ثلاثُ شَوْكاتٍ فقط .. مختارات شعرية لـ «غُونْزَالُو رُوخَاسْ»

ترجمة: المهدي أخريف



غونزالو روخاس (1917 - 2011)، أحد كبار شُعراء الشيلي واللغة الإسبانية، صُنِّف ضمن جيل الـ38، بجانب نيكَنُورْ بَارّا، وآخرين، تأثّر- في البداية- بالسوريالية، حَيْث كان واحداً مِنْ مجموعة «ماندراغورا» مع براويليو أريناس، وتيُوفيليو سيد،. خورخي كاسيريس، وكذلك بيسنتي ويدبرو، لفترة محدودة.

بصفته ابناً لعائلة من عمّال المناجم، واجه حياة صعبةً في البداية ثم نجح في تخطّيها، حين أصبح أستاذاً جامعياً، بالإضافة إلى تقلُّده مناصب دبلوماسية في بلدان مختلفة، دُون أَنْ يفرِّط في مهمّته الرئيسة، شاعراً مبدعاً، على الدوام.

عاش في جمهورية ألمانيا الديموقراطية، ولم يَرُق له الوضع فيها، فاستقرّ، لفترة، مِن بَعْدُ، في كاراكاس، حيث عمل أستاذاً جامعياً في جامعة سيمون بوليفار. أخيراً، عَاد إلى وطنه الشيلي عام 1979، واستقرّ في مدينه شيجان، بعدما أصبح شاعراً مشهوراً.

حتى 1973، لم يَكُن قد نَشَر سوى عملين شعريين، هما: «بؤس الإنسان» (1948)، و«ضدَّ الموت» (1964)، غير أنَّ غزارة إنتاجه الشعري لم تتوقّف بعدهما، طوال العقود اللاحقة، علماً بأن أغلب أعماله كُتبت خارج الشيلي.

ومن أبرز أعماله: «ماذا نُحِبّ عندما نحبّ»، «المُنوَّر»، «الكلمة»، «ضِدَّكم نُولَد»، «لِنلْعَب اللعب الأكبر»، «فحم» «كلمات، غير منتهية»..

حَصَل على جائزة الملكة صوفيا للشعر الأميركي اللاتيني (1992)، والجائزة الوطنية للآداب في الشيلي، (1992)، وجائزة أوكتافيو باث للشعر والمقالة (مكسيكو)، 1998، وجائزة سربانتيس للآداب، (2003).

غونزالو روخاس، عَدّ نفسه مديناً للكلاسيكيين الإسبان الكبار، في تكوينه وانتسابه الشعريَّيْن.

لنستحضر بعض ما قاله في خطاب تسلّمه جائزة سربانتيس، في مدريد:

«... مازلت أراني أقرأ- بلا توقُّف- «المختارات الكاملة لـ«REVADENEIRA»، التي تعلّم منها رُوبِنْدَارِيُوا- أيضاً- أن يَقْرَأ إسبانيا بِعُمْق. هناك، لا يزال علينا أنْ نمشي وسط الرفوف العالية، لِيولد بَعْضُنا مِن البعض الآخر: سرفانتينيون، كيبيديون، غونغوريون، تِيريزيون. (لِمَ لا؟) على خُطَى خَوان يبيس «JUAN YEPES»، سُلْطان اللغة. لكن ليس، فقط، على نهج الكلاسيكية الذهبية، وإنما- أيضاً- متابعةً لِأُولئك الأخباريين الذين كتبوا عن العالم الجديد، في تلك الأيام ذاتها، فيما وَرَاء البحار والصحاري والمهاوي، في زمن الاكتشاف وزمن ما قبل الاكتشاف، حينما لم يَكُن الغزو واللحظة الكولونيالية عُبوديّةً بل مَشْروعَ وُجُود. هنالك، أراني أقرأ- للمرَّة الأُولى- مجلة «الشرق»، ويومية الشمس المدريدية، أقرأ لوركا صاحب «الأغاني الغجرية»، ومعه شعراء جيل الـ27...»

قال عنه خوليو كورتازار:«إنني أقرأ غونزالو روخاس الذي أعاد إلى الشعر أشياء كثيرة، انتزعها منه آخرون»

ومن أبرز هذه «الأشياء» الإيقاع والموسيقية معاً، عبر إبداعٍ متجدّد، من عمل إلى آخر، وَمَعَهما التعميق الدائم لوساوس وتأمُّلات: جديدة، قديمة، تتّصل بقضايا وموضوعات: ثابتة متبدّلة، كما تتصل بالزمن، وبالحبّ، وبالمعرفة، وبالموت. لكن، دائماً، بتوطيد مستمرّ، للنبرة الغونزالية المُعلية من شأن السخرية، والحرِّية، والتواضع.



إلى الصَّمْت



أيُّها الصوت، الصوت الأوحد،

كُلّ تجويف البَحْر

لا يكفي،

كُلّ التجويف السماويِّ،

كُلُّ ما في الجمال مِن تجاويف

لا يَكفي لاحْتِوائك

وحتَّى لو صَمَت الإنسانُ

وغَرق كُلّ هذا العالم

آهِ يا ذا الجَلالِ،

فأنت لن تتوقّف أَبداً

عن الحضور في الجهاتِ كُلِّها،

لأنَّ الزَّمن والكينونة يفضلان لديك،

أيّها الصَّوْتُ الأوْحَدُ،

لأنَّك موجودٌ وغَيْرُ موجود

لكأنَّك إلهيّ،

لكأنَّك وَالِدَي حين يغمرني الظلام.

سريعةً، تَمرُّ الأيام



سريعةً، تَمرُّ الأيام

في التّيَّار الغامض الذي، بالكاد،

يختزل خَلاصي،

في التنفُّس بِعُمقٍ

حتى يمكُث الهواء في رئَتيَّ أسبوعاً إضافيّاً.



سريعةً، تمرُّ الأيَّام أَمَام أنظار المحيط اللامرئيّ

الذي مَا عدْتُ أملك دَماً لأسْبَح فِيهِ بأمان.

هكذا أمضي، متحوِّلاً إلى سمكة إضافيةٍ بأشواكي

أَعُود إلى مسقط رأسي. لا أَحَد ينتظرني هناك،

راكضاً أمضي إلى الحِضْنِ الأمومي

حَيْث يَنْتهي العَظْم، أمضي إلى بذْرتي،

لأنَّه مكتوبٌ أن ينتهيَ هذا كُلُّه في النجوم،

وفي الدُّودَة الفقيرة التي أنا إيَّاها.

بأسابيعي وشُهوري الممتعة التي مَازِلت أنتظرها

هنا يُوجد الوَاحِدُ منَّا

ولا يعرف أنَّه لم يَعُدْ موجوداً

تنتابني الرغبة في الضَّحك

مِنْ تورُّطي في هذه اللعبة الهذيانيّةِ،

لَكِنَّ المرآة المرعبةَ سَوْفَ تَحُلُّ لَكَ رُمُوزها ذَاتَ يوم.

بينما أنتَ مُمتَقِع، وتتظاهر بِعَدَمِ إيمانك بذلك

كما لو أنَّك لا تَسْمَعُه، يا أخي

فيما بُكَاؤك هنالك، من الأعماق يأتي.

إذا كنتَ امرأةً ستضَع القناع

الأَجْمَل لِكَيْ تخدع نَفْسَك،

إذا كُنْتَ رَجُلاً ستجعل الهَيْكَل العظميَّ

أكثر صلابةً، لكنْ، من الداخِلِ، الأمْرُ مختلف،

وليس ثَمّة شيءٌ، لا أحَدَ هناك،

بَلْ وَحْدَك أنت مع وَرْطَتِك

هكذا يَحْسُن بك أَنْ ترى الخَطَر بوضوح.

لِنَكُنْ مستعدّين، لِنَبْقَ عراةً بما لدينا.

لَكِن، لنُحرقْ بَدَلاً مِن أنْ نُنْتِنَ مَا نَحْنُ إيّاه.

لِنتَّقِدْ. ولنتَنفَّس بلا خوف.

وَلْنَصْحُ، تماماً، إزاء الواقع الأكبر

لِكوننا نولَدُ الآن، وفي الساعة الأخيرة.



الحجر



بِسَبب لا أَحَدَ، بَكَى هذا الحجر.

لَعَلَّه نَامَ في شُؤْم أُمِّه

هذا الحَجَر الهاويةُ

بفعل الالتئام الدماغيِّ

على الإيقاع الذي منه أتى مُتوهّجاً ومنطفئاً،

لَعَلُّه رَأَى مَا لَمْ يُرَ بالعَيْنَيْن الأُخْرَيَيْن للموسيقى،

وهكذا، وبوداعةٍ، اضْطَجَع في هَشَاشةِ ما لا شَكْلَ له

مع الدُّكْنَة الجافّة لَيْلاً وبِلا صَوْتٍ

للبطريق فِي وَجْه الظُّلْمة...

وَلَعلَّه لم يترنَّحْ لنُقصان هيئته التي،

بسبب عَتَمتها، لَمْ تَرَ أَحَداً قَطّ.

إذْ لا أَحَد يَرى تِلْك الأحجار التي لَيْسَتْ لِأَحَدٍ

في دُكْنةٍ تَجْعَلُها باردةً، بالأَحْرى

هُنَاك عِنْد اللَّمْس مِثْل غيوم مُحايِدةٍ

لَا بِلَّوْريّةٍ، بِدُون حَتَّى أناقَةِ المَرْمَر

ولا أُبّهةِ الفَيْروز، لَكَمْ هي غامضةً إن شِئْتَ!

وكم هي قريبةٌ بسبب ذلك!



لا، غير مُترنِّح، أبداً...

لَقَد بَرز عِلاوة، غَيْرَ ممسوسٍ

بِسِمَتهِ الحديدية، وسماويّاً، بَدَا،

ولَرُبَّما، عَلَى أَبْعد تَقْديرٍ، قال للشجرة:

وداعاً أيّتها الشجرة التي مَنَحَتْنِي الظّلَّ،

وللنَّهْرِ: وداعاً، لأنَّك بَلَّلْتَنِي،

وداعاً، أيّتها الفراشة البَيْضاء.

بسبب لا أَحَد،

حَقّاً،

بَكَى هذا الحجر.



اِخْرَس



تَقَوْقَعْ أيُّها الجسدُ

داخل قَوْقَعتك، مُتَنَبِّهاً إلى شَأْنِكَ وَحْده:

الماءُ وَحْدَهُ هُوَ ما سيكونُ نادراً

في تلك الجُمعة السِّرِّيّة:

الماءُ، وليس الهواءَ، الماءُ

الماءُ، المَاءُ، الماءُ

الذي لَنْ يَنْطِقَ بِهَدْهَدَةِ الأَصْل،

وَلَنْ يَغسلك، لَنْ يُقَبِّلكَ، لا من داخلٍ

وَلَا مِنْ خارج، والأرض يابسةً سَتصيرُ،

مُفرغةً مِنْ كينونتها، هي التي

كَانَتْ أكْثَرَ أموميّة لكَ مِنْ أُمِّك مُذْ كنت جنيناً،

وَمِنْ قَبْلُ، ومِنْ قَبْلِ القَبْل.



مِنْ السَّمكة التي، لِثَمانِينَ مرَّةً، لم تَكُنْها

سَتَبْقى ثلاثُ شوكاتٍ فقط:

شوكةُ التفكير، وشوكة الحبِّ الدمويّة،

ثم الشوكة السامّة: شَوْكَةُ كَوْنِك مَوْلُوداً.

كُونْسِرْتُو



مِن بَيْن جميع الذين كتبوا الكِتَاب،

رَسَم رامبُو طنين الأصواتِ،

لا أَحَد عَرَفَ ما خَطّهُ يسُوع هذه المرّةَ

على الرمل! لُوتِريامون صَرَخَ طويلاً،

كَافْكَا توهَّجَ مِثل محطبة مَعَ أوراقهِ:

ما هو مِن النَّار إلى النار يَعُودُ.

بَايِّيخو لَمْ يَمُتْ، فالهاوية كانَتْ مُمْتلِئةً

به امْتلاءِ الطاوِ بالقَطَارِب؛

آخَرُون كانوا لا مرئيين؛ شكسبير

صَنَع الفُرجة بعشرة آلاف فراشة،

أمَّا مَنْ مَرَّ عبر الحديقة، الآن،

مُكلِّماً نَفْسه فهو باوند يُناقشُ رُموزَ

لغةٍ مع الملائكة، شابلين يُصوِّر فيلماً

عن نيتشه، مِن إسبانيا أتى في ليلة

مُظْلمة القدِّيس خوان عَبْر الأثير،

غويا، بِيكاسُو مُرْتدياً ثَوْب مُهرِّج،

كافافيس من الإسكندرية..

آخرون، مثل هيروقليطس، تَحْتَ الشمس نَامُوا،

ومن الجذور غَطُّوا في الشخير،

صَادْ، بَاطايَ، بريتون نفسه؛

سويدنبرغ، آرتو، هولدرلين

وَجَّهُوا تحيّةً حزينة إلى الجمهور

قَبْلَ الكُونْسِرتْ:

ماذا يَفْعل سيلين هناك

نَازفاً دماً في هذه الساعة؟

 موضوعات أخرى