المستشرق الروسي ديمتري ميكولسكي: العقلية العربية أكثر انفتاحاً من العقليّة الروسية

القاهرة - خالد بيومي

الدكتور ديمتري ميكولسكي سليل تقاليد استشراقية عريقة، كرَّسها جيل عميد المستشرقين الروس «إغناطيوس كراتشكوفسكي» الذي اتَّبع نهجاً يقوم على دراسة الثقافات الأخرى، وفهمها، انطلاقاً من منظور هذه الثقافات، وهو علم بارز في مجالات: الدراسات الاستشراقية، والتحقيق، والترجمة لروائع الأدب والشعر والتراث العربي إلى اللغة الروسية، ويحتلّ مكانة مهمّة في مجال الاستشراق الروسي؛ وذلك لما قدّمه من إنجازات مهمّة في هذا المجال، للكشف عن كنوز الشرق وواقعه وحقيقته، بموضوعية وحياد كاملَيْن. وهو، في كتبه، يدعو إلى التسامح وفهم الآخر، والتعامل معه بندّيّة واحترام، ويعتقد أن الإسلام هو السبيل الوحيد إلى ينابيع الحقيقة، وقد علَّمنا التاريخ أنّ تجاوز الأزمات مرهون بالتمسُّك بالمبادئ الإنسانية والمبادئ الروحية.

يدعو المستشرق الروسي ديمتري ميكولسكي إلى تمثُّل التراث العربي، وإلى الانفتاح على هذا التراث، وتوثيق الصلة به، بوصفه تراثاً «عالمياً»، و«إرثاً مشتركاً بين الإنسانية».

هو من مواليد موسكو عام 1954، وأصدر: هيرودوت العرب: تحقيق كتاب «مروج الذهب» للمسعودي، و«سيرة حياة المسعودي»، و«حركات الإسلام الأصولية»، و«الحرب الأهلية في طاجاكستان»، و«تاريخ الدولة العباسية». وهنا، حوار معه:



§ كيف تقدِّم نفسك للقارئ العربي؟



- لقد وُلِدت في العام 1954، في العاصمة الروسية موسكو، وترعرعت في أسرة موسكوفية عريقة، تخرَّجت في معهد بلدان آسيا وإفريقيا، جامعة موسكو، في العام 1978، ولديّ اهتمام خاصّ بتراث المفكِّر الجغرافي العربي الكبير «المسعودي»، والذي قضى سنواته الأخيرة في منطقة الفسطاط في مصر القديمة، وحصلت على أطروحة الدكتوراه عن تحقيق كتابه الشهير «مروج الذهب»، عام 2002، من معهد الاستشراق في موسكو. وصدرت الترجمة الروسية لهذا الكتاب عام 2014، وكنت قد أصدرت كتاب «هيرودوت العرب.. السيرة العلمية للمسعودي»، الصادر عام 1980، وترجمته دار المدى إلى العربية عام 2007. كما صدر كتابي «حركات الإسلام الأصولية المعاصرة في العالم الإسلامي» في موسكو، عام 1990، وكتاب «تحليل الموضوعات الإسلامية في صحيفة الأهرام المصرية» عام 1991، وكتاب «الحرب الأهلية في طاجيكستان» ذات الأغلبية المسلمة، وكنت أزور هذه البلدان في ذلك التوقيت، كما ترجمت «تاريخ الدولة العباسية» المقتبس من «مروج الذهب»، وهو من أهمّ كتبي.



ما سرّ اهتمامك بتراث المسعودي؟



- عاش المسعودي عصراً انتقالياً مضطرباً، يعجّ بالحركة، ويمور بشتّى التناقضات والتحوُّلات، وقد انتقلت فيه الخلاقة العباسية من حال إلى حال، ومن طور إلى طور، ومن واقع إلى واقع، فما كان منه إلا أن يغمس قلمه بمداد واقعه، فيرصده ويسجّله ويتتبّعه بوقائعه وحوادثه وأحداثه، متوخِّياً الدقّة في الرصد والنقل والاستقصاء.. وامتاز المسعودي عمَّن تقدَّمَه من المؤرِّخين بأنه لم يقصر اهتمامه على علية القوم والأحداث المهمّة، فقد عني بالأمور الجليلة والأمور البسيطة، ولم يدع شيئاً نما إلى علمه إلا ودوّنه، في دقّة مدهشة.والتراث العربي غنيّ ومتشعِّب، وقد استوحى مارسيل بروست روايته «البحث عن الزمن الضائع» من «ألف ليلة وليلة»، وأراد أن تكون روايته (ألف ليلة وليلة) أخرى في الأدب الفرنسي، كما أرادها- أيضاً- أن تكون على شكل كاتدرائية.

§ ما منهجك في تحقيق كتاب «مروج الذهب» للمسعودي؟



- يغلب على سرد المادّة التاريخية للكتاب الإيجاز والتكثيف والوصف والإيحاء، استفدت من طرائق المؤرِّخين المصريين في ترتيب الأحداث، وتنسيق المباحث، وتكثيف الدلالات، وتوظيف التراكيب اللغوية المنتمية إلى العصر.

وبعض الأساتذة الشباب كانوا يقرأون الكتاب، وهم طلّاب في المدارس.. هذا الكتاب أثَّرَ فيهم بشدّة، وصاروا مستعربين فيما بعد.



§ لماذا تأخّر ظهور الاستشراق الروسي مقارنةً بالاستشراق الغربي؟



- بدأ الاستشراق في روسيا عام 1804، وذلك بالتصديق على لائحة تدريس اللّغات الشرقية في الجامعات الروسية، والقرار الذي اتَّخذته في هذا الصدد، ولم تكن روسيا، قبل هذا التاريخ، قد قامت بعمل يسترعي الانتباه، سواء في مجال الاستشراق أو في مجال الدراسات الإسلامية. وطبقاً لهذا القرار دُعِي عدد من الأساتذة لتدريس اللّغات: العربية، والفارسية، والتركية، ليكونوا نواةً للاستشراق في روسيا، من أمثال «بولديروف» في موسكو، و«سنوفسكي» في بطرسبورج، و«كاظم بيك» في قازان. أما بقيّة المستشرقين الروس الكبار، في القرن التاسع عشر، فهم تلاميذ- بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر- لهؤلاء.

وفي العام 1885 بدأت الحركة الجدّيّة للاستشراق في روسيا، بشكل أكبر ؛ إذ تأسَّست، في تلك السنة، «كلّيّة اللّغات الشرقية»، في جامعة بطرسبورج، وتصدّت للبحوث العربية.



§ ما الفرق بين العقلية الروسية والعقلية العربية؟



- العقلية العربية أكثر تفتُّحاً من العقلية الروسية، ولدى العرب- خاصَّة المصريّين- القدرة العجيبة على التمتُّع بالحياة العائلية، وتربية الأطفال، والاحتفاظ بالعلاقات الطيّبة داخل نطاق الأسرة.. وما إلى ذلك.

أما الروس فعكس ذلك تماماً، فالعقل يحضر- بكثافة- في الذهنية الروسية.



§ ماذا تمثّل لك الثقافة العربية؟



- لم تكن الثقافة العربية- بالنسبة إليّ- صندوقاً للعجائب، بل عبارة عن كائن حسّاس وعميق، قد حفر تأثيراته في نفسي، ومضى عميقاً، وأنا أكتب العربية، لكنني أفكّر، وأحلم، وأرى كوابيسي، باللغة الروسية، وربّما تمثِّل هذه اللغة المزدوجة إضافة بالنسبة إلي، وأعتقد أن الجمال يكمن بين لغتين، تسمحان بالرؤية والإحساس، بصورة أكبر.

إن نصفنا نحن- الروس- شرقي، كما هو معروف، وبوشكين ذاته نصفه عربي، ونصفه أثيوبي.



§ هل يمكن أن تشرح لنا علاقة الإسلام بالغرب ضمن المعطيات الحالية؟



- علاقة الإسلام بالغرب، وعلاقة الغرب بالإسلام نظرتان لا نظرة واحدة.. علاقة الغرب بالإسلام من طرف الغرب ليس فيها اعتراف بما أعطاه الإسلام في جميع المجالات المدنية: علم، عمارة، قصّة، شعر، تراث، روحانيات، إشكاليات نظرية وفلسفية، منها إشكالية الصلة بين الدين والفلسفة والإيمان والفكر. أقصى ما يُعتَرف به في الغرب هو أن الإسلام ذكّرهم بالإرث اليوناني، ولكن عطاء الإسلام للغرب، تاريخياً، أهمّ بكثير. لو أردنا أن نكون موضوعيين لقلنا إن عليك أن تضيف إلى أصل الغرب العاصمتين الرمزيتين: بغداد، و قرطبة. وفي هذا الـ«لا اعتراف» عقدة تاريخية كبرى، قد تغذّي كراهية الغرب للإسلام.

وعندما نرجع إلى الصلة بين الإسلام والغرب، تصبح لدينا مشكلة تاريخية. عندما اكتشف الإسلام تأخُّره الموضوعي أمام التقدُّم الإنتاجي، والتقني، والعسكري الأوروبي، في بداية القرن التاسع عشر، قام بتأسيس مشروع تحديث الإسلام بوسيلة تكييف الأنموذج الأوروبي مع أصوله. لكن هذا المشروع لم ينجح، بل تَبَلْوَر في الأذهان، في زمن الهيمنة الأوروبية على العالم، التي تختلف، جذريّاً، عن الهيمنة الأميركية التي يعرفها العالم كنتيجة من نتائج الحرب العالمية الثانية.

والإسلام هو الطريق إلى ينابيع الحقيقة، وقد عَلَّمَنا التاريخ أننا قادرون على تجاوز المحن والأزمات طالما تمسَّكنا بالمبادئ الروحية والمبادئ الإنسانية.



§ كيف ترصد بزوغ العلاقات التاريخية والثقافية، وتطوّرها بين العرب والروس؟



- منذ الأطوار الأولى لتطوُّر الثقافة الروسية اتَّسمت العلاقة بينها وبين المناطق العربية الإسلامية الجنوبية، بالحيوية والروابط الوطيدة. والنسيج الأوَّل لعلاقات الروس مع العالم العربي يعود إلى القرن التاسع عشر، عندما نشطت- إلى حَدّ ما- شبكة من الاتّصالات التجارية الدائمة بين الأراضي الروسية ومنطقة الخزر الواقعة شرق الأراضي السلافية. رغم أن الديانة الرسمية المعتمدة في تلك المنطقة كانت اليهودية إلا أنها اعتنقت الإسلام في العام 735، الذي كان واسع الانتشار، آنذاك، بين أوساط السكّان الأصليين. وهكذا، فإن هذه الاتّصالات سبقت العلاقات مع بيزنطة البعيدة نسبياً.

ويعدّ المؤرِّخ العربي الجغرافي «ابن قردانية» (820 - 890 م) أوَّل من وصف التجّار السلافيين، الذين كانوا ينقلون بضائعهم من المناطق البعيدة الواقعة على شواطئ بحر قزوين والبحر الأسود؛ وذلك سعياً لإقامة علاقات متنوِّعة مع سكّان بلاد الخزر.

وبالنسبة إلى روسيا، فقد اتّسمت الطرق التجارية عبر الفولجا وبحر قزوين التي ربطتها مع المسلمين والشرق التركي وإيران، بأهمّيّة بالغة. ولقد تمّ العثور في مدينتَيْ موسكو، وريزان، على كنوز ثمينة من النقود والأواني الخزفية، مما بين القرنين: الحادي عشر، والثالث عشر، وهي تدلّ على بواكير نماذج التعاون بين روسيا والشرق الإسلامي.

 موضوعات أخرى