل (محمد الدرة) ولحظة قتل البراءة في استشهاد الطفلة (إيمان حجو) كلحظة من اللحظات السرمدية التي يتوقف فيها الزمن وتخرس الأصوات وتعجز اللغة وتصبح الكلمات بلا معنى، فتأتي الريشة والألوان لتعتصر ألم تلك اللحظة التي اختزلت الزمان والمكان.

علي حسن والحروفية العربيّة

يُعدّ الفنان علي حسن من أهم فناني (الحروفية العربية) في قطر، وهي مدرسة حاولت إدخال الحرف العربي في البناء الفني التشكيلي، ويتواصل بهذا مع الفنان يوسف سيدا في مصر والفنان شاكر حسن آل سعيد في العراق، ورغم أن هذه المدرسة الفنيّة قد حققت إنجازات جمالية ملحوظة إلّا أن الدافع وراءها - في أغلب الأحيان - دافع (أخلاقي) أكثر منه دافع (جمالي) إلّا أن علي حسن قد حاول جاهداً من أجل حروفية خاصة به محملة بدلالات صوفية وروحية وبعيدة عن المعالجات التقليدية للحرف العربي من تقابل وتناظر وتداخل السالب مع الموجب والأبيض مع الأسود، مما يبعدنا عن القراءة (اللّغويّة) المتعارف عليها ويحيلنا إلى القراءة (البصريّة) الجمالية القائمة على التشكيل والبناء واللون.

وهذا ما حاول تحقيقه في مجموعة أعماله المتميّزة لحرف (النون)، ذلك الحرف الذي استحوذ على مخيلته لفترة طويلة وحاول خلال هذه الأعمال تجاوز البناء الصارم للحرف العربي والقائم على قواعد وقياسات ثابتة منذ قرون طويلة من أجل (تفكيكه) ومن ثَمّ إعادة بنائه من جديد ولكن لأغراض (جمالية) هذه المرة وليس لأغراض (بلاغية) ويحاول بناء حروفية مليئة بالحياة والحيوية والديناميكية عن طريق إثارة الطاقة السحرية الكامنة في الحرف العربي واستعماله للون الأسود فقط لبناء هذه المجموعة وتحييده للألوان البرّاقة التي تجذب نظر المشاهد ومن ثَمّ تشتت وعيه.



سلمان المالك.. نساء بلا ظِلّ

أما الفنان سلمان المالك فيعدّ من أكثر الفنانين تفاعلاً مع بيئته ثقافياً وجمالياً خصوصاً موضوع المرأة القطريّة وما تتميّز به من خصوصية في الملبس والشكل، والمتتبع لأعمال المالك سيلحظ تحوّلات اللون لديه، ففي أعماله السابقة كان اللون لديه مركباً ممزوجاً من أكثر من لون ويحتل مساحات عرضية كبيرة على سطح اللوحة ويراعي دائماً تقارب درجات الشدّة الضوئية للون كي يحدث حالة من التآلف والعمق ينتج عنها حالة من الترقُّب والسكون، أما في أعماله الحالية والتي تحوّل فيها إلى الأسلوب التعبيري الذي يعتمد على ضربات الفرشاة القوية المتلاحقة والمتسارعة فقد أصبح إيقاعها وانفعالها يتقاطع ويتداخل في مساحات صغيرة وقصيرة ملونة بألوان صريحة ومباشرة مضافاً إليها تنويعات خطيّة مركبة مما أحدث نوعاً من الغنائية اللونية وكأنك تسمع قرع الطبول أو إيقاعات الموسيقى.

فالمرأة كانت دائماً هي الموضوع الفني الأكثر إثارة والأكثر غموضاً. لكن عند معظم الفنانين كان الجسد النسائي وقياساته الجمالية وإيحاءاته الحسيّة هو المثير الجمالي لديهم، أما المالك فقد تجاوز في أعماله شكل المرأة الخارجي، ومفاتنها الجسدية في محاولة منه لتجاوز السطح والولوج مباشرة إلى الجوهر، فالمرأة لديه ليست مجرد جسد مثير وإنما قيمة أبعد وأعمق، إنها بقعة ضوء وشعاع نور، إنها الحلم والوطن والأرض الطيّبة التي نخرج منها وننتمي إليها.

ومَنْ يُمعن النظر في نساء سليمان المالك سيلحظ أنهم نساء بلا ظِلّ، بلا ثقل فيزيقي، لتأكيد الجانب الروحي الأثيري فيهن، وليؤكد لنا أنه يبحث عن المحتوى والمضمون وليس عن الشكل الخارجي، وفي هذا السياق نستطيع أن نتفهم إلحاح الشكل عليه في معظم الأعمال، والذي اعتبره البعض نوعاً من التكرار، ولكنه ليس كذلك.. لأن أشكاله ربما تتقارب لكنها لا تتكرّر، وأنه ليس تكراراً بقدر ما هو إلحاح للشكل بغرض تثبيت المعنى.

المراجع



- خالد البغدادي/الفَنّ التشكيلي القطري.. تتابع الأجيال/المجلس الوطني للثقافة/الدوحة/2007.

- يوسف أحمد وعلي المليجي/الفنان جاسم زيني/الدوحة/1996.

- خالد البغدادي/الفنان حسن الملا.. ذاكرة الإنسان والمكان/المجلس الوطني للثقافة/الدوحة/2004.

 موضوعات أخرى