نشأة الفَنّ التشكيلي في قطر اللوحة والإطار

أ.د / شربل داغر

(1)



حيوية «الجسرة»



لا يحسن الدارس التعرّف إلى تجارب الفنّ الحديث الأولى في قطر، وعلى مسارات فنانيها الخصوصية، من دون الحديث عن «الجسرة» كمنطقة، وعن ناديها كمنتدى للحيوية القطرية، على اختلافاتها.

كانت الدوحة تتوزّع على أحياء معروفة: البدع والجسرة وسوق واقف ومنطقة شرق. بين الجسرة والبدع يقع قصر الحاكم، كما يروي الدكتور يوسف عبيدان*، وتقع في منطقة السوق الميناءُ والمحكمة الشرعية والسوق نفسه: «كانت هذه المناطق تعجُّ بأهل البادية الذين يأتون لتصريف منتجاتهم من الألبان ومشتقاتها وخيرات المطر، فتكون سوقاً رائجة. في الجسرة عاشت عائلات كبيرة، وكانت تربطها بحكام البلد وبالقبائل الأخرى علاقات وثيقة.

تقع الجسرة، في وسط الدوحة، على مقربة من «سوق واقف» الشهير، وهي منطقة شكلت التقاء عدد من الفنانين، مثل: جاسم الزيني ويوسف أحمد وحسن الملا وعلي حسن وسلمان المالك ومحمد الجيدة وغيرهم. ولقد جمعتْ بينهم قصص الطفولة، بطبيعة الحال، بل أعمق منها، وهو الولع بالفنّ، ما سيكون له أثره الحاسم في توطيد الصلات بينهم. هذا ما ساعدَهم، من دون شكّ، على تأسيس أول «جماعة فنيّة» في قطر («الأصدقاء الثلاثة»)، أو على تأسيس «الجمعية القطرية للفنون التشكيلية»، وغيرها من الإنجازات التي جعلت من الجسرة البيئة الأولى للفنون التشكيلية في قطر. ولقد وجدتْ هذه الحيويةُ في «نادي الجسرة» إطاراً جامعاً ومنشطاً، بل محفزاً لها: جمعتْ بين هواة الفنّ أنشطةُ النادي المختلفة، من كرة القدم، التي مارسها غالبيتهم (حتى إن أحدهم، علي حسن، بلغ حدود الاحتراف، في «نادي الوحدة» من الدرجة الثانية)، إلى تنظيم أنشطة مسرحية وثقافية، فضلاً عن تنظيم معارض فنيّة مختلفة. كما تولى جاسم الزيني، بمجرد عودته من بغداد إلى الدوحة، مسؤولية التنشيط الثقافي في هذا النادي.

منذ خمسينيات القرن الماضي ظهر عدد من النوادي، مثل: «نادي العروبة»، و«نادي النصر» وغيرهما. أما «نادي الجسرة» فتميّز منذ منتصف السبعينيات بوصفه «نادي الجسرة الثقافي الاجتماعي»، وأخذ على عاتقه بث رسالة ثقافية واجتماعية، وقام بجهود بيّنة لتعريف العالم الخارجي بالتراث القطري من أدب وفنون عن طريق المحاضرات وعروض الفرق الفنيّة الفلكلورية.

كان للزيني دور أول في جميع خطوات الفنّ في قطر: إلى دوره المذكور في النادي، عيّنتْه الحكومة في العام 1968، بعد عودته من الدراسة في بغداد، مساعد مفتش للتربية الفنيّة؛ ثم انتدبته للعمل في «متحف قطر الوطني» لتجهيزه، فعمل مع رئيس اللجنة يوسف جاسم الدرويش على تجميع مقتنيات المتحف الأولى، من ذهب وملابس وسفن وغيرها: «كنا ننتقل أينما كان في قطر، إلى بيوت الناس، ونفحص الموجودات ونقيِّمها». كما كان له دور أساس في تأسيس «الجمعية القطرية للفنون التشكيلية»... وكانت حياة الفنّ، حينها، تقتصر، حسب الزيني، على معارض قليلة تنتظم في «فندق الخليج»، أو في «متحف قطر الوطني»، أو في مقرّ «الجمعية»، أو في ناديَي «الجسرة» و«الغرافة»، من دون أي صالة عرض خاصة.

كان بيعُ الأعمال الفنيّة محدوداً، ولا يتجاوز سعر اللوحة الواحدة خمسة آلاف ريال (وهو السعر الذي دفعته الحكومة للزيني لقاء إحدى اللوحات). باع الزيني عمله الأول بعد تكليفه من وزارة الإعلام إعداد لوحة للشيخ زايد آل نهيان، في مناسبة انعقاد اجتماع «مجلس التعاون» في الدوحة. كما كلّّفته وزارة التربية بمجموعة من الجداريات، عدا شراء الحكومة لعدد من أعماله في هيئة «هدايا حكومية» خاصة بزيارات الأمير الرسمية إلى عدد من الدول العربية..



* تستند هذه المقالات إلى حوارات خاصة جرت في أزمنة مختلفة مع دارسين وفنّانين قطريين.

----

لا شك في أن اللون هو لغة الفَنّ، بل هو وسيلة التعبير- على مساحة اللوحة- عن معاناة الإنسان وآلامه وأفراحه. والبيئة التي يعيش فيها سواء كانت أرضاً خضراء أم كثباناً رملية في الصحراء.

كما أن الغموض كثيراً ما يُعدّ عامل جذب. يوظّفه الفنان ليدفع بالمتلقّي للغوص في خبايا لوحته والكشف عن أسرارها ومعانيها الخاصة، والتي قد لا تبدو جليّة للكثيرين.

جاسم زيني انعكست مفردات البيئة المحليّة في لوحات الروّاد في حرص واضح على تجسيد خصوصيتهم. وبالتثاقف مع مدارس الفَنّ التشكيلي في الوطن العربي والعالم من خلال الابتعاث الدراسي أو الاطّلاع الواعي، ظهر جيل من التشكيليين القطريين الذين أسّسوا لتجارب متقدّمة حصلوا من خلالها على جوائز جديرة بالاعتزاز.

وبعد رسوخ تجارب جيلين من الأساتذة القطريين في مجال الفَنّ التشكيلي ظهرت أسماء شابة، نتطلع إلى تطوّر تجاربهم ليواصلوا مسيرة الفَنّ التشكيلي في قطر بالاستفادة من الانفتاح على العالم مع الحرص على الخصوصية.



د. حمد بن عبدالعزيز الكواري

وزير الثّقافة والفنون والتراث



---

(2)



تجارب أولى



كان تأسيس جمعية للفنانين فكرة طبيعية، خاصةً بعد مثيلات لها في الكويت (1968)، والبحرين (1971) وغيرهما. وبانت الحاجة إلى وجودها عند عدد من الفنانين، بعد أن كانت قطر تتمثل في المعارض التشكيلية العربية والمؤتمرات الفنيّة في هيئة «مراقب». كان اجتماع الفنانين التأسيسي في قاعة المعرض الدائم في «نادي الجسرة»، وحصلت «الجمعية» على الترخيص القانوني في العام 1974 مع تواقيع الفنانين: يوسف أحمد، محمد علي الكواري، سلطان السليطي (من مواليد العام 1945)، سلطان الغانم (من مواليد العام 1949)، حسن الملا، وفيقة سلطان، عيسى الغانم (من مواليد العام 1954)، يوسف الشريف (من مواليد العام 1958)، أحمد السبيعي، محمد علي عبد الله، عبد الله دسمال، سلمان المالك، محمد جاسم الجيده، ماجد المسلماني، علي شريف، سيف الكواري وفرج دهام.

تتابعَ، بعد ذلك، إنشاء المؤسسات الرسمية المعنية بالفنّ، مثل: «المركز الثّقافي» في العام 1976، الذي تولّاه محمد المناعي، ثم «إدارة الثّقافة والفنون» (قبل «المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث»، ثم «مركز الفنون البصرية»)، التي تولّاها ناصر محمد العثمان، بعد نقله إليها من وزارة التربية، بتكليف من وزير الإعلام د. عيسى الكواري: «جمعتُ حولي مجموعة من الفنانين الموهوبين، مثل يوسف أحمد وحسن الملا ومحمد علي عبد الله وغيرهم؛ وكنا نأتي بخبراء في المسرح والفنون الشعبية وغيرهما... كما بدأنا ننظّم عروضاً، ونشارك في معارض خارجية، وندعو فنانين للعرض في الدوحة. ثم أسسنا «المرسم الحر» بإشراف الفنان المصري الدكتور جمال قطب، واهتممنا بالنشر الأدبي وغيره»، على ما يروي العثمان.

وهي سياسات وجدت أيضاً في تنظيم معارض دولية في قطر فرصة لتحسين الذائقة الجمالية والفنيّة العامة، ليس للفنانين والموهوبين وحسب، وإنما لسائر السكان. ويمكن في هذا السياق ذكر المعارض التالية: «معرض اليونسكو لفنّ الرسم»، العائد إلى فنانين أوروبيين بين العام 1900 والعام 1925؛ و«معرض مخطوطات ليوناردو دافنشي» في فبراير/شباط من سنة 1972؛ و«معرض الألوان المائية» في العام 1976 في قاعة المدرسة الثانوية؛ و«معرض الفنون اللاتينية» و«الصور الفارسية» في العام 1980؛ و«معرض الفنون الإسلامية الجوال» في العام 1986 وغيرها.

هذا التعرّف إلى المسارات الفنيّة لا يكتسب مضامينه الفعلية من دون الاقتراب من تجارب أعداد من هؤلاء الفنانين الأوائل، حيث إن كل تجربة اتسمت بعلامات ودلالات، ما يشير إلى التجربة نفسها، وإلى الحركة ككل.

جاسم الزيني انتقل، كما سبق القول، إلى القاهرة، وبعدها إلى بغداد، من دون أن يقوى حينها على تخيُّل المصاعب التي تنتظره: «ما كنتُ قد اعتدت بعد على قراءة كتاب من 300 صفحة...». إلّا أن ما خبره في الصف، مع أساتذته، من مهارات، وما اطلعَ عليه من تجارب فنيّة في الكلية أو في صالات العرض، كانت تعوض، بل تختصر قروناً وقروناً من الانعزال عن عالم الفنّ في العالم، بما فيه عن العالم العربي. عرف الزيني بين أساتذته الفنان العراقي الرائد، فائق حسن، وهو أستاذ أجيال من الفنانين العراقيين والعرب، بعد عودته من باريس، ومن «مدرسة الفنون الجميلة» فيها: «تعلمتُ منه خصوصاً العلاقات بين الألوان، والتدرج بينها. كما أحتفظُ بلوحة، عملتُ عليها في بغداد تحت إشرافه، وفيها لمساته و«تصحيحاته»، التي أبقيتُها مثل أثر لا يفنى». كما عرف الزيني فوق مقاعد الدراسة طلاباً عراقيين سيكون لهم شأن في الفنّ، مثل: سلمان عيسى وخالد النائب وغيرهما.

هذا ما خبره حسن الملا، في بغداد نفسها، بعد أن نصحه محمد عيسى الجارو، الذي كان يدرس علم الاجتماع في بغداد، بالذهاب إليها لاستكمال دراسته... وكانت قد تكشّفت له موهبة الملا الفنيّة بعد أن رآه يرسم في أحد المقاهي في الدوحة. كان الملا قد أنهى دراسته في «التربية الفنيّة»، وأصبح مدرِّساً لها في الخور منذ العام 1971، قبل أن يعمل بنصيحة الجارو، ويلتحق في السنة التالية بـ«أكاديمية الفنون الجميلة». تتلمذ الملا على أساتذة مبرزين في الفنون كما في تعليمها، من أمثال: حافظ الدروبي، وعطا صبري، وفائق حسن، الذي تعلّم منه فنون اللون خصوصاً، حسب قوله. ومن أهم ما تعلّمه الملا من فائق حسن هو التصوير في الهواء الطلق، الذي كان الفنان العراقي قد تعلّمه في باريس، اقتداءً بالمدرسة الانطباعية التي استساغ روّادها الذهاب إلى «باربيزون» (BARBIZON) أو «أوفير-سير-واز» (AUVERS-SUR-OISE) وغيرهما من المدن الفرنسية، أو إلى ضواحيها، للتصوير ابتداء من لحظة معاشة، ضوئية وانفعالية، في مكان بعينه.

هذا ما سيبادر إليه في قطر «الأصدقاء الثلاثة»، أي: يوسف أحمد ومحمد علي عبد الله، فضلاً عن الملا الذي يتحدّث عن تجربتهم: «كنا نرسم أمام الناس، وكانوا يتفاعلون معنا. كنا نأمل أكثر من التصوير الحي، وهو إيصال فكرة الفنّ إلى الناس. ثم كنا نقوم بعرض أعمالنا على الجمهور، ونفرح بالدهشة التي تظهر على وجوههم، إذ يرون واقعهم بعيون الفنّ، بعيون مختلفة».

اشترى الفنانون الثلاثة، لهذا الغرض، باصاً صغيراً، كانوا ينتقلون به من الدوحة (حيث عرضوا أعمالهم في «سوق واقف»)، إلى الوكرة والخور وغيرهما، حيث صوروا وعرضوا أعمالهم أيضاً. وكان الثلاثة قد التقوا، إلى جانب ذلك، في إطار العمل الوظيفي، إذ عملوا معاً في «إدارة الثّقافة والفنون»، فتكلّف أحمد بالفنون التشكيلية، والملا بالمعارض، وعبد الله بالحرف الشعبية.

هذا ما يذكره يوسف أحمد بدوره، من دون أن يغفل عن مشاهد باكرة، تعود إلى بيته، إلى الفحم المستخرج من موقد النار، الذي كان يأتي بحطبه إلى أمه، لكي تعد مأكولات العائلة. كان الفحم قلمَه الفني الأول، خطاً ورسماً، فوق الجدران، قبل أن يتعرّف إلى علبة الألوان المائية الأولى (12 لوناً، وهي من ماركة- PELIKAN -، بيليكان، الألمانية). كما يتذكر الصور الفاتنة، الغريبة عن بيئته، التي وقع عليها في روزنامة بريطانية تصوّر طيوراً وزهوراً؛ أو صوراً قريبة منه وقع عليها في مجلات: «صباح الخير» و«آخر ساعة» المصريتين، و«الصياد» اللبنانية وغيرها، في «مكتبة العروبة»، التي افتتحها عبد الله حسين نعمة، وكانت أول مكتبة تجارية في الدوحة. كما لا ينسى خصوصاً الميكروفون، الذي اشتراه له والده، بناءً على طلبه، والخطب والتمثيليات التي كان يقوم بها مع رفاقه، في «الفريج»، أو في «نادي الجسرة»، بعد وقت.

كما يحفظ يوسف أحمد كذلك للقاهرة مكانة خاصة في إعداده الثّقافي أو الفنّي، بعد أن وصل إليها في العام 1972، إذ كانت المدينة غنيّة وعامرة بحيويتها المتعدّدة والمتنوّعة، وتعرَّف فيها إلى أكثر من فنان، مثل حسين بيكار، وخصوصاً الفنانَين يوسف سيده وجاذبية سري، اللذين كان لهما أثر بالغ في تكوينه الفني. وهو ما يمكن قوله في تأثره بمناخات ومناقشات «أتيليه القاهرة»، وبعروض «قاعة أخناتون» وغيرهما.

لا ينظر، اليوم، يوسف أحمد بعين السوء أو الامتعاض لدخوله إلى كلية «تربية فنيّة»، لا إلى كلية «فنون جميلة» في القاهرة، بينما كان شعوره مختلفاً عند فوزه بالبعثة الدراسية: كان تمنى وقتها دراسة الفنون الجميلة، إلّا أن المتاح في بعثات الدولة كان التخصّص في التربية الفنيّة، لإعداد مدرسين فنيين للتعليم في قطر؛ بل هددوه بسحب المنحة (135 جنيهاً في الشهر، فيما كان معاش والده لا يتعدى 150 جنيهاً) إن غيّر اختصاصه.

ينظر أحمد بعين الرضا، اليوم، إلى ما حصَّله في كلية التربية الفنيّة، إذ أتاحت له درس خامات متنوّعة، غير فنّ القماشة الأساسي في تكوين طلبة الفنون الجميلة، فتعلّمَ مهارات الخزف والنحت والحفر، فضلاً عن التصوير الزيتي. وهو ما بلغ، في دراساته العالية في كاليفورنيا، نقلة أخرى، كانت أقرب إلى تأكيد هويّة الفنان، لا إلى تمرينات الطالب ودروسه، بعد أن جرَّب استعمال الخط العربي في العمل الفني (10 أعمال)، بالقلم الأسود، وفي مقاسات كبيرة.

 موضوعات أخرى