المقاهي الثّقافيّة في غزّة

غزة: عبدالله عمر

تبقى مقاهي المثقفين العلامة الأبرز في حياة المدن المهتمة بالثّقافة والفنون، رغم ما اعتراها في السنوات القليلة الماضية من عزوف كبير نتيجة عوامل مُتعدّدة أدت إلى انحسار دورها.

شكّلت ظاهرة انتشار المقاهي في أوائل القرن الماضي طفرة أسهمت في إثراء الحالة الثّقافيّة والحضارية، ولم تعد مدينة كبرى إلّا وقد تباهت بتواجد أكبر عدد منها ضمن أزقتها وشوارعها الضيقة.

أبو أحمد المسلاتي رجل في السبعين من عمره، يرسم الزمن على وجهه علامات فارقة، لكنه لم يستطع أن ينتزع منه ذكريات تلك الليالي الجميلة التي قضاها في جنبات مقهى سيبويه وسط مدينة غزّة، وفق تعبيره.

كان الذي يعمل بالنسيج دائم الحرص على الحضور مساءً بزيه الرسمي، ليستمع إلى آخر القصائد والأشعار من كتاب غزّة، على لسان أصحابها، كان يتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه، وربما يشترك بعضهم في تقييم كتاب مُعيّن قرأه لتوه أو تعليقاً على قصيدة شعرية استمتع الجميع في متابعتها.

هذه الصورة التي غابت إلى حَدٍّ كبير في غزّة، وانحسر ضوؤها، كان بسبب الأوضاع غير العادية التي تعيشها المدينة المحاصرة منذ ما يزيد على ثماني سنوات، وما خلّفه من فقر وبطالة وانعدام لفرص العمل، صرف الناس إلى اهتمامات أخرى.

ويستذكر الحاج أبو أحمد أن صاحب المقهى لم يكنْ يسعى إلى الربح المادي لكونه مثقفاً لديه اهتماماته الثّقافية، فقد كان هو نفسه من عشّاق الكتب ولا يدخل مقهاه كتاب إلّا وقد قرأه واستمتع به كما كان يقول، بالإضافة إلى أن المكان الذي يقدّم المشروبات الساخنة كان ملاذاً مريحاً من عناء العمل، في أجواء ترضي أذواق المواطنين وتلبي رغباتهم.

فيما يُشير الكاتب محمود مهنا إلى أن الشكل القديم لمقاهي الكتب اختفى في غزّة لاعتبارات كثيرة، إلّا أن المقاهي التي يجتمع فيها المثقفون لا زالت موجودة بقوة بين أوساط شرائح مُتعدّدة منها الشباب وإن كانت بنسبة أقلّ.

مؤكداً أنه في الوقت الذي يفتقد المجتمع لهذه التجمعات تعرف أن المجتمع قد أصابه زلزال ثقافي يُهدّد كل الحالة الحضارية، لذلك يجب على الجميع المحافظة على وجودها، والعمل على تلاقح الأفكار والإسهامات المختلفة لتنتج إثراء للحالة الثّقافيّة.

ويشير مهنا إلى أن الاهتمام بالكتب تغيّر بالفعل ليس في هذه المقاهي فقط، وإنما في كل جوانب الحياة المختلفة، وهذا أثر بشكل مباشر على رافد أساسي من روافد الحِراك الثّقافي في قطاع غزّة، بسبب الحصار والحروب المتتالية على الشريط الساحلي الضيّق الملاصق للبحر.

ويتحدّث الشاعر أنور البرعي أن ما يميّز وجود الكتب داخل تلك المقاهي؛ هو التداول حول العنوان الأبرز بين روّاد المقهى، والترويج الضمني لكتب غنيّة بالجذب والتحفيز لمطالعته، ولذلك يعود إلى معرفة الروّاد بعضهم ببعض واجتماعهم على فكرة واحدة ملخصها الفائدة للجميع.

ويوضح البرعي أن هذه المقاهي كانت الدافع الأول للمهتمين إلى متابعة القراءة، في وقت كان الكثيرون يعجزون عن اقتناء الكتب إما لارتفاع أسعارها أو ندرة تواجد نسخ كثيرة منها، ويوضح وهو الذي ارتاد هذه المقاهي لفترة طويلة أن المكان ربما لا يكون مثالياً للقراءة إنما هو محفز كبير للقراءة والاطلاع ومحاولة الاقتناء إن أمكن وهذه هي فائدته الأساسية.

مؤكداً على أن غياب الرعاية الحكومية لهذه المنارات أدى إلى اندثارها وتراجع شعبيتها، مع اختلاف اهتمامات المواطنين في زمن باتت الثّقافة في ترتيب مختلف بعدما كانت تتربّع على سلّم الأولويات في فترة ما.

وإنه إذا ما أردنا العودة إلى تلك النقطة يجب أن نعيد استرجاع الفكرة على ما كانت عليه، وتبنيها، ورعايتها، وتوفير سبل النجاح لها، كأننا نؤسسها من جديد، ليجد فيه جيل اليوم ما يلفت انتباهه.

ويشير القاصّ سلامة حسنين إلى أن غزّة مدينة عريقة، قدّمت للتاريخ الكثير من النماذج المشرّفة، وعليه لا بد أن تستعيد المدينة وجهها الحضاري برغم كل الظروف الصعبة المحيطة بها، وأن إغلاقها تحت حجة عدم الاهتمام بها لن يكون مقبولاً في الوقت الذي يتشوّق المبدعون إلى ما يجمعهم من جديد، ويتساءل المهتمون عن مكان يجمعهم.

ويؤكد حسنين أن الصالونات الأدبية باتت الملاذ الأخير الذي يسعى إليه رواد الفكر والثّقافة ليبرزوا إبداعاتهم، وهناك يجدون من يتبادل معهم الأفكار ولكن بنسبة أقلّ من روّاد المقاهي الثّقافيّة، مما يشعرك بأجواء «حلقة نقاش» دون تكلّف.

أما أستاذ التاريخ بالجامعة الإسلامية عائد أبو لبدة فيشير إلى أن تاريخ المقاهي الثّقافيّة ممتد في الجذور العربية إلى مئات السنوات، وأن مدناً كالقاهرة ودمشق وبغداد كانت تعجّ بمثل هذه المقاهي، حيث انتشرت المقاهي منذ عام 1750 تقريباً، يعرف المثقفون بها وتعرف بروّادها المثقفين.

مشيراً إلى أن هذه المقاهي تقدّم خدمة قراءة الكتب أو شرائها بأسعار منافسة للمحلات التجارية وهذا ما جعل المهتمين يرتادونها، ففيها ما يبحثون عنها، وهناك يمكن لهم الاختيار باحتكاكهم مع بعضهم البعض، والنقاش عن آخر الإصدارات والموضوعات الجديدة.

لا يرتبط عمل المقاهي الثّقافيّة بموعد الدوام الرسمي الذي تتميّز به المكتبات العامة، بالإضافة إلى إمكانية وجودها داخل الأحياء وقريبة من التجمّعات السكانية، مما يجعل من زيارتها أمراً سهلاً ومتاحاً في أوقات ما بعد الدوام وربما لقضاء سهرة ممتعة لمن يحب ذلك، لمختلف الشرائح الاجتماعية، ومختلف التخصّصات والاهتمامات المعرفيّة والثّقافيّة.

وهناك مميزات أخرى تبعدك عن النمطية والقيود بمكتبات المؤسّسات، فهناك المشروبات التي عادة ما يقدّمها أي مقهى آخر، وإمكانية تجمّع عدد أكبر من الأصدقاء، مع إتاحة الفرصة أمام إدارة النقاشات والحوارات المختلفة، أضف إلى كل هذا ما يتميّز به المقهى الثّقافي بوجود إقبال من الأدباء والمثقفين أنفسهم وليس القرّاء فقط، وهذا يمنح تواصلاً قَلّ نظيره في أي مكان آخر، سوى ربما في معارض الكتاب الموسمية.

رشاد القيق شاب عشريني يرى أن هذه الأماكن لا تستهويه هو وأصدقاءه مع طفرة انتشار الإنترنت، وأن مقهى بمواصفات جديدة تتوافر به خدمة اللاسلكي هو الأقرب إلى نفوس الشباب هذه الأيام.

ولا يرى في ذلك عيباً، فيقول: «يمكن للشاب فور اتصاله عما يريد فهناك من هم من هواة الأدب والشعر والعمل الثّقافي بشكل عام، ولكن يتابعونها بطريقة خاصة».

مقهى نون هو تجربة نسائية جديدة في غزّة، قامت بها الناشطة نداء مهنا، وتهدف من خلالها إلى إحياء المقاهي الثّقافيّة، ولكن هذه المرّة بثوب جديد، يتمثل في مقهى خاص بالنساء، والاسم يدل على نون النسوة.

المقهى يحتوي على مكتبة يمكن للزائرات من خلالها تصفُّح بعض الكتب وهن يتناولن فنجان القهوة المفضل، فيما توصف صاحبة المكان بأنه استراحة الروح من عناء أعمال البيت أو العمل، في جو نسائي خالص.

مهنا تهدف إلى خلق حالة جديدة داخل أوساط المثقفات من النساء، وتنوي تنظيم سهرات لهن، لمناقشة أمور ثقافيّة واجتماعيّة مختلفة داخل جدران مقهاها بحي النصر في مدينة غزّة.

وتحاول مهنا الابتعاد عن التقليدية في كل شيء، فجوانب المكان تحوي قسماً للتسوُّق وآخر للجلسات الهادئة محاطة بمكتبة تحاول إثراءها دائماً بإصدارات جديدة وقديمة من القصص إلى الشعر إلى الكتب التاريخية والعلمية على حَدٍّ سواء.

مشيرة إلى أن الوضع الراهن لم يسمح لها بتخصيص مساحة كبيرة، ولكنها تعتبر أنها خطوة البداية بالنسبة لها، وأن حلمها أن يكبر هذا المكان ويصبح قبلة حقيقية لطالبي الراحة والثّقافة في آنٍ واحد، مكان تجتمع تحت سقفه الكاتبات والروّائيات والشاعرات الفلسطينيات من مختلف المناطق ليصبح المكان أشبه بمؤسسة مدنية راعية للمثقفات في غزّة.

 موضوعات أخرى