بعُيونٍ عَرَبيّة

بنيونس عميروش

ضمن تجارب دول الخليج العربي، يظلّ الفَنّ القطري من بين التجارب التشكيلية التي دأبت على رسم مسارها بعزم وتُؤَدة، بناءً على وعي فنانيها بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم من حيث الدور الموكول للإبداعات البصرية كممارسة فعالة في تقوية البناء الحضاري، وفي تدعيم التنمية التربوية والثّقافيّة والاقتصادية للبلاد، ولعلّه الوعي ذاته الذي كان رافداً إجرائياً في تشييد البنيات اللازمة من متاحف ودور عرض بالمواصفات المعاصرة والحديثة، وكذا مؤسسات الاستقبال والتنظيم والتكوين، مع التأكيد على أهمية إحداث مركز «سوذبيز» للمزادات العلنية بالعاصمة الدوحة.

تُعدّ سنة 1980 منعطفاً دالاً، إذ عرفت تأسيس «الجمعية القطرية للفنون التشكيلية» بمدينة الدوحة، من قِبَل رعيل الروّاد: جاسم محمد زيني، يوسف أحمد، محمد علي الكواري، سلطان السليطي، سلطان الغانم، حسن عبد الرحمن الملا، وفيقة سلطان، عيسى ماجد الغانم، يوسف الشريف، أحمد السبيعي، محمد علي عبد الله، عبد الله دسمال الكواري، سلمان المالك، محمد جاسم الجيدة، ماجد المسلماني، علي الشريف، سيف الكواري، فرج دهام (بحسب ترتيب عبود سلمان، آرت عمان، 2009). في حين، تَمّ تأسيس «المركز الشبابي للإبداع الفني» برئاسة الفنان سلمان المالك، إيماناً منه بضرورة الحرص على «رفد الساحة الفنّيّة في قطر بالطاقات الإبداعية الجديدة، وتنشيط الحركة الفنّيّة بشكل متواصل، والإسهام في التنمية الفكرية والجمالية من خلال إشباع حاجات الشباب بالمعرفة عبر مختلف مجالاتها المتعلّقة بالثّقافة والفنون، علاوة على مساعدتهم على التخيّل والابتكار والتعبير عن ذواتهم».

من ثمة، فإن الجاري حالياً على الساحة الفنّيّة القطريّة، يقول الناقد والباحث ياسر منجي (مصر)، يُعَدُّ مُحَصِّلةً منطقيةً لعامِلَيْن مهميْن: أولهما هو التطوّر الزمني لمسيرة الفَنّ القطري، التي ابتدأت مع روّاد من أمثال جاسم زيني، مروراً بأفراد بارزين من جيل الوسط، وانتهاءً بعددٍ من شباب الأجيال الأحدث، ويعطينا هذا العامل انطباعاً بأن تنامي حركة الفنون القطرية تشهد ثباتاً وتواصُلاً، على الرغم مما قد يبدو من هدوء سطحها مقارنةً بأقطار عربية أخرى، أما العامل الثاني فهو انخراط الفَنّ القطري في تفاعل جَدَلي مُبَشِّر مع تحوّلات الفَنّ المعاصر في منطقة الخليج العربي، وهو التفاعل الذي شهِد طفرات ملموسة مؤخراً، نتيجة الانفتاح الجَسور على التجارب المعاصرة في الغرب، والحوار المباشر مع المؤسّسات الفاعلة والراسمة لمسارات الفَنّ المعاصر، كالمتاحف الكبرى، وصالات العرض العملاقة، فضلاً عن كبار الفنانين ومشاهير مُنَظِّمي العروض والنقاد. ويمكن تمييز ثمار العامل الثاني بسهولة على مستوى المؤسسات القطرية، يضيف ياسر منجي، من خلال التحوّلات الكبيرة التي شهدتها قطر خلال السنوات العشر الماضيات، فيما يختصّ بالتوسُّع في إنشاء المتاحف، والهيئات المعنية بإدارتها ورعايتها، وكذلك من خلال الالتفات لنشاط العديد من الجمعيات الفنّيّة الرسمية الأهلية، والتي باتت تُسهِم في ضخ المزيد من الرؤى والتجارب في الساحة الفنّيّة القطرية. غير أن الجدير بالالتفات، وببذل المزيد من الجهود في هذا السياق، كما يشير ياسر منجي، هو ضرورة توسيع الأرضية الشعبية للاهتمام بالفنون البصرية، بين الشرائح المختلفة من المواطنين، وإنعاش التَوَجُّه نحو تذوق مختلف أنواع الفنون، من خلال المزيد من التواصُل بين قاعات العرض والمتاحف، وبين مختلف المناطق والمُدُن.

بعد دخول الألفيّة الثالثة بخاصة، شهد الفَنّ القطري انطلاقة مهمة، تمثَّلت عبر تطوير سبل التّكوين والعرض والملتقيات، كما يرى الناقد والباحث فاتح بن عامر (تونس)، موضحاً أن بعد بعث الجمعيّة القطريّة للفنون سنة 1980، تكاثرت المؤسّسات من أروقة ومراكز على غِرار مركز الفنون البصريّة بقطر والمركز الشّبابي للإبداع الفنّي وغيرها من مؤّسسات الدّولة إلى جانب المؤسّسات الخاصّة كمتحف الشيخ حسن وسمبوزيوم «الأصمخ» الدّولي للفنون الّذي يُشرف عليه الفنان محمّد العتيق. بعد جيل الروّاد، يضيف فاتح بن عامر، والّذي يمثّلهم: يوسف الشريف- رحمه الله- وفيقة سلطان، أحمد السبيعي، حسن الملا، سلمان المالك، عبدالله دسمال، عبدالواحد المولوي، علي الشريف، علي حسن الجابر، عيسى الغانم، محمد جاسم الجيدة، محمد علي عبدالله، ويوسف أحمد، أمكن للفن القطري أن ينحو مناحي تعبيريّة جسدتها المباحث المعاصرة التي انخرط فيها الشباب الذين وجدوا في المعرض السنوي الثّاني المنتظم سنة 2015 ضالتهم للبروز ضمن مجموعة تضم أكثر من 150 فناناً يعيشون في قطر من أهل البلاد ومن الوافدين عليها، ففي تنوّع المشاركين واختلاف جنسيّاتهم ما يسمح بتطوير التّلاقح بين التّجارب الفنّيّة وإثمارها. مؤكداً على أن الفَنّ القطري قد غادر معطيات التّشكيل التّقليدي من رسم على اللّوحة المسنديّة وتجاوز واحديّة سيطرة اللّوحة على المشهد التّشكيلي وأضحت الصّورة والخزفيّة والمنحوتة وغيرها من التنصيبات (تأثيث الفضاء) والتّعبيرات المعاصرة كالبرفورمونس من الأشكال الفنّية المهمة في المشهد القطري، فيما انضافت إلى هذه الجهود الّتي تبذلها الدّولة في الرّعاية والتّكوين والنّدوات الفنّيّة الّتي تقيمها المراكز وعلى رأسها مركز الفنون البصريّة الّذي واظب على إصدار بواكير الأعمال النّقديّة والنّظريّة في الفنون التّشكيليّة القطريّة والعربيّة من خلال إشراك أهمّ النّقاد وأبرزهم في العالم والعالم العربي.

بطبيعة الحال، تنعم الفنون التشكيلية في منطقة الخليج العربي بظروف موضوعية تساعد على الإنتاج الفنّي، وإذا كانت قطر تحديداً، يصرح الفنان التشكيلي أحمد جاريد (عضو الجمعية الدولية للفنون التشكيلية التابعة لليونيسكو وأمين سر اتحاد التشكيليين العرب ومدير السامبوزيوم الدولي للفن المعاصر بأصيلة في المغرب) قد عرفت نمواً ملحوظاً على صعيد البنيات التحتية الثّقافيّة والفنّيّة وعلى صعيد الترويج الفنّي من حيث الملتقيات والمعارض والجوائز وغيرها، بالإضافة إلى أن إقامة الفنانين العرب على أرض قطر عامل من شأنه أن يؤثر في الإنتاج الفني وفي ترويجه أيضاً، فإن كلّ ذلك يدعو للتساؤل: هل استطاعت هذه الظروف مجتمعة أن تبلور مدرسة تشكيلية قطرية؟  

وإلى أي حد تمكّن القطريون من الاستفادة من التعدُّد الثّقافي والفني الذي تزخر به قطر؟ وهل تكفي البنيات والهياكل الفنّيّة والثّقافيّة كي يظهر تشكيل قطري؟

من ثمّة، يُذَكِّر أحمد جاريد بأن الرسم في قطر كما هو في الخليج العربي برمته هو نشاط فنّي جديد على المنطقة، إذ لا يجوز الخلط بين الحرف التقليدية الوراثية في مجالات الجلد والخزف والخشب والسجاد والحلّي والتطريز وغيرها... والرسم على السند بمعناه العصري. لذلك لا تزال الذائقة والمسافة الزمنية طازجة وقريبة من الموروث البصري لدى التشكيل القطري وغالبية المعجم البصري في المنجز الفني تجد مرجعيتها في هذا التراث من حروفية وعلامات وألوان حارة... من جهة ثانية فإن ظاهرة العصامية من العوامل المؤثرة على تعثر قطع حبل الصرة مع الجمل البصرية الجاهزة، ومن ثَمّ كان سؤال الهويّة ولازال يطرح نفسه بإلحاح. وعندما يُطرح هذا السؤال في الفَنّ القطري فإن الجواب عنه موجود، وبكيفية تكاد تكون عامة، في الحروفية ثم في العلامات والفضاء المعماري وفي الألوان... فليس السؤال عن الهويّة هو المردود، بل هو أمر مشروع، غير أن الفَنّ مثله مثل الفلسفة من حيث بُعْدُ القلق ومن حيث الدهشة والإبهار، فالجواب البصري عن الهوية لا بد أن ينهض على مشروع يجدّد مفهوم الهوية كي تندمج في الراهن، الهوية ليست ماضياً، هي أيضاً: الآن وهنا، كما يرى أحمد جاريد، موضحاً أن جواب الفن، طالما هو إبداع، لابد أن يبتكر لنفسه نهجاً جمالياً مختلفاً ينأى عن تكرار الجمل المسبوقة وعن عدوى الاستنساخ وإعادة إنتاج ذات المشهد، والملاحظ اليوم، ومنذ زمن غير بعيد، أن الوضع التشكيلي في قطر يتوافر على كل المؤهلات التي لا توجد في غير قطر كي يُبْهِرَ الفنان القطري العالم...

وهناك ثلّة من الفنانين القطريين، يضيف جاريد، مِنَ الذين يشكلون فعلاً قاطرة قوية ليس للفن القطري فحسب بل للبحث الجمالي في الخليج العربي، غير أن هذا الجيل الطليعي لا يكفي لوحده، بل يحتاج إلى رافعات أخرى تتضافر إلى جانبه، منها السوق الفنّيّة المنظمة والمحترفة، إذ بدون سوق محترفة لترويج الفَنّ لن تقوم قائمة لفنّ محترف، ودون نقد محترف لن تستقيم سوق محترفة، وقد يقول قائل إن الرسامين القطريين ليسوا في عوز حتى يحتاجوا لسوق فنّيّة، لكن بدون سوق لن تفتح أروقة فنّيّة ومن غير أروقة عرض لن نرى أدنى لوحة.

إن انطلاق مدرسة تشكيلية قطريّة، يؤكد أحمد جاريد، يقع على عاتق تزايد تراكم المنجز الفنّي القطري وعلى انفتاح المشهد التشكيلي أمام الفنانين العرب المحترفين المقيمين على أرض قطر، وكذا الفنانين الزائرين في إطار المعارض التي ينظمونها والفعاليات التي تحتضنها الدوحة سواء في الأروقة الخاصة أم الفضاءات العامة، وهذا الحِراك الفنّي والثّقافي من شأنه أن يبلور المنجز الفنّي القطري بشكل نوعي، بل من المتوقّع أن تصبح الدوحة خلال العشرية المقبلة قطباً فنياً يضاهي دبي من حيث الدينامية ويلحق بالكوكبة التشكيلية العربية خاصة منها المغربية والعراقية والسورية، ويحسب لوزارة الثّقافة والفنون والتراث ومركز الفنون البصرية المؤسسة العامة للحي الثّقافي (كتارا) وباقي الهياكل أدوار لا مندوحة عنها، أما مؤسسة في حجم متحف الفنون فلازالت تتلمّس طريقها علماً بأن انتظارات كثيرة يترقّبها الفنانون منه.

بدوره يؤكد الناقد والباحث ابراهيم الحَيْسَن على أن الممارسة التشكيلية في دولة قطر تسير في الاتجاه الصحيح، وشاهد ذلك البنيات والفعاليات التشكيلية المميزة، إلى جانب وجود تجارب تشكيلية جديرة بالثناء، من بينها تجربتان جماليتان على قدر واسع من الأهمية إحداهما للفنان يوسف أحمد أحد روّاد الحركة التشكيلية في قطر، لاسيما أعماله الحروفية الحداثية وأعماله التشكيلية المستوحاة من البيئة المحلية التي تعكس هوسه بالخامة واشتغاله تيماتياً على السبخات والرمل والأزهار البرية وعالم الصحراء إلى غير ذلك من التطبيقات الفنّيّة الممتدة لتكوينه الفنّي والأكاديمي بالولايات المتحدة، والتجربة الثانية للفنان القطري فرج دهام الذي ينفذ أعمالاً إنشائية تمتح خصوصيتها التعبيرية من الشارع ومن اليومي، البعض منها يظهر مطلياً بألوان صفراء وفسفورية، إلى جانب عديد من الفنانين التشكيليين المرموقين الذين ينتمون إلى مؤسسة كتارا للفنون.

في السياق ذاته، يقِرّ الفنان التشكيلي صلاح الدين بنجكان (المغرب) بتطوّر حركية الفَنّ القطري التي تتسم بقوة الحداثة والانفتاح والحرّيّة المطلوبة لكل إبداع حقيقي جاد، مشيراً إلى أن قطر بحكم موقعها الجغرافي تُعدّ جسراً لتلاقي حضارات عظيمة لا شك أنها بصمت فنون البلاد بتيارات مختلفة لتشكّل فسيفساء تعكس بانوراما للفنون البصرية القطرية، كما تتسم التركيبة البيداغوجية للفنون المُمَثَّلَة في مركز الإبداع الشبابي وما شابهه بالتمَيُّز الملاحظ وصولاً الى المجموعات الفنّيّة، بينما المتاحف التي قلّ نظيرها في البلاد العربية هي دليل على تجربة حقيقية وقوية للتشكيل والإبداع الإيكونوغرافي العالمي. فيما يستحضر بنجكان هنا تجربة السامبوزيومات والتجارب الأفقية للمبدعين على مختلف مشاربهم معبِّراً عن انشداده لتجربة الفنان سلمان المالك والفنانة ابتسام الصفار ومجموعة من الفنانين القطريين الشباب.

 موضوعات أخرى