من مفهوم الكثرة إلى مفهوم التعدُّد



عبد السلام بنعبد العالي



«لندْعُ هذا الانفصال الزائف الذي يرمي بالآخر في خارج مطلق «اختلافاً متوحشاً». إن هذا الاختلاف لا بد وأن يضيع في متاهات الهويّات الحمقاء».

ع. الخطيبي





هل ما يهمّ النظام الديموقراطي هو أن تتكاثر الأحزاب وتتوالد، أم أن يكون فيه الحزب من الحيويّة بحيث يستطيع أن يستوعب تعدُّد الأصوات واختلاف الآراء؟ هل تعدّدية الحزب هو أن يدفعك إلى أن تقف خارجه منافساً، أم أن يمكّنك من أن تُقيم «فيه» مخالفاً؟ هل مفهوم الهويّة هو الاسم الموحِّد لـكثرة من العناصر، أم أنه الحركة التي تربط فيما بين مكوّنات متعدّدة؟ هل يتمّ الاختلاف بين كثرة من الهويّات «المتخارجة»، التي لا يبالي أحدها بالآخر IN-DIFFÉRENTES ، أم أنه ذاك الذي ينخر الهويّة ويعدّد أطرافها ويفتحها على الآخر؟ هل ما يجمعنا، وما يمكّننا من العيش-معاً، هو الاختلاف حيث تمتد التفرّدات في خط أفقي متباينة مترابطة، أم هو التميّز الذي ينتظم فيه الأفراد وفق سلّم عمودي منفصلين متفاضلين؟

القاسم المشترك بين هذه الأسئلة جميعها هو الثنائي: كثرة/تعدُّد، ولا شك أن الإجابة عنها تتوقّف على ما نعنيه بهذين المفهومين، وما نفترضه من اختلاف بينهما.

نعلم أن المدّ الفلسفي الذي طوّر مفهوم التعدُّد هو المدّ التجريبي، وخصوصاً عند الفيلسوف دافيد هيوم، كما أوضح ذلك جيل دولوز في كتابه الأساس «التجريبية والذاتية». في المنظور التجريبي الكائنات علائق و«بيْنِيات»، والوجود الفعلي هو للروابط، ما كان جان فال يُعبّر عنه بقوله: «الوجود للمعيات ET وليس للماهيات EST». العلاقة هي الأصل في الذات، وليس العكس. العلائق هي ما يُوَلّد العناصر، وليست هي ما يتولّد بيْن العناصر. فلا شيء يتحقق بذاته، كل عنصر يتولّد عما يتجاوزه. ولا وجود لكل موحِّد. كل ما يوجد هو الانفتاح اللانهائي وحركة التداخل والتعدُّد التي لا تنقطع. هنا يغدو الكائن ترابطاً ظرفياً حركياً لا يخضع لأيّ مبدأ قار، وتصبح الهويّة مفهوماً ثانوياً، أعني يأتي ثانية، ما دامت توليفاً بين أطراف. لن يعود الاختيار مطروحاً بين الهويّة ونفيها، وإنما بين هويّة مفتوحة على إمكانات متعدّدة، وأخرى محدّدة تحديداً أزلياً. ستغدو الهويّة هنا جمعاً يُقال على المفرد. إنها، على حَدّ قول دولوز، تركيب جغرافي، وليست نشأة تاريخية. لن تعود المسألة الأساسية إذاً تحرير المتعدّد، وإنما توجيه الفكر نحو مفهوم متجدّد للواحد. كما لن يعود التعدُّد هو ما يقابل الوحدة، وإنما ما يقابل الكثرة.

الكثرة MULTIPLICITÉ هي تعدّدية «الكم المنفصل»، وهي تعدّدية حسابية لكونها تقوم أساساً على آلية توليد مجموعة الأعداد الطبيعية نفسها، وأعني عن طريق إضافة وحَدة إلى الوحَدات، إضافة صوت إلى الأصوات، لغة إلى اللّغات، رأي إلى الآراء، حزب إلى الأحزاب، عنصر إلى العناصر، فرد إلى الأفراد.

على عكس الكثرة التي تنحل إلى «تعداد»، فإن التعدّدية PLURALISME تروم خلخلة مفهوم الوحْدة ذاته، وتفكيك الثنائي وحدة/تعدّد. الكثرة كثرة «خارجية»، أما التعدّدية فتقيم «داخل» الوحْدة، فتجعل الاتصال ينطوي على انفصال، والوحدة تشمل حركة وتضم أطرافاً. فليست علاقة الوحْدة بالتعدّد كعلاقة الكل بالأجزاء، أو المجموع بمكوّناته، وإنما كعلاقة الهويّة بالاختلاف.

التوحيد في الكثرة توحيد اختزالي، يُرجع العناصر جميعها إلى عنصر أساس، ويردّها إليه و«يختزلها» فيه (كما تختزل الكسور في الحساب)، بحيث لا تغدو العناصر الأخرى تفرّدات تقوم جنباً إلى جنب، وإنما مشتقات تنبع من مصدر، وفروع تتفرّع عن منبع، ونسخ تُقاس على أصل. هذا التوحيد اختزال لأنه يميّز في الكثير بين أصل وفروع، بين مرتبة أساس ومراتب ثانوية، بين «هويّة حقيقية» و«هويّات مستنسخة» فيردّ هذه إلى تلك ويقيسها عليها.

أما التعدّدية فإنها «تمتد» في فضاء يترك لكل عنصر نصيبه من التميّز، ويسمح للتفرّدات بنصيبها في الوجود. ها هنا تكون الوحدة من الحيويّة، بحيث تستطيع أن تستوعب التعدّد، ويصبح التعدّد مفهوماً باطنياً «يصدّع الوحدة ويضمّ أطرافها»، فيغدو إنسان التعدّدية ليس ذاك الذي يحمل عِدّة جوازات، ويتكلّم عِدّة لغات، وإنما ذلك الكائن السندبادي الذي «يوجد» بين لغات، وبين ثقافات، والذي لا ينفك ينفصل عن ذاته فينظر إلى الآخر على أنه المجال المفتوح للانفصال والالتقاء اللامتناهيين، ويرى إلى العيش- معاً شرطاً لوجوده.

 موضوعات أخرى