الطعام والتعايُش

ستفانو بيني



أعتقد جازماً، كما هو الحال في هذه الأيام التي يبدو فيها التعايُش صعباً أو مستحيلاً، أنه مهما جرى من تنظير وحديث ومحاولة الوصول إلى حلول، فالاختيار يقع دائماً على تصادُم الأفكار. وليس لديّ في هذه اللحظة كثير من اليقين يمكنني أن أعرضه، وإنما أعود أدراجي إلى الماضي، إلى مثال وُلِدَ فيه التعايُش، في إحدى بلدات الجبل الصغيرة. ومن هذه القصة البسيطة يمكن أن تتولّد أفكار.

كنا نعيش في بيت على حافة الغابة. كانت بلدتنا صغيرة معزولة، وأقرب مدينة إلينا كانت تقع على بعد خمسة عشر كيلومتراً. وحولنا بضعة بيوت صغيرة تسكنها عائلات أخرى، مثلنا، وحتى وإن لم نكنْ نتزاور كثيراً، توّطدت بيننا أواصر الصداقة، فقد كنا نلتقي في الأسواق، وفي المخبز العمومي، وفي جمع الكروم.

وذات يوم جاء إلى داخل الغابة بعض قاطعي الأخشاب، وعاشوا فيها. جاءوا من الشمال، وكانوا يتحدّثون لهجة غريبة علينا، لرجالهم لحى طويلة، ولنسائهم ملابس داكنة، وأطفالهم شاحبون واجمون. كانوا منطوين، على الأقلّ في مظهرهم، لا يلقون التحية ولا يستأنسون بغيرهم.

كنا نعرف أنهم جاءوا لأن الغابات التي وُلدوا فيها قد تَمّ تدميرها لبناء مساكن وشقّ طرق، وأن مهنتهم كانت شاقة، وأنهم حاولوا دون جدوى الاستقرار في أماكن أخرى. وبآخر ما معهم من مالٍ حصلوا على ترخيص بقطع الأشجار وبيع الأخشاب في جزء من الغابة. وفي وقت قصير كانوا قد بنوا ثلاثة عنابر كبيرة، ونحن من ناحيتنا أسميناهم جماعة اللحى السوداء.

عندما كُنّا نمرّ من الشِعاب الجبلية بين أشجار الصنوبر كُنّا نسمع ضربات فؤوسهم، ولكن لم نكنْ نراهم أبداً. في الفجر فقط كان ينزل إلى المدينة رجلان وامرأتان وعلى رؤوسهم مقاطف ثقيلة من القشّ، يبيعون فيها الحطب للتجار. كُنّا نحن نجلس في المقهى نحتسي شيئاً من الشراب، ومعنا الأموال القليلة التي نتسوّق بها على عجل لنعود إلى قريتنا المخبأة.

لم يكنْ لديهم لا كهرباء ولا غاز، وكانوا يحصلون على الماء من جدول ماء صغير. لم يكونوا يظهرون تقريباً، فحامت حولهم الأقاويل والشبهات.

فكان مما يُحكى عنهم أنهم فرّوا بعد أن قتلوا حاكمهم، وأنهم يمارسون العنف مع المرأة، ويرغمون أطفالهم على العمل متى بلغوا السادسة من العمر. لم يكونوا يعرفون لغتنا، ولم يكونوا يعرفون الصيد، وإنما فقط ينصبون الشِراك، ولم يكونوا يعرفون كيف يُزرع البستان، فكانوا يأكلون مما في الأرض من جذور، ولم نكنْ نعرف إن كانوا فيما بينهم يشكّلون عائلات فيها زوج وزوجة وأطفال.

وفي نهاية الأمر انطلقت آلية الاستبعاد تلقائياً، فكنا نحن الصغار نخاف منهم، ونتحاشى صغارهم، وما بين الفينة والأخرى كنا نرميهم بحجر.

جدي هو فقط الذي حاول أن يفهم شيئاً عن قبيلة اللحى السوداء الغامضة هذه.

ذهب ذات مرة للصيد في الغابة، وفي طريق عودته شَمّ رائحة شهية. خارج العنبر كانت هناك امرأة تطهو على موقد حجري حساءً ساخناً. لم تكنْ جذور الأرض، بل حساء لذيذ يفتح الشهية. توقّف جدي وألقى التحية: كان قد اصطاد لتوه طاووسين. نظرت إليه المرأة بدهشة، وسألت بلغة إيطالية صعبة عن هذه الطيور، ثم أضافت: نحن لا نأكل اللحم أبداً تقريباً. تذوّق جدي الحساء وترك لها الطاووسين، وهو يحيي المرأة المندهشة.

وفي المساء التالي هبط رجل بلحية ومعه سلّة تحت أبطه ووصل حتى بيتنا. شممنا من نوافذنا رائحة أرانب وعصيدة. كان الرجل واقفاً في الفناء أمام البيت ولم يجرؤ على الدخول.

خرج له جدي وبدأ معه النقاش. فيما تحدّثا؟ ليس عن الأنظمة السياسية العليا، ولكن عن الطعام. كان الرجل ذو اللحية يستخدم قليلاً من الكلام وكثيراً من الإشارات والإيماءات. شرح أنهم لا يجيدون مهارة صيد الحيوانات البريّة، وليست لديهم بنادق. ولم يكن من السهل أن تنمو الخضراوات في أرضهم. ولهذا ظَلّ نظامهم الغذائي بسيطاً. ولكنهم كانوا يعرفون جيداً كيف يعثرون على الطعام في الغابة. ولهذا أهدى والدي سلة من فطر عش الغراب.

ومنذ ذلك اليوم أصبحت مجموعة منا تصعد كل يوم أحد إلى عنابرهم، لنأكل في مطبخ أصحاب اللحى السوداء، حساءهم وفراولاتهم وكستناءهم. وفي الأحد التالي كانوا يأتون هم إلينا. كنا نتبادل وصفات الطعام، وكانت النساء يتضاحكن فيما بينهن في المطبخ.

عندما نجلس حول مائدة الطعام لا تكون هناك حاجة لكثير من الشرح. هذا هو ما كان جدي يقوله.

بعدها بوقت قصير صار صغارهم يلعبون الكرة معنا، وصرنا نحن نذهب لنجمع التوت البري من قلب الغابة معهم. هكذا صار سهلاً تجاوز الشكوك والشبهات. بطائر بري وسلة من فطر عش الغراب.

إننا إذا نجحنا في أن نشمّ رائحة مطبخ الآخرين، وأن نعرف شيئاً عن جوعهم، وبؤسهم، وتراثهم، فقد تمضي الأمور على نحو أفضل.


 موضوعات أخرى