التاريخ والذاكرة الثقافية .. في الرواية الفكتورية الجديدة

سعيد بوكرامي



يأتي كتاب كيت ميتشل، «KATE MICHELLE» «التاريخ والذاكرة الثقافية في الرواية الفكتورية الجديدة، HISTORY AND CULTURAL MEMORY IN NEO-VICTORIAN FICTION»، الصادر عن دار نينوى للدراسات والتوزيع والنشر، 2015، ليكون حلقة جديدة ضمن المحاولات الأكاديمية الرصينة التي تعمل الكاتبة والمترجمة الفلسطينية الدكتورة أماني أبو رحمة، من خلالها على رصد الانحراف والتحوُّل في الأنموذج الفكري الإنساني في السياق الغربي، والذي بدأته في كتابها «نهايات ما بعد الحداثة: ارهاصات عهد جديد»، أدرجت فيه الكاتبة ما يقرب من ثلاثة عشر مصطلحاً، يرصد كلّ منها الانعطاف بعيداً عن سياقات ما بعد الحداثة كل في مجال معين، ويؤسِّس لألفية جديدة فكرياً وحضارياً. ثم تلاه كتاب «أفق يتباعد: من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة»، الذي ضمَّنَته جملة مفاهيم، ورصدت به كيف تغيَّرت دلالاتها في الحداثة، ثم ما بعد الحداثة، ثم ما بعدها.

تقلب كيت ميتشل، في هذه الدراسة الهرمية التقليدية للتاريخ والذاكرة، التي كانت فيها الأخيرة مشاركة في/ وخاضعة للتأريخ، بوصفه الضابط المصحِّح للذاكرة غير المعصومة من الخطأ. بدلاً من ذلك، تعيد ميتشل في هذه الدراسة موضعة الذاكرة، بوصفها تأسيسية، لا على أنها تظهر من خلال الوسيط التاريخي فقط، بل لأنها تشكِّل الخطاب التاريخي ذاته؛ كونها مكوِّناً مهمّاً وأساسياً فيه، إضافةً إلى أشكال تذكارية أخرى وكتابات وتسجيلات كانت خاصّة حين كتبها أصحابها، فتحوَّلت إلى عامّة، مثل اليوميات، والصور، والأدب، بحيث أصبحت الذاكرة هي ما يحدد ما يمكن، من الماضي، أن يصبح «التاريخ»، كما نعرفه. وبصورة ضمنية، فإن وسائط التذكُّر و(وسائط النسيان الانتقائي، أيضاً) هي التي تنتج الخيالية التاريخية التي يستقي منها «التاريخ»، لا العكس. وتبعاً لذلك كما تقول ميتشل- فإن «الرغبة الملحّة في المعرفة التاريخية، وفعل التذكُّر يتفوَّقان على المعرفة التاريخية ذاتها؛ بحيث يكون الماضي مفتوحاً دائماً، من أجل إعادة تشكيل المستقبل من فعل التذكُّر. وبحسب ميتشل: يوفِّر التخييل فضاء خصباً على نحو خاصّ لإظهار التحوُّلات المعقَّدة التي جرت من أجل تحويل الذاكرة الشخصية والجماعية المؤقَّتة إلى الذاكرة الثقافية الدائمة. ركَّزت ميتشل في هذا الكتاب على أعمال معاصرة أصبحت- بالفعل- جزءاً من كلاسيكيات (الفكتورية الجديدة) التي طفت، على نحو تصاعدي، في الدوائر الأكاديمية والخطب السياسية والإعلام والمناهج الدراسية الجامعية والبحوث المتقدّمة منذ ثمانينات القرن الماضي.

اختارت ميتشل روايات: «أرض المياة» لغراهام سويفت (1983)، و«امتلاك» لأنطونيا سوزان بيات (1990) وروايتَيْ سارة ووترز: «النشال»(2003)، و«انجذاب» (1999)، ثم روايتين أقلّ شهرة: «أضواء ستون» لغيل جونز (2004)، «وصورة تلوية» لهيلين همفريز (2001).

في مقدّمة الكتاب تتحدَّث المترجمة عمّا يعرضه الكتاب من تحليل للتغيُّر، الذي يتعلَّق بمفهوم التاريخ والرواية وعلاقة كلّ منهما بالآخر، ثم دور الذاكرة الذي كان مغبوناً على مَرّ العصور، ومنظوراً إليه بالازدراء، بوصفه غير موضوعي وغير قابل للقياس أو التحقيق، وكيف تطوّرت هذه الثلاثية، منذ القرن السادس عشر حتى ما بعد الألفية الثانية. يطبّق الكتاب نظريّته على عدد من الروايات المعاصرة التي نالت احتفاءً خاصّاً في الدوائر الأكاديمية والثقافية الغربية؛ لأنها كانت الأولى في رصد التحوُّل إلى مفهوم جديد للتاريخ والرواية التاريخية، تظهر فيه الذاكرة، بوصفها عنصراً فاعلاً، وذا صلة مهمّة.

تزعم ميتشل، في كتابها، أن العودة إلى الماضي الفكتوري، نهاية القرن العشرين، ومطلع الألفية الثالثة، أبعد بكثير من مجرَّد (لعبة تلبيس القرن التاسع عشر لغرض استهلاكي بحت)؛ ذلك أن روايات الخيال الفكتوري الجديدة تنخرط، نقدياً، مع الماضي، من خلال تحويل التركيز من مَشْكلة ما بعد الحداثة لكلّ، لأيّ معرفة تاريخية، إلى أهمّيّة الاستمرار في السعي إلى مثل هذه المعرفة (حتى المتنازَع عليها)، بوسائل جديدة لتسهيل العثور على المعرفة.

وبينما تطرح تلك الروايات وعياً ساطعاً بالاشكاليات المتضمّنة في تقصّي المعرفة التاريخية وتحقيقها، إلا أنها تبقى ملتزمةً بإمكانية وقيمة السعي وراء تلك المعرفة، وقيمته. وأشدّ ما يشغل تلك الروايات هي الطرق التي يمكن بها للرواية أن تزعم معرفة الماضي، جزئياً ومؤقّتاً، بدلاً من الطرق التي تزعم عدم إمكانية ذلك. تشكّل هذه النقطة خروجاً عن الكثير من أطروحات الرواية التاريخية المعاصرة والتي تركِّز، تبعاً لأنموذج ما وراء القصّ التاريخي المؤثِّر لليندا هتشيون، على قضايا، مثل الطرق التي تُمشْكِل بها تلك الروايات تمثيل الماضي، وتبرز إلى الواجهة صعوبات تحقيق المعرفة التاريخية. وهكذا، فإن هذه الدراسة تسعى إلى رسم إطار أوسع من ما وراء القصّ التاريخي ذاته، وتتناول- أيضاً- بعض جوانب الفيكتورية الجديدة التي ساهمت في تعزيز، ثم توسيع وتحويل هذا الجنس الأدبي الفرعي، وتعيد مقاربة الرواية الفكتورية الجديدة، بوصفها جنساً فرعياً من الرواية التاريخية، يربط الرواية المعاصرة بالرواية التاريخية التقليدية، النوع الذي عارضته ليندا هتشيون في ما وراء القصّ التاريخي.

لذلك، فإن ميتشل تلخِّص تصوُّرها النقدي لروايات الفكتورية الجديدة بقولها، في الفصل الأول: إن روايات الفكتورية الجديدة يجب أن تُقرَأ بوصفها «نصوص ذاكرة»؛ بمعنى أنها تشِّكل، بفاعليّة، أفعال الذاكرة الثقافية بدلاً من كونها مجرَّد روايات أو بديلاً منافساً لصيغة السرد التاريخي في ما بعد الحداثة. وهكذا فإن ما هو على المحكّ ليس صحّة تمثيل القرن التاسع عشر، أو عدم صحّة ذلك، ولكن الطرق، والأغراض، التي يجري بها تذكُّر الفترة من قبل الكتّاب والقرّاء، بل شخصيات الروايات ذاتها.

وبناءً عليه، فإن الدراسة تؤسِّس الإطار النظري لفهم طبيعة المطاردة بين الماضي والحاضر، وتتناول، في هذا الاطار، عمل دريدا في «أشباح ماركس»، حيث يطلب دريدا التحدُّث إلى الأشباح، تماماً كما يفعل أبطال الروايات قيد المناقشة، وكما يجب أن نفعل نحن مع الماضي. وتعتبر المترجمة أنه: «على الرغم من الجهد المبذول في الدراسة فإنها تنتهي بنا إلى قضية شائكة أخرى، حين تفتح الباب على مصراعيه أمام سؤال: هل رمزية الشبح والطيف والمطاردة هي الأمثل لوصف حضور الماضي في الحاضر؟ وهل هي استعارة مفيدة، بغضّ النظر عن تكلفتها؟ سؤال تحتاج الإجابة عليه إلى دراسات تالية تستند إلى دراسة كيت ميتشل لأنها من أوائل الدراسات التي تطرَّقت لعلاقات التاريخ والذاكرة والرواية الإشكالية والمعقَّدة، على الدوام).

يشار إلى أن أماني أبو رحمة باحثة ومترجمة فلسطينية، صدر لها «نهايات ما بعد الحداثة: إرهاصات عهد جديد»، وزارة الثّقافة العراقية، 2013، و«الفضاءات القادمة: الطريق إلى بعد ما بعد الحداثة»، تقديم معن الطائي، 2012، كما ترجمت «علم السرد: مدخل إلى نظرية السرد»، تأليف يان مانفريد، 2010، و«جماليات ما وراء القص: دراسات في رواية ما بعد الحداثة»، لمجموعة مؤلفين 2010. و«نهاية ما بعد الحداثة: الأدائية وتطبيقات في السرد والسينما والفنّ» لراؤول إيشلمان، 2013.

كما شاركت الدكتورة أبو رحمة في العديد من الدراسات في عدد من الموسوعات العلمية، منها: موسوعة الفلسفة الغربية المعاصرة: صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة إلى التشفير المزدوج، وموسوعة الفلسفة والنسوية، وموسوعة خطابات الما بعد في استنفاذ أو تعديل المشروعات الفلسفية، وموسوعة «الفعل السياسي بوصفه ثورة: دراسات في جدل السلطة والعنف عند حنه أرندنت. وصدرت هذه الموسوعات بالاشتراك مع عدد من الأكاديميين العرب، عن منشورات الاختلاف، ومنشورات ضفاف، 2013، بالإضافة إلى كتاب «أفق يتباعد.. من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة»، 2014، عن دار نينوى.


 موضوعات أخرى