مأزق التعايُش في فرنسا



عبد الله كرمون





كان مفهوم صراع الحضارات، سابقاً، هو الشائع في النقاشات، وفي شتى الأقطار، كلما تعلّق الأمر بصراع سياسي مغلّف باختلافات مبدئية في الرأي أو في المنبت الحضاري العام. وقد اسْتُبدل اليوم بمفهوم آخر هو التعايُش؛ بينما راحت الآراء تتضارب باستمرار حول ضرورته أو حول استحالة تحقّقه، في حين أن المفهوم الأول لم يضمحل نهائياً من حلقة التداول. ففي الوقت الذي توصف فيه صراعات سياسية، يكون مبعثها الأساسي، في الغالب، اقتصادياً أو استراتيجياً بأنها صراعات حضارية ودينية، فإن مفهوم التعايُش، يبرز بعد انفجار أزمة تحمل أحد ألوان قطبي اختلاف، سواء كان دينياً أم عرقياً أم وطنياً.

كان إميل دوركهايم (1858 - 1917) وهو أحد آباء علم الاجتماع الحديث، يؤسّس في أبحاثه السوسيولوجية للتعايُش الاجتماعي والثقافي من خلال التركيز على أسس التربية، وإلزاميتها لتشرُّب القيم المجتمعية، فخلص إلى أنه بدون مراعاة قيم مشتركة، كما كتب، فلا وجود لتعايُش ممكن.

واليوم، بل ومنذ عقد ونصف العقد، صار «التعايُش» هو اللازمة التي تتكرر في كل محفل ونادٍ، في كل أرجاء الغرب. ما هو التعايُش؟ مع مَنْ نتعايش؟ كيف نتعايش؟ وهل يمكن أن نتعايش؟

يتفق الجميع على أن التعايُش يتم على قاعدة احترام عناصر الاختلاف، التي لا تشكّل بأي حال أدنى عرقلة، لتحقّق الائتلاف، بين أفراد مجتمع يؤلّف بينهم قانون يحمي الجميع بدون ميز.

ولم تُطرح معضلة التعايُش في فرنسا (المثال الذي سنتناوله بين دول أوروبا) مثلما أضحت عليه اليوم. ذلك أن المجتمع الفرنسي بات يقف على حقيقة أنه يعيش بالفعل أزمة مجتمعية ما فتئت تستفحل حولاً بعد حول. من أهم مظاهرها ما تعرفه الغالبية الساحقة من أبناء الضواحي، وأبناء الأحياء الفقيرة، من أزمة هوّية، يشوبهم إحساس بالضياع، ميل إلى الجريمة، ومقت للأواصر التي تصلهم بأمهم: فرنسا، أو بالأحرى الجمهورية التي رأوا النور فوق أرضها. الشيء الذي يبرهن عليه الكثير من الوقائع، ويقلق سكينة المتتبعين الفرنسيين قلقاً.

وأكثر مَنْ يقضّ هذا الأمر مضجعهم هم بالدرجة الأولى المثقفون والمفكرون قبل السياسيين الذين لا يكادون يجدون فيه سوى بركة عفنة يصطادون فيها.

فبعدما شخّص الجميع بأن المجتمع يعيش تفكّكاً وتنافراً بين فئات من أفراده مع سائر المواطنين الذين ينتمون إلى الفضاء الجمهوري نفسه، باندلاع أحداث هنا وهناك، وببروز ألوان من السلوك لم تُعهد من قبل، صارت الدعوات إلى شَدّ عرى الالتئام والالتحام أكثر وروداً.

راح الناس في البدء يعتقدون أن سبب التصدُّع المجتمعي مردّه الصراع بين الديانات التوحيدية الثلاث السائدة في فرنسا، فعمدوا إلى استنفار أصحاب هذه الديانات، وتوجيههم إلى أشكال متنوّعة من التعايُش الديني، خاصّة أن العنصرية المرتبطة باختلاف المِلّة لم تُستبعد مما يعتور المجتمع من انقسام.

فمن المفكرين من يربط التعايُش بالعلمانية، ومنهم من يعدّد بين أسباب تحققه الأخرى عناصر مخالفة لها علاقة بسياسات المدينة، أما الفئة الأخرى فترى أن التعايُش مستحيل ولا يمكن أن يتحقّق أبداً.

يطرح المفكر ألان تورين، أستاذ علم الاجتماع بالمدرسة العليا للعلوم الاجتماعية بباريس، كعنوان لأحد كتبه، سؤالاً جوهرياً: «هل نستطيع أن نتعايش؟ متساوين ومختلفين؟». يرى فيه أن الأمر يتعلّق في نهاية المطاف بمجهود فرد لأن يصير فاعلاً، ولن يتم ذلك إلّا بالاعتراف بالآخر، لأنه بدون ذلك لن تتحقق أية حياة اجتماعية بالمعنى السليم.

كما يؤكد كذلك، في نفس المنحى على تغيير المؤسّسات، يقول: «لا يمكننا أن نتعايش، أي أن ندمج وحدة مجتمع مع تعدّدية الأشخاص والثقافات، إلّا بجعلنا فكرة المواطن الفاعل في صميم تفكيرنا وعملنا».

أما إدغار موران هو فيتحدّث عن أزمة الثوابت الأخلاقية في مجتمعاتنا الحالية، إذ يشير إلى أنه: «في المجتمعات القديمة والتقليدية، كان الأفراد متشبعين بالواجبات والنواهي، وكانوا يدركون ما يلزم إتيانه، وما لا يجب فعله». لذا لاحظ أن الحضارة الغربية اليوم، تجنح أشدّ ما تجنح إلى الفردانية، وهشاشة الأواصر الاجتماعية. فهو يدعو إذن إلى أخلاقيات التفهم والتفاهم مع الآخر، وهي، برأيه، الكفيلة لوحدها، بأن تمكننا من التعايُش.

شرط التعايُش برأي جان لو أمسيل، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بالمدرسة العليا للعلوم الاجتماعية، التي كان رئيساً لها لزمن، يكمن في محاربة العنصرية التي تنبت في أرض معاداة السامية وكراهية المسلمين. غير أنه لم يلبث أن أضاف: «أعتقد أن مسألة الهويّة تحجب عنا حقيقة الصراعات الاجتماعية التي تحدث في فرنسا».

يبدو جان بول دروا، صاحب المقالات الرصينة في جريدة لوموند، منشغلاً أكثر من أي شخص آخر بهَمّ التعايُش، فهو يرى بأن مسألة التعايُش بزغت مثل تساؤل أساسي منذ سنوات قليلة فقط: «فليس التعايُش إذن هو الذي يُشكّل أمراً حديث العهد بنا، ولكن الجديد، هو أن هذا التعايُش، يلوح منذ الآن مثل إشكال، ومصدر تساؤلات، وكحيّز يستدعي تفكيراً، ويستلزم تحليلاً ونقاشاً».

يواصل قوله بأن «الجِدة تكمن في أن هذا (التعايُش) قد فقد بداهته، حضوره المفترض. فلم يعد معطى ولا متتالية إكراهات مفروضة، إنه بناء يلزم تشييده، عالم معقد يلزم استكشافه، من أجل حسن جبْله».

يخلص الرجل، بحنكته المعتادة، إلى أن الأسباب التي أدت إلى هذه الوضعية مُتعدّدة، وقد ذكر بعضاً من العوامل التي أصابت وتصيب التعايُش اليوم، من بينها، الاحتقانات اللاقتصادية والمالية، المصاعب الاجتماعية، أنمطة التواصل التي تيسر، ولكنها، تجمد أيضاً، جزءاً من علاقاتنا، والتي يُضاف إليها، كما يعلم الجميع، التوترات المتعلّقة بالهويّة، والصراعات الأيديولوجية، الدينية أو الطائفية، ثم الفقدان النسبي للمُثل الجماعية، ولكن أيضاً، ما لا يجب إغفاله، نظرا لأهميته، ألا وهو: «انتصارَا الفردانية والعولمة».

أما سيغيل أوزيرات صاحب مسار مهني غني، إذ بعد تكوين فلسفي، تحوّل إلى العمل في تخطيط المدن. من هذا المنطلق أثار اهتمامنا رأيه في التعايُش، إذ رأى بأنه لابد أن يمرّ عبر ثورة في المجال الحضري، وفي سياسة تخطيط المدن. فلا يمكن أن نتحدّث في نظره عن تعايُش ممكن في الحال التي توجد عليها مدينة كباريس مثلاً، من جهة نسيجها الحضري الذي يستتبع نسيجاً اجتماعياً معيناً. ففي الوقت الذي تتواجد فيه أحياء راقية من جانب وأحياء بالية من جانب آخر، ليس هناك من سبيل للحديث عن احتمالات مُعيّنة للتعايُش. كما أن المضاربات العقارية التي بلغت أشدّها في باريس، والتي تمنع موظفاً بسيطاً من اكتراء شقة متوسطة فيها، ناهيك عن شرائها، تقف هي أيضاً حجر عثرة أمام تحقّق لأبسط أشكال التعايُش بين فئات اجتماعية منفصلة. لذا بدون هذا التقارب في الرقعة الجغرافية، واتصال أبناء الفقراء بأبناء الأغنياء في مدارس الجمهورية، فلا داعي للتبجُّح بالمناداة بالتعايُش. من هنا يرى سيغيل هذا أن هذه الثورة الحضرية ضرورية، ضداً على تحويل المدن إلى متاحف، «حتى يصير الاختلاط الاجتماعي حقيقة، والتعايُش شيئاً آخر أكثر من شعار انتخابي».

يبدو التعايُش إذن في حَدّ ذاته فكرة عصيّة على التطبيق حيال ما يحيط بعالمنا الأوروبي اليوم من رعود وبروق. فقراءة كتاب صاحبنا فريديريك بوييه الصادر مؤخراً، حول ما سماه بـ«الهلع الذي في نفوسنا»، تؤكّد مرّة أخرى أن الخوف والانكفاء على الذات هما أقوى من كل نية أو رغبة أو قدرة على التعايُش أو الاندماج.

فريديريك بوييه هذا كان قد ساهم، بل أشرف على ترجمة للكتاب المقدس، مثلما أنجز ترجمة جديدة ورائعة لكتاب القديس أغسطين منذ سنوات. أما في كتابه الحديث العهد بالنشر، فحاول أن يكسر من شوكة الخوف من الغريب القادم من بعيد، مُشدّداً على ضرورة التسربل برداء حفاوة الضيافة وفتح الباب لعابري السبيل وإيوائهم. وفي الكتاب مبثوثة اعتراضات المعترضين على أفكاره، وحجج المحتجين ضده. يقول في واحدة منها: «أجل، أعرف أنهم ليسوا مثلنا، لا يأبهون بنا، لا يفكّرون مثلنا، لا يصلّون مثلنا، لا يتعاملون مثلنا...» إلى غير ذلك. على كل فالكتاب عبارة عن خطاب طويل يدحض فيه بوييه فكرة نقاوة الجمهورية وخطر الغريب الآخر. تلك هي رؤيته ومفهومه عن التعايُش الذي يرى أنه السبيل إلى بناء مجتمع الند للند.

استعرضنا حتى الآن آراء المفكرين والمثقفين الذين يرون في التعايُش إمكانية للسلام الاجتماعي، ورأينا كيف كانت اقتراحاتهم من أجل تحقيق التعايُش في المجتمع الفرنسي. مهما كانت أطروحة كل واحد من الذين ذكرناهم، على سبيل المثال وليس الحصر، فإنهم يتفقون جميعهم على كون التعايُش ممكن التحقّق متى سُلكت السبل المؤدّية إليه.

غير ذلك هناك معسكر آخر من السجاليين، ومن أشباه المثقفين، ومن بعض رجال الدين مثل الأسقف ليك رافيل الذين يرون بأن سماء فرنسا ملبدة بالغيوم الداكنة وأن العاصفة سوف تقصف المدن، والخطر آتٍ من المهاجر والغريب، والحرب معلنة على الغرب في عرفهم. فتراهم ينكرون التعايُش، بل يقولون باستحالته. من بين هؤلاء ريشار مييه مثلاً، الذي يرفض رفضاً باتاً التعدّد الثقافي، ويحسّ بخطر الآخر، ما يجعله يقول بالاستحالة التامة لإمكانية التعايُش.

أو إريك زيمور المشهور بعدائه لتواجد الأجانب على أرض فرنسا، والذي لا يني يردّد في كل مكان يقين فشل التعايُش مع الأجنبي المختلف، ويرفض بشكل أو بآخر التعدّدية الثقافية وغيرها في فرنسا.

كُثر اليوم الذين ينشرون ثقافة الخوف في المجتمع الفرنسي، الخوف من المختلف في المعتقد، اللون، اللّغة والمنشأ. فتشتد أصوات الذين يرون مسالك الجمهورية غير آمنة، وقد نفخوا في نفس القرن منذ عقد ونصف العقد. كل ذلك من أجل مكاسب سياسية وأرباح انتخابية. فمن قبل كان الشعار: «ها قد جاء الغريب ليأكل خبزنا»، واليوم صار: «إنه قد أتى ليستأصلنا كي يستحوذ على أرضنا».

لا بد أن الحيثيات العالمية مقلقة، ولابد أن تُفجّر أكثر التناقضات المختبئة تحت قشرة التأزم الاجتماعي في فرنسا، ما يجعل فكرة التعايُش مُعرّضة أكثر فأكثر للتصدُّع. وقد لا يخطئ المؤرّخ الأميركي ثيموتي سنيدر الذي تنبأ بمستقبل للبشرية قد يعرف إبادات جديدة مثل تلك التي حدثت في الماضي، والتي يكون سببها بالدرجة الأولى: الاقتصاد، الأرض والغذاء!


 موضوعات أخرى