العنف كمقدّمة للمحظور

هيفاء بيطار



بدايةً يجب التّذكير بأن نسبة الشّباب (ذكوراً وإناثاً) في عالمنا العربي تقارب 70 بالمئة من تعداد السكان، أي أن طاقة المجتمع الفعليّة والمُنتجة تتركّز في المراهقين والشباب، وهؤلاء هم مَنْ سيبني الوطن ويصنع المستقبل ويواجه التحدّيّات، ومن أخطر المشاكل التي تهدّد سلامة المجتمع النفسيّة التي هي حجر الأساس للصحة النفسيّة للمجتمع إدمان نسبة كبيرة من الشباب العربي على مواقع الرّاشدين على الإنترنت، ولتحليل أيّة ظاهرة يجب أن نعرف الدوافع والأسباب وسأحاول من خلال اطّلاعي على العديد من الكتب التي تناولت هذه الظاهرة إيجاز هذا الأمر والبحث في أسبابه.

أولاً: قد يبدو للوهلة الأولى غريباً وغير مفهوم الارتباط الوثيق بين الجنس والعنف، ولا يمكنني أن أنسى منذ سنوات حين شنّت إسرائيل هجوماً على قرية جنين الفلسطينية، في الوقت ذاته كانت كل المحطات التليفزيونية في إسرائيل تبث أفلاماً «إباحية». وتعجّبت يومها من بثّ تلك الأفلام والرصاص الإسرائيلي يستهدف الفلسطينيين، ولكن دفعني الفضول للبحث والقراءة عن تلك الظاهرة، وتبيّن أن هنالك علاقة وثيقة جداً بين الجنس والعنف، وتُعدّ العلاقات السادية أكبر دليل على ذلك، فالعنف يحفّز الغريزة المرضية البهيمية (وليست الإنسانية الطبيعية). العنف يُثير الغرائز في شكلها الحيواني البدائي.

ومن هنا فالشباب في عالمنا العربي، وخاصة في الدول الملتهبة كالعراق وسورية واليمن وليبيا وغيرها يشهدون على الفضائيات وفي الإنترنت أشكالاً مروّعة من العنف إن لم يكنْ بعضهم قد تورّط وحمل السلاح، ولكي يفرغ عن واقعه الذي تحوّل إلى ساحة معركة وحياته التي لا تمّت للحياة الطبيعية بصلة، فإنه يلجأ لتفريغ احتقان روحه بالغضب والخوف الدفين اللاواعي وعدم قدرته على الحب لأن الحب يتطلّب مناخاً سليماً وصحياً وظروفاً تساعد الشاب والفتاة على اللقاء والانسجام والحب، لأن هؤلاء الضحايا الشباب يعيشون في وطن تحوّل إلى ساحة وغى ويشهدون الموت السهل لأقرانهم، فلا يجدون سوى المواقع الإباحية على الإنترنت تفرغ ليس كبتهم فقط، بل المشكلة أكبر من ذلك بكثير فإن تلك المواقع تفرغ غضبهم من الحياة واحتقان روحهم بالألم والقهر كونهم محرومين من عيش حياة طبيعية. وبالمناسبة فهم لا يشاهدون أفلاماً لا أخلاقية عادية، بل أفلاماً في قمة السادية من الممارسات التحقيرية والمهينة للطرفين رجالاً ونساء. إذاً لا يجب اغفال ارتباط الجنس بالعنف.

ثانياً: لا يمكننا إغفال أن البيئة الاجتماعية التي تميّز المجتمعات العربية هي بيئة محافظة إن لم أقل متشدّدة جداً في بعض المجتمعات، وبأن لقاء الشاب مع الفتاة يُعدّ إثماً إن لم يكنْ بينهما ارتباط رسمي، إن هذا الفصل شبه التام بين الشباب والفتيات يجعل كلاً منهما ينظر إلى الآخر كجنس آخر ويختزله بموضوع الجنس، بدلاً من أن ينظر إليه كإنسان وشريك حياة، ومن ثَمّ يحاول كل طرف أن يعوّض عن غياب فرصة تعارفه وحديثه ولقائه مع الطرف الآخر عن طريق المواقع المحظورة على الإنترنت، حيث ينحرف توق الشاب للفتاة إلى توق جنسي فقط لأنه لا يعرفها كإنسانة، ويتحوّل توق الفتاة للشاب إلى مجرد شهوة بهيمية لأنها ممنوعة من التحدّث إليه كإنسان ورفيق وصديق وقد تتطوّر العلاقة إلى الحب. تلك العقلية التي تعتمد على الفصل بين الجنسين هي مُبالغة لأنها تُجبر الشاب والفتاة أن يختزلا الآخر كموضوع جنسي فقط. وليس كإنسان يمكن أن يتشاركا معاً هموم الحياة ويؤسسا لمستقبل معاً.

ثالثاً: لا يمكن تجاهل دور ما أسميهم الشياطين، هؤلاء الذين يصطادون الشباب المساكين عديمي الخبرة في الحياة والذين لا يملكون أساليب وطرق تفكير للدفاع عن أنفسهم، هؤلاء الشياطين الذين يبثون أفلاماً إباحية حتى للأطفال الصغار، وأفلاماً عن سفاح القربى وكل ما يخطر ببال بشري من أشكال الانحرافات الجنسية، وأحب أن أنوه عن دور الإعلام والدعايات أيضاً، فحتى الدعاية لزجاجة ماء يصورون الزجاجة أشبه بجسد امرأة فاتنة، بحيث يجب أن يمتزج الجنس مع كل شيء في الحياة، الجنس كطاقة بهيمية وليس أنسنة الجنس، أي جعله جنساً إنسانياً، وأجمل تعبير في اللغة العربية والذي تفتقده كل اللغات الأخرى هو كلمة «وصال»، أي ثمة صلة عميقة بين الرجل والمرأة، وليسا مجرد أعضاء جنسية، حتى أفلام كارتون صارت غرامية وتعتمد على الجنس. الشباب عديمو الخبرة والعاطلون عن العمل والخاضعون لقوانين اجتماعية متزمتة لا تسمح لهم بالتحدّث مع الفتاة عبر نوادٍ اجتماعية أو تنظيم نشاطات ثقافية فنيّة، أو الظروف الكارثية التي تمرّ بها معظم البلاد العربية، حيث يموت الشباب ويتحوّلون إلى جنود يحملون رغماً عنهم السلاح بدلاً من أن يحملوا وردة يقدّمونها للحبيبة، كل تلك العوامل تشكّل نفسيّة مُحبطة إلى حَدٍّ كبير، والإحباط واليأس لا يجدان متنفساً لهما أفضل من الأفلام الجنسية والعنف. لذا نجد هؤلاء الشباب يقضون ساعات أمام شاشة الإنترنت، ولأكن صريحة وأقول إنهم يبنون علاقات وممارسات عن طريق الإنترنت مع شركاء وشريكات يعانون مثلهم اليأس والإحباط والكبت.

رابعاً: انعدام دور الأهل في تنشئة أبنائهم وسط هذه الظروف الكارثية التي يمرّ بها العالم العربي، أو التقلُّص الشديد لدور الأهل في تربية أبنائهم، لأن الأهل أصلاً مُحبطون ومروعون وعاجزون عن تأمين عيش كريم لأولادهم، إن كان الأب بالكاد يستطيع تأمين رغيف خبز لابنه فكيف له أن ينصحه أو ينتبه أصلاً أين يقضي ابنه معظم وقته ومن هم أصدقاؤه، وأيّة أفلام يحضرون، وحتى الأسر التي لا تزال تتمتّع بنوع من الأمان وتعيش تحت سقف ويذهب أولادها إلى المدرسة، حتى هذه الأسر ما عادت قادرة أن تضبط أو تعرف سلوك أولادها وسط هذا الإعصار العالمي في صناعة أفلام الجنس وبثها بكل الطرق التي لا تخطر ببال، بل يكاد يكون دور الأهل أشبه بدور الشرطي مجرد نصائح وبلغة الأمرّ: لا تفعلْ، لا تذهبْ.. إلخ. وإحدى الصديقات اعترفت لي بأنها تنام الساعة التاسعة مساء لأنها تعمل دوامين هي وزوجها كي يؤمنا الحدّ الأدنى من متطلبات الأولاد، وبأن أولادها يحبون السهر حتى الفجر! سألتها: ألا يخطر ببالك كيف يقضي أولادك تلك الساعات من الليل حتى طلوع الفجر وأنت ووالدهم نياماً؟ قالت متأفّفة: أتعاتبينني.. أكون على شفير الانهيار من التعب.

أتعجب هل التعب الشديد يجعل الأهل يتجاهلون أو لا ينتبهون للمخاطر التي تُهدّد أولادهم، ومن بينها إدمان مشاهدة أفلام موجهة للراشدين فقط.

وأخيراً أحب أن أشير إلى الكتاب المهم للباحث وعالم الاجتماع مصطفى حجازي «حصار الثقافة بين القنوات الفضائية والدعوات الأصولية» في تحليل عميق وشديد الوضوح لعالمنا، عالم الاستهلاك، حيث تحوّلت الفضائيات أو الإعلام إما إلى قنوات فضائحية أو إلى قنوات دينية متشدّدة لا تمت للدين بصلة ونادراً ما نجد برامج ثقافية حقيقية تُعنى بمشاكل الشباب. لماذا وسط مئات الفضائيات لا توجد فضائية مُتخصّصة بمشاكل الشباب، بل بالعكس هنالك تعمد لطمسها. هنا مثلاً في باريس هناك قناة فضائية تُعالج فقط الآثار النفسيّة المدمرة للقاصرات اللاتي يتعرّضن للاغتصاب. وتستضيف أهم الأطباء النفسانيين وعلماء الاجتماع. لماذا لا يوجد- في عالمنا العربي- مَنْ يهتم بمشاكل الشباب الذين يشكلّون حوالي 70 بالمئة من تعداد السكان.

وأستأذن القارئ أخيراً أن أسرد تلك الحادثة المخزية والمؤلمة، والتي كنت شاهدة عليها في المشفى الوطني في اللاذقية، فقد راجع أحد الشبان- 19 عاماً- قسم الإسعاف بشكوى من بيلة قيحية (تقيح شديد في البول)، ولم يستجبْ على أقوى أنواع المضادات الحيوية، ثم تبيّن فيما بعد أنه أدخل عود ثقاب في عضوه كي يحصل على المتعة الجنسية مُقلّداً الفيلم الذي كان يحضره في الإنترنت. وأظن هذه الحادثة لا تحتاج لتعليق. هذا المسكين تائه وأصبح مدمناً على أفلام الجنس، لأن لا أحد يُبالي به، ربما.

 موضوعات أخرى