«القلعة والعصفور» ثورة تفشل وشعب يتوه

رانيا جابر

في هذا النّص المسرحي «القلعة والعصفور»، للكاتب المصري أحمد سراج، والصادر عن دار إبداع للنشر والتوزيع في القاهرة، نجد أنفسنا أمام نصّ مسرحي دائري ينتهي من حيث بدأ، ليقدّم لنا إسقاطات سياسية على واقعنا المأزوم، متنبِّئاً- في الوقت ذاته- بالثورة، كاشفاً لنا عن أسبابها وكواليسها.

إننا نجد الرمز الواضح من العنوان نفسه «القلعة والعصفور»، فالقلعة رمز للتسلُّط والطغيان وحبس الحرّيّات، أما العصفور فهو- على العكس- رمز يشي بالحرّيّة والانطلاق والبراءة.

في المفتتح، يقول الكاتب: «القضية ليست في وجود الشيطان، المعضلة الحقيقية هي: من سمح لهذا الشيطان أن يتمدّد حتى هذا الحَدّ؟»، وأمّا في الإضاءة فيقول- على عكس المألوف-: «جميع الأماكن الواردة ليست من وحي خيال المؤلِّف، وكذا الأحداث والتفاصيل.. اللهم إلا النهاية، وأتمنّى أن تتحقَّق».. وهنا يكشف الكاتب، سريعاً، عن الرمز المتخفّي في ثنايا نصّه، ويُشعِر القارئ بما سوف يقوله، وإن كنت أراه يتعمَّد ذلك من باب التحريض واستنهاض الهمم، وخصوصاً أن النصّ مكتوب قبيل ثورة 25 يناير.

يبدأ أحمد سراج نصّه بحدّوتة بسيطة، مفادها أن زوجة الشرطي تذهب لتشتري تمراً من أحد الباعة الجوّالين، وترفض دفع الثمن، لكن البائع «المحتاج» لا يقبل ذلك، فترجع زوجة الشرطي تلك، فتشتكي لزوجها، فيثور الزوج معتبراً الحادث إهانة للشرطة وللنظام كلّه، فما كان منه إلا أن عاقب هذا البائع بخطف ابنته ليلة زفافها، ليأخذها إلى قصر الملك حتى تكون واحدة من المحظيّات، أما العريس فيكون هو الرجل نفسه الذي يقتحم قصر السلطان في شكل أسطوري، يتشابه مع قيام الثورة، وينبِّهه إلى الخطر القادم، ويحذّره من بطانته الفاسدة، حيث تدور الدائرة على الشخصيات، وتنتهي المسرحية من حيث بدأت.

إننا نجد هذا الرجل، قد كشف عن زيف رجال البلاط، من خلال ما نسمّيه في علم النفس «التداعي الحرّ»، حيث جعل كلّ واحد منهم يفضفض عن مخزون ذاته، في الوقت الذي جعل فيه الملك متخفّياً وراء ستار ليسجّل كلّ كلمة تخرج من هؤلاء، لكنه- في النهاية- يضرب بكلّ الكلام عرض الحائط، ليعود إلى سيرته الأولى من التجبُّر والعناد.

إنه الفساد الضارب بجذوره في كلّ البقاع، وكأن هذا الملك يعيش على فساد حاشيته، ويتنفّس به أو بمعنى آخر: إن أمر الفساد المكتشف ليس بجديد عليه تماماً، ومن ثَمّ نجد الرجل البسيط الذي يُعَدّ، هنا، رمزاً للشعب المغلوب على أمره، هو- في النهاية- الذي يُزَجّ به في السجن ليواجه مصيره المحتوم، وكأن الكاتب يخرج من بين السطور ليقول لنا إن الثورة فشلت.

لقد وفِّق الكاتب في الجمع بين العناصر التي تدبّ بينها الحياة في نصّه، حيث نجده- وقد وصف الأشخاص وصفاً- ينقلهم من مجموع أفكار، قد تكون مبهمة للمتلقّي العادي، ومن شعور قد لا يقوى الذهن على الإفصاح عنه، وكذلك من فهم خاصّ قد لا يكون له، في كثير من الأحيان، مسوِّغ ظاهر- إلى شخصيات ملموسة واضحة لها ميزاتها كما لها- في الوقت نفسه- نقائصها.

في هذا النص، نجد الرمز واضحاً تماماً، ولا سيَّما في ما يتعلَّق بنظام «مبارك»، وهو النظام الذي تحكَّمت فيه الرأسمالية بمجريات الأحداث، وأحكمت قبضتها الجهنمية على رقاب الشعب المستكين، وكانت الشخصية الأكثر تعبيراً عن ذلك هي شخصية شيخ التجّار الذي يتكلَّم، دوماً، بلسان الملك، ويلبس ثياباً تكاد تكون هي ثياب الملك، وفي صوته عمق وقوّة وثقة.

قسم أحمد سراج شخصيات نصّه إلى فريقين متقابلين، أجرى بينهما ندّيّة واضحة: الفريق الأوَّل يتمثَّل في السلطة القامعة التي تريد إذلال الشعب وتكميم الأفواه، وتمثلّه الشخصيات: شيخ التجار، والحاجب، والحكيم، والعرّاف، أما الفريق الثاني فهو يناهض الفريق الأوَّل محاولاً توصيل صوته وخلع الظلم عن نفسه، وتمثّله الشخصيات: الرجل، والفتاة، والطفل، وقائد الجند.

وقد أعطى لنا الكاتب تلميحات وإشارات تعريفية، في نهاية المسرحية، بشخصيات الفريق الثاني، والتي قد تعني المتلقّي أكثر من شخصيات الفريق الأول الذي يعرفه الجميع، بحكم الأضواء المسلَّطة عليه، ثم بحكم الفضائح التي نُشِرت عنه فيما بعد، فالرجل البسيط هو الذي خُطِفت حبيبته في ليلة العرس لأسباب واهية، والفتاة هي العروس ابنة بائع التمر، والتي صارت جارية في قصر الملك، وأما الطفل الصغير فهو ابن الملك، رمز البراءة والحرّيّة، وهو- كما رأينا في النص- كان دائم البحث عن العصفورالمفقود، وكذلك هناك قائد الجند، ذلك المَوْتور الذي قُتِل أبوه، كما لا ننسى شخصية كبير الوزراء الثائر على الأوضاع والذي اكتشف- في النهاية- أن زبانية السلطة هم من قاموا بقطع لسان أبيه.

تظهر، في النصّ، ثقافة الكاتب المتشعِّبة، ونهله من تراثنا العربي، وتنقيبه في الموروث الشعبي الثري، حيث انجلت لنا أجواء «ألف ليلة وليلة» و«السيرة الهلالية»، وكذلك استفادته من كافة الفنون: السمعية، والبصرية، كما لم تستطع آذاننا إخفاء النغمة الشعرية الخارجة من الحوار الذي جاءت بعض عباراته موزونة ومُقَفّاة.

ثمّة ملمح مهمّ نتلمّسه عند أحمد سراج، هو أنه، رغم أن أجواء النص أجواء تاريخية إلا إننا لا نستطيع القول إنه يستند على التاريخ؛ لأنه سرعان ما أدخل الحدث الواقعي مغلِّفاً إياه بالخرافة والأساطير؛ وهو ما جعل من نصِّه نصّاً مراوغاً عصيّاً على التصنيف، في معظم الأحيان.

كما كانت هناك- أيضاً- شخصية محيِّرة، لم نعرف لها دوراً، ولم نلمس لها تأثيراً، فقد كانت لها إطلالة واحدة، أو-ربّما- اثنتان، على الأكثر، وهي شخصية «الشاعر»، حتى تكاد تنزل إلى مستوى الجموع من الجنود والفلّاحين والصنّاع، كما نلاحظ أن الكاتب قد أسقطها من قائمة الشخصيات، وأراه- ربّما- تعمَّد ذلك، ليقول لنا إن الشعر لم يعد له قيمة في هذا العصر المتخلّف، وإن الأنظمة الحاكمة لا تلتفت إلى المفكّرين وأرباب المواهب.

جاءت نهاية المسرحية معبِّرة- تماماً- عمّا يرمي إليه الكاتب، من حيث الحثّ على الثورة، فنجد الرجل يقول إن هذه الحكاية ليست حكاية قبل النوم، فتردّ الفتاة مؤكِّدة على أنها الحكاية التي نعيشها كلّ يوم، لكن- وبحسب تعبير قائد الجند- لابدّ أن تكون النهاية مختلفة؛ لذا فقد وجَّه كبير الوزراء حديثه إلى الجمهور المتمثِّل في الشعب قائلاً: لقد جعلناكم القضاة، فيتساءل الجمهور: ومن يستحقّ العقاب؟ في هذه اللحظة، يتقدّم الطفل الصغير ابن الملك، ويرفع التاج الساقط على الأرض، ثم يواجه الجمهور مكرِّراً سؤاله: من يستحقّ التاج؟ وكأنه، هنا، يؤكِّد على أن الشعب هو من يستحقّ هذا التاج، ويستحقّ أن يحكم نفسه بنفسه، ويحدِّد مصيره.

 موضوعات أخرى