الجوائز الأدبية.. من الدّاخل

باريس: عبد الله كرمون

تُشكِّل ظاهرة الجوائز الأدبية محطّة بارزة من محطّات المواسم الثقافية الجديدة، خاصّة أنها لا تُعلَن، في مجموعها، سوى بُعَيد انطلاق ما اصطُلِح عليه بـ(الدخول الثقافي)، وذلك بوصول كمّيّات هائلة من الكتب الصادرة حديثاً إلى رفوف المكتبات. والتي تتوزَّع ما بين صنوف متباينة، مع غلبة واضحة للفنّ الروائي.

لعل ما بات مزعجاً في هذا التقليد الثقافي الذي دام، في حال بعضها، أكثر من قرن، مثل الغونكور، هو أن الجائزة ما تزال توهمنا بكونها تصطفي عملاً من أجل (ولأجل) خصائصه الأدبية والفنية، في لغته، وأسلوبه، ومراعاةً لعمقه الإبداعي.

كان هذا، في الواقع، هو هدف جائزة، تمنحها «مؤسّسة»، أُريد لها أن تكون أكاديمية؛ إذ أوصى الأخوان غونكور بإنشائها، بعد موتهما، وصرف ثروتهما من أجل خدمة الأدب الرفيع.

فقد أنشئت في بداية القرن العشرين، في وقت كانت فيه الأكاديمية الفرنسية هي الآمرة والناهية، بوصفها صاحبة الكلمة العليا، بشأن الحرص على تعهُّد اللغة الفرنسية والسهر على الاستعمال السليم لها.

أتت غونكور إذاً، وطرحت نفسها، بوصفها أكاديمية، لا مجرّد جهة ثقافية تمنح جائزة لأفضل رواية في كلّ عام، كما أنها سَنَّت تقليد الاجتماع حول وجبة طعام، مرّةً في كلّ شهر، يحضرها أفراد هيئة تحكيمها الدائمة. صارت، بذلك الشكل، تزاحم الأكاديمية الأعرق، ممّا اضطرّ هذه الأخيرة لأن تعلن هي- أيضاً- عن جائزتها التي قد تشرّف في العام الواحد أكثر من مستحقّ.

فإذا كانت الأكاديمية الفرنسية ليست، دائماً، نزيهة في اختيار قبول المرشَّحين للانضواء تحت لوائها، لأن اعتبارات سياسية أخرى تتحكَّم- أحياناً- في إبعاد بعض الكتّاب الأفذاذ، كرفض بلزاك، وبعده إميل زولا، الذي لم يُقبَل فيها رغم محاولاته العديدة، فإن أكاديمية غونكور- بالرغم من أن جائزتها قد مُنحت في السابق لكتّاب مهمّين، ظلوا مقروئين على الدوام، مثل بروست، وسيلين- صارت جائزة دور نشر، بالأساس.

فبما أن أعضاء لجنة تحكيمها هم كتّاب أيضاً، وأحياناً هم نقّاد، مثل حكّام الجوائز الأخرى، على العموم، فإنهم كثيراً ما يميلون إلى اصطفاء الناشر الذي ينشر كتبهم أيضاً. من هنا، نلحظ أن الجائزة- بهذا المعنى- هي نوع من الدعاية المادّيّة، أي الإشهار، خاصّة أن الكتب المتوَّجة راحت تعرف رواجاً غير مسبوق.

فإن كانت الكتب الحائزة على هذه الجوائز ليست رديئة بهذا المعنى، فإن حصولها على الجائزة ليس، بهذا المقياس، دليلاً على جودتها، وقيمتها الأدبية؛ ذلك أن الجائزة تستدرّ نوعاً من الاهتمام العامّ بالكتاب المتوَّج، وهذا الأمر- في حَدّ ذاته- حجّة على نقص فيه، يستدعي إثارة الاهتمام به، لأن الكتاب الجيّد- في عرفي- يصل إليه القارئ الجيّد، بدون جعجعة ولا ضجيج.

يبدو جليّاً- إذاً- أن الجائزة سواء أتعلق الأمر بغونكور، أم تعلَّق بكلّ من: رونودو، وفيمينا، وميديسيس، وأنترألييه وغيرها، فهي تسعى إلى منح الكتّاب فرصة الحصول على فسحة انتشار أوسع. ففي الوقت الذي يُعرَض فيه الكتاب في المحلّات التجارية الكبرى، بعد فوزه بجائزة غونكور مثلاً، محاطاً بتلك العلامة الحمراء التي تميِّز مكانته بين الكتب الأخرى، فإنه يجلب الأنظار إليه. نفهم، من كلّ هذا، أن الجائزة هنا لا تقدِّم لنا عملاً أدبياً متميِّزاً، وإنما تثير انتباه الشريحة الواسعة من المستهلكين إلى منتوج جديد، وتحثّها على استهلاكه. وبما أن المنتوج، الذي هو الكتاب هنا، يحمل قيمة معنوية، فإن من المفترض أن يكون مستهلكه قد وقع تحت أسر هالة الجائزة، ويثق ثقةً عمياء في مصداقيّتها.

تقوم الجائزة، في إطار سياسة النشر الحاليّة، بدور المبرِّر القوي لاقتناء المنتوج. وقد صارت الكتب المتوَّجة بالغونكور، مثلاً، موجَّهة إلى فئة من القرّاء تحتاج إلى رأي لجنة تحكيم معيَّنة لاتخاذ موقف إيجابي من كتاب بذاته، لأن لا ذائقة فنيّة لها، ولا تملك حاسّة نقدية أوّلية.

وإذا ركَّزنا أكثر على جائزة الغونكور فلأنها هي التي تبيع عدداً أكبر من نسخ الكتب الفائزة بها؛ ما يقدَّر بحوالي مئتي ألف نسخة، على أقلّ تقدير.

تظل الكتب المتوَّجة بأهّم الجوائز الباريسية معروضة بشكل لا يجعل العين تفلت من رؤيتها، إذ لن تخطئ مواضعها على طاولات المكتبات وواجهاتها، لأن فترة أعياد رأس السنة تدنو، والكتاب يجب أن يباع، فالكثيرون ليسوا قرّاءً، لكنهم يشترون الكتاب المتوَّج من أجل إهدائه، ربَّما، لشخص لن يقرأه أبداً. وعندما يمضي شهر على هرج الجوائز الأدبية، وتهريجها، تُنسى تلك الكتب نهائياً، وتظلّ سوقها كاسدة، في انتظار ضربة نَرْد لمحظوظين جدد، في العام المقبل.

وإذا كان مفعول الجوائز الأدبية فعّالاً فإن عددها بات يتعاظم أكثر فأكثر، لأنها هي التي صارت تمنح قيمةً وشأناً لكاتب مُعَيَّن، ثم تعرّف بدار نشر، قد تكون صغيرة ومغمورة، في أحايين كثيرة.

ثم إن الجوائز هي- أيضاً- تأثَّرت بالانحسار الذي عرفته سوق القراءة وظهور الكتب التي تباع على نطاق واسع، بالرغم من ضحالتها، بكل المعايير، وذلك بتدهور المستوى الأدبي لدى عموم القرّاء. من هنا، صارت الجوائز تُمنَح كثيراً لِكِتاب قد شَرَع يُباع بشكل جيّد، من أجل أن تضمن مضاعفة مبيعاته، وتحقّق للناشر أرباحاً مهمّة، وللكاتب مكانة، لم يكن يحلم بها قبل فوزه بتلك الجائزة.

تسعى لجان تحكيم الجوائز في فرنسا، خاصّة المشهورة منها، إلى اختيار الكتب التي تروِّج، على الأرجح، لموضوع سجالي، سواء أكان سياسياً، أو كان ممّا يمت بِصِلة إلى الإسلام أو الهجرة، حالياً؛ لأنها تعرف- مسبقاً- أن تلك العملة رائجة، ولن تزدان، مع الجائزة، إلا برواج أكبر، وهو همّها.

أما أعضاء لجان التحكيم فإنهم لا يعيِّنون، كلّ سنة، سوى ناشر واحد، ويتمّ ذلك بالتناوب بينهم: واحد كلّ مرّة، وقد يستحوذ عليها بعضهم أكثر من الآخرين، متى كان أتباعه، في ذلك المجمع، كثر.

إذاً، تظلّ الجوائز- على العموم- نوعاً من الخطاب غير المباشر، والموجّه إلى الغالبية العظمى من المتعلِّمين، تقترح عليهم الكتب الجديرة بالقراءة، لأنهم بحاجة إلى ذلك النوع من الخطاب، والذي يتمّ ترويجه من طرف حلفاء آخرين، هم أقرباء أعضاء لجان التحكيم، أقصد بالذكر النقّاد الصحافيين، ومعدّي البرامج الإذاعية، والجهاز الإعلامي برمّته، إذ ينفخ، بما أوتيَ من قوّة، في قيمة الجائزة وفي قدر صاحبها، كما يتيح للكتّاب الفائزين بتلك الجوائز، عبر الحوارات واللقاءات، «قرناً» تحمل أصواتهم إلى آذان العامّة المستهدفة، مثلما توجد في منطقة الليموزان جائزة أدبية، تحمل اسم «القرن الذهبي»، يحصل صاحبها على ثور أصيل!

 موضوعات أخرى