لنا ما لهم

عبدالوهاب الأنصاري



بعد حادثة هجوم سان برنادينو في كاليفورنيا في مطلع ديسمبر 2015، تصاعدت النذر في أجواء السياسة الأميركية بالدعوة إلى التضييق على المسلمين وحصرهم ومراقبة مساجدهم ومنع دخولهم إلى البلاد. وهذا وإن كان مستبعداً أن يتجاوز مرحلة الكلام، إلّا أن إمكانية الحديث عنه والتصريح به فحسب لم تكنْ في تصوّر أحد. لكن، كما يقول محمد الماغوط، كل شيءٍ ممكنٌ ومحتملٌ ومتوقّع. ومثل ذلك قد حصل، تحديداً بعد القصف الياباني لبيرل هاربر إبان مطلع الحرب العالمية الثانية حين تَمّ حجز المواطنين الأميركيين من أصلٍ ياباني في مستعمرات عبر الساحل الغربي للولايات المتحدة. أذكر هذا لأذكّر القارئ بطبيعة التعايُش بين الفئات في مجتمعٍ نفترض أنه في التقدّم والرقي آية. فالأمر حين يتعلّق بالتعايُش يبقى متأرجحاً على كف عفريت، كما يقول المثل العربي.

وحينما نستعرض التاريخ العربي الإسلامي وما ضمّه من أجناس مختلفة وسجله الممتد للألف وخمسمئة عام في التعايُش بين هذه الأجناس فالأمر ليس مختلفاً. ومجمل الأمر، أنه لا يمكن التعميم على أن وضع أقليةٍ ما كانت أو ما تزال كذا. فذلك رهنٌ بالزمان والمكان وبالأوضاع وتطوّراتها. وقد قِيل الكثير مما لا طائل في تكراره عن التسامح وقبول الآخر في مقابل التضييق وحكر الآخر. ولا ينبغي النظر إلى الماضي بمنظار الحاضر إذ إن المقاييس مختلفة. وإنني هنا معنيٌ بالنظر في الفترة الأندلسية التي بدأت مطلع العهد الأموي في الأندلس المعروفة بالإسبانية باسم LA CONVIVENCIA، أو التعايُش بين المسلمين والمسيحيين واليهود، أو ما يُسمى أيضاً بالعهد الذهبي كنموذجٍ مثالي للتعايُش.

تبدأ القصّة من تولّي قبائل القوط الغربيين السيطرة على شبه الجزيرة الآيبيرية (الأندلس)، حيث لم يعنهم بدءاً أمر اليهود هناك، حيث كانوا يعيشون بسلام إلى عام 581 ميلادية. في تلك الأعوام الأخيرة للقرن السادس الميلادي انضمّ القوط الغربيون إلى الكنيسة الكاثوليكية، وبدأ حينئذٍ التضييق على اليهود بدءاً في معايشهم ومن ثَمّ اضطهادهم بعنف، الأمر الذي يفسر ترحيب اليهود بالفتح الإسلامي في القرن الثامن الميلادي (عام 711 م، طارق بن زياد) وتقديمهم العون للمسلمين لنصرتهم ضد أعدائهم الكاثوليك.

عاش اليهود في كنف المسلمين كأهل ذِمّة في وئام وتدفّقت هجرات اليهود من أوروبا بالدرجة الأولى، ومن الأقطار الإسلامية إلى الأندلس وتعاظمت أواصر الصلة بين يهود الأندلس، وأولئك الذين بقوا حيث هم. تلك كانت بدايات العهد الذهبي الخصب دينياً وثقافياً وفكرياً. تلاقحت الأفكار : العربية الإسلامية، والعبرية اليهودية والمسيحية وما تَمّ نقله من آثار الحضارة الإغريقية، رأياً في مقابل رأيٍ آخر، وفكرة في مقابل فكرة مضادة، بسلام. أتاحت الاكتشافات العلمية لعلماء المسلمين وبحوثهم الفلسفية الفرصة للمثقفين المسلمين واليهود على وجهٍ سواء من المضي في مضمار التقدّم الحضاري كما استفاد اليهود من اعتناء علماء العربية بالنحو وعلوم فقه اللّغة بتطبيق البحوث اللّغوية على العبرية، مثلما استفاد المثقفون عموماً من المناظرات والمواضيع الجدلية المُثارة في الأوساط الثقافية. وإذ كانت العربية هي لغة الثّقافة السائدة، فلقد أتاح تبنّي اليهود لها في تجارتهم وعلومهم وفلسفاتهم اندماجهم في المجتمع بشكلٍ متكامل.

تلك هي الصورة السائدة للعصر الذهبي. اتخذ عبدالرحمن الثالث (الناصر لدين الله، ت 961 م)، ثامن الخلفاء الأمويين في الأندلس، من الطبيب اليهودي حسداي بن شبروط (أبو يوسف بن اسحق بن عزرا) سفيراً ومبعوثاً خاصاً ومفاوضاً لدى الدول الأجنبية بأعلى مقام. ولكن بوفاة ابنه الحكم الثاني بن عبدالرحمن (المستنصر بالله، ت 976 م) الذي تولّى الخلافة من بعده وسار على منواله، بدأت النكسة لليهود. ففي عام 1066 م. وقعت مذبحة غرناطة حينما اجتاحت الجموع قصر باديس بن حبوس (المظفر بالله، ت 1073 م)، وقتلت ثم صلبت وزيره اليهودي يوسف بن نغريلة. وكان لقصيدة أبي إسحق التجيبي (الألبيري) دورٌ كبيرٌ في تحريض مشاعر السخط العام. يقول أبو إسحق مشيراً إلى باديس بن حبوس:

ألا قل لصنهاجة أجمعين

بدور الندي وأسد العرين

لقد زل سيدكم زلة

تقر بها أعين الشامتين

تخير كاتبه كافرا

ولو شاء كان من المسلمين

فعز اليهود به وانتخوا

وتاهوا وكانوا من الأرذلين

ونالوا مناهم وجازوا المدى

فحان الهلاك وما يشعرون

فكم مسلم فاضل قانت

لأرذل قرد من المشركين



هذه لمحات للحظات تاريخية. الذين ينظرون إلى تلك الفترة بوصفها نموذجاً للتعدّدية والتعايُش إنما يقيسون بمنظار الحاضر. التمييز ليس سمةً للتعدّدية وفي الأندلس، بالرغم من الجانب المشرق للتعايُش، تميّز المسلمون على الآخرين كما نعلم. لكن الذين يقيسون ما آلت إليه الأحوال، لليهود والمسلمين على وجهٍ سواء، بعد تولّي المسيحيين الحكم مجدداً (1492)، ومحاكم التفتيش والمطالبة قسراً باعتناق المسيحية أو الموت، يحق لهم دعوة الفترة الإسلامية التي سبقت تلك الأحداث بالعهد الذهبي، شاملاً فترة حكم ملوك الطوائف. الذين ينظرون إلى التراث بعين التسامُح يجدون متسعاً من الأمر بالإحسان إلى الآخرين من كل مِلّة. والذين لا يطيقون سوى النقاء الثوري خشية نجاسة الآخرين ودنس معتقدهم يجدون في التراث ما يبرر موقفهم. ذلك أن التعايُش الذي يُقرّه الإسلام هو فيما بين الدول (قول الرسول فيما يتعلّق بحلف الفضول «لو دعيت لمثله لأجبت»). وعلى ذلك المنوال كان موقف الاتحاد السوفياتي سابقاً والصين أيضاً، مثلاً. لكن تحت سماءٍ واحدة يظلّ التعايُش ضمن درجات من المساواة. فلا يحق للذمي مثلاً الدعوة إلى دينه أو قد يطالب بالتميّز في لبسه وتبقى الأولوية للمسلم.

وحتى ضمن إطار الدين الواحد نفسه يظلّ التبايُن سيد الموقف، الأمر الذي أدى إلى جهود التقريب بين المذاهب، وهي جهود قديمة (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية تأسست في القاهرة عام 1947) إلّا أنها، من حيث قيمتها التعايُشية، تأخذ دوراً هامشياً تطغى عليها الأمور السياسية (الحذر من إيران يساوي الحذر من المذهب الشيعي مثلاً) وفي إيران مجمع آخر للتقريب بين المذاهب أُسّس عام 1990.

لا يمكننا أن نقف على حقيقة مفهوم التعايُش إلّا بمعرفة الحدود القصوى لتقبل الآخر. في الولايات المتحدة تَمّ انتخاب أول رئيس «أسود». كان العرق حدّاً أقصى تَمّ الآن تجاوزه.. ولنتذكر الممارسات العنصرية التي كان «البيض» في أميركا يمارسونها ضد «السود» إلى عهد قريب. وقبل ذلك، عام 1960 تحديداً، تَمّ انتخاب الرئيس الكاثوليكي الأوحد للولايات المتحدة، جون كيندي، تجربة لم تتكرر منذئذٍ. ويومها شكّل ذلك حدّاً أقصى وموضوعاً جدلياً يتداوله الناس. في العقد الأخير في الولايات المتحدة شكّل زواج المثليين (الاعتراف به قانوناً) حدّاً تم الآن تجاوزه. والموقف المسيحي تجاه مسؤولية اليهود عن دم المسيح «دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلَادِنَا»، وهو موقف قديم قِدم المسيحية، تَمّ تجاوزه بإعلان بابا الفاتيكان (10 ديسمبر 2015) بأن لا داعي لدعوة اليهود لاعتناق المسيحية للخلاص إذ إن اليهودية تشكّل جذور المسيحية أصلاً.

أذكر هذه الأمثلة لسببين، أولهما أن التعايُش يستدعي تقبُّل أمورٍ قد لا يستسيغها أولئك الذين لا يتقبلون الاختلاف، فكراً أو معتقداً أو ديناً أو جنساً؛ فضلاً عن أن التعايُش يستدعي المساواة. وثانيهما، أن مجمل توجّه عجلة التاريخ هو نحو تجاوز الحدود القصوى للقبول بالرغم من حالات النكوص والتراجع الوقتية. من ذلك مثلاً قانون إقصاء الصينيين CHINESE EXCLUSION ACT عام 1882 في الولايات المتحدة التي منعت دخول المهاجرين الصينيين إليها، وهي لطالما تشدّقت بأنها أرض الحرّيّة، وظلّت قانوناً إلى عام 1943.

التعايُش السلمي والحرّيّات القانونية وجهان لعملة واحدة. حرّيّة الدين والمعتقد، المساواة في الحقوق، الحق في العيش في أمن.. إلخ. أما في مجتمعات تدين بدينٍ رسمي لأتباعه الأولوية فالتعايُش السلمي رهن بقبول الآخر (الدونية). أما ما ورد في الأثر مثل «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» فهو على الأرجح متعلّقٌ بالذين أسلموا من أهل الكتاب والمشركين وليس بأهل الذمة أو هو متعلّق بالبيوع عموماً.. والله أعلم. وما بدايات الحركة الشعوبية التي نشأت في العهد الأموي إلّا ردة فعل العناصر المغلوبة ضد قبول الدونية، أو المواطنة من الدرجة الثانية بالتعبير العصري.

إذن فالنظرة الواقعية إلى ما كان من تسامحٍ تجاه الآخر وتقبُّله والتعايُش في وئامٍ أو العهد الذهبي وهو ما هو كائن الآن في الشرق أو في الغرب تعكس صورةً واحدة في كل الاتجاهات: رضوخ الأقليّات للأعراف والتقاليد السائدة. ففي فرنسا، مثلاً، يمكننا أن نطيل الحديث عن الحرّيّات وتجلّيّاتها الناصعة لساعات طويلة إلى نصل إلى تجريم لبس النقاب، ثم يمكننا بعد ذلك أن نعيش في سلام.


 موضوعات أخرى