«بياض ساخن».. عبلة والفصام والثورة



«لا تحزن يا أخي المختلف، فالرسوم الموجودة على أجنحة فراشة لا تتكرَّر عند غيرها من الفراشات». بهذا المقطع تبدأ الكاتبة المصرية سهير المصادفة أولى صفحات روايتها «بياض ساخن»، بإهداء تناشد فيه المختلفين، وتطلب منهم الصبر ومقاومة الأحزان التي تخلِّفها نظرة المجتمع إليهم، ردّاً على هذا الاختلاف. الرواية صادرة عن الدار المصرية اللبنانية (2015)، وأحداثها تدور في أجواء جحيمية على المستويين: العائلي، والنفسي، إبان ثورة 25 يناير 2011، وما تلاها من أحداث سياسية مريرة.

عبلة- بطلة الرواية- شخصية غير مستقرّة نفسياً بسبب حالة الفصام: تظهر عارية في ميدان التحرير، دون أن يتطوع أحد لمساعدتها وستر جسدها، ترشق المارّة بألفاظها البذيئة وحركات يدها وأصابعها الأكثر بذاءة من ألفاظها، بينما تتعالى ضحكات المارّة الذين تجمَّعوا من حولها، للقيام بتصويرها، بوصفها مجنونة، لا ثمن لها.

اختارت عبلة الجنون حيلةً نفسيّة دفاعية للانفصال عن العيش في واقع لا تريده، فضلاً عن وراثتها لهذا المرض عن جدّها لأمّها، الذي انتحر، لتنتهي حياته بفضيحة، تُضاف إلى رصيد العائلة من الفضائح، وتطال الأبناء والأحفاد بعده؛ وهو ما يتّضح من خلال جنون عبلة، التي قام والدها بتسميتها باسم والدتها الجميلة، التي قدَّمتها الكاتبة في شخصية الأمّ القاسية المتغطرسة، بحِرَفيّة شديدة، تدلّ على مدى براعتها في كشف أغوار الذات البشرية.

تولَّت العمّة فاطمة رعاية عبلة منذ ولادتها، بعد أن تخلّت أمّها عنها، بسبب الشبه المتطابق بينها وبين والدها، ذي الأنف الكبير. تحكي العمّة أساطير مُسَلّية لعبلة، وتشاركها أدقّ تفاصيل حياتها. تستند عبلة على حكايات العمّة فاطمة، التي تحيط بشخصيّتها الكثير من علامات التعجُّب، فكيف تعرف تلك المرأة كلّ شيء، عن أيّ شيء؟، فالتعليم المتواضع الذي نالت قسطاً قليلاً منه لا يؤهِّلها لمعرفة معلومات قيِّمة تفوق قدراتها، بوصفها سيِّدة من محافظة المنيا، لم تغادرها إلا بعد حادث فقء عينها من قِبَل زوجها.

«لولّا» الشخصية المقابلة لعبلة، وكلاهما وجهان لعملة واحدة: «لولّا» ذات المنصب المهني المرموق التي تتقن عدّة لغات وتتشبّث ببيت عائلتها القديم، تكره «عبلة»، وتتمنّى قتلها كي تتخلّص من عارها، و«عبلة» الهائمة على وجهها في شوارع القاهرة والإسكندرية والتي تصطدم في رحلتها بعمّال مقهى، وبسائقي سيّارات الأجرة.

يشتدّ الصراع بين عبلة ولولّا لتبدوا وكأنهما- بالفعل- شخصيّتان منفصلتان، حيث تَمّ تقسيم الرواية إلى فصول، تحمل اسمين فقط: «لولّا» التي تروي قصّة عبلة، و«عبلة» التي تروي قصّتها مع اللون الأبيض، الذي يجتاح عقلها، ويمنعها من التفكير في التراجع عن جنونها.

سهير المصادفة كاتبة وشاعرة وروائية مصرية، صدرت لها روايات: لهو الأبالسة»، التي نالت جائزة أفضل رواية من اتِّحاد كتّاب مصر، و«مس ايجيبت»، و«رحلة الضباع»، وقد حصلت على جائزة أندية فتيات الشارقة للشعر، عن مجموعة «فتاة تجرِّب حتفها». وبعملها الروائي الجديد، نجحت في تقديم نصّ بطعم الروائح الشعبية العتيقة المنبعثة من بين ثنايا أحجار منطقة الأزهر، ومنطقة مصر القديمة.

 موضوعات أخرى