حروب اللّغات العربيّة والمشهد اللّغوي الكوني

د.حسين السوداني



ظلّت المسألة اللّغويّة في السياق العربي قضية قائمة على مسارات تلقائية لا تنضبط لسياسة لغويّة حكيمة. ولئن انتشرت الأُطر الجمعياتية المهتمة باللّغة العربيّة فإنّ انتشارها يظلّ قاصراً طالما أنه لا تحتويه استراتيجيات سياسة لغويّة مُحْكمة. والاتكال على أنّ للسان العرب ربّاً يحميه هو في الجانب العميق منه دال على قصور لدينا عن أنْ نستثمر أهمية هذه المرجعية الاعتبارية في تحقيق تنمية. فمن أعمدة القوة الاقتصادية اليوم ما أصبح يُسمى «القوة الناعمة» (SOFT POWER)، وهو مفهوم نشأ في ملابسات حضاريّة ذات دلالة في سياق بحثنا هذا. فعماد القوة الناعمة هو الهيمنة الثّقافيّة اللّغويّة.

(1)

راهن المشهد اللّغويّ الكوني



تُثير الباحثَ في أمرّ اللّغات معلومةٌ تواترت حتى غدت مسلّمة، وهي أنّ لغة تموت كل أربعة عشر يوماً. وعلى هذه المعلومة الأساسية بنى كلود حجاج كتابه الصادر سنة 2002 بعنوان «أوقفوا موت اللّغات»(1) (HALTE À LA MORT DES LANGUES). ولئن ارتبط المنعرج التاريخي بين القرنين بفكرة العولمة، فإنّ ما فرضته وسائل الاتصال في السياق العالمي الجديد قد جعل للهوية اللّغوية بكل ما ترتبط به أولويةً اعتباريةً، وذلك فيما أصبح يختصره البعض في أنها نهاية الجغرافيا وعودة التاريخ.

في واقع العولمة كفّت اللّغات عن أن تكُون مجرّد أدوات تواصلٍ ومكوناتِ هويةٍ ينبغي تحصينها. فالمنظومة الجديدة فرضت حدّاً من التبادل والتفاعل لا مهرب منه. وهو ما اختزله جون لوي كالفاي (LOUIS-JEAN CALVET) في عنوان كتابه «سوق اللّغات: التأثيرات اللّغوية للعولمة»(2).

وقد تجلّى هذا الوضع اللّغويّ الكوني في سياسة المنتظم الأممي بارتباط نهاية الألفية الثانية ومطلع الألفية الثالثة باتجاه مهم في سياسة الأمم المتحدة هو الاهتمام بالهويّات اللّغوية. وقد تجلّى ذلك في شكل صيحة فزع إزاء الموت الذي يُهدّد كثيراً من الألسنة البشريّة. وتزامن ذلك مع اهتمام أكاديمي بهذه الظاهرة الظاهرة في الأوساط العلمية. فقد جعلت منظمة اليونسكو عدد مجلتها لإبريل/نيسان من سنة 2000 بعنوان صادم هو «حرب اللّغات وسلْمها»، وأصــــدر ستيـــفن وورم (STEPHEN A. WURM) «أطلس اللّغات المهدّدة بالاندثار في العالم»(3) سنة 2002. وفي السنة نفسها اتّجه لسانيون عديدون إلى الاهتمام بقضية موت اللّغات. فشكل هؤلاء الباحثون تياراً نشأ بشكل متزامن، فمنهم في الفضاء الفرنكفوني كلود حجاج وجون لوي كالفاي، ومنهم في السياق الأنغلوفوني دانيال ناتـل (DANIEL NETTLE) وسوزان رومان (SUZANNE ROMAINE) (4).

وإزاء واقع الصراع اللّغويّ الكوني أصبح السؤال عن مستقبل لسان مُعيّن هاجساً علمياً ملحّاً من منظور لساني تقنيّ وواجباً قومياً حارقاً من منظور حضاري ثقافيّ. وبذلك نشأ مفهوم جديد شغل تياراً بحثياً كاملاً هو مفهوم «الحروب اللّغوية». فشكّل موضوعَ كتاباتٍ عديدة منها ما يدرُس جوهريَّةَ القضيةِ اللّغوية في الحروب كما في بعض كتابات تزفتان تودوروف(5). ومنها ما يقتفي أوجه الصراع بين الألسنة البشرية كما في كتابات روبان تولماتش لايكوف (6) ROBIN TOLMACH LAKOFF وهنري هيتشنغز (7) (HENRY HITCHINGS.

والذي يُحسن الظن من الدارسين يمكن أن يرى في مساعي الأمم المتحدة اليوم اتجاهاً إلى تعديل موازين الصراع اللّغوي، ولكن ما يدرَك دون كثير اجتهاد هو أنّ المسألة اللّغوية قد غدت اليوم موضوعاً لما يسمّى «السياسات اللّغوية». وفي السياق العربي تجد أنّ اللّغة العربيّة قد غدت من القضايا المدرجة في جدول أعمال مؤتمرات القمة العربيّة خلال ثلاث سنوات متتالية: 2007 في دمشق ثم 2008 في الرياض انتهاءً بسنة 2009 في قطر.

يقدّر الدارسون عدد اللّغات في العالم اليوم بأنها بين 5000 و 6000 لغة، والاختلاف في العدد يعود عموماً إلى أن التخوم بين اللّغة واللهجة تظلّ حدوداً غير ثابتة. وتتوزّع هذه اللّغات في العالم توزّعاً غير متكافئ على عدد الدول الذي يناهز المئتين، فالقسمة الحسابية تجعلنا إزاء معدل هو 25 لغة في كل دولة، ولكن الأمر غير ذلك تعقيداً وتشابكاً. فواقع الأمر أنّ الشعب الكاميروني الذي لا يتجاوز 12 مليون نسمة يتداول 275 لغة، وفي الهند 380، وفي نيجيريا 410، وفي إندونيسيا 670، وفي غينيا 850، ويمكن أن نذكر- من بين الدول العربيّة- حالة السودان، فإحصاء عام 2005 يُبيّن أن عدد السكان في بلاد السودان 28 مليون نسمة، 20 منهم يتكلّمون العربيّة و8 ملايين يتكلّمون 100 لغة أخرى(8).



وتشير الإحصائيات التي تقدّمها المنظمات الدولية إلى أن لغة ينقرض استعمالها كلّ حوالي 14 يوماً أي موت حوالي 25 لغة في السنة، ويشير المتخصّصون إلى أنّ حوالي 600 لغة قد أخذت طريقها التدريجي نحو الانقراض، وهذا النسق سيفضي إلى انقراض حوالي نصف اللّغات المتداولة اليوم.

وللحدِّ من هذا السيل الجارف، أُعلن الاحتفال باليوم الدولي للّغة الأم في مشروع القرار (30 C/DR.35) الصادر عن المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1999. وقد جعل يوم 21 فبراير/شباط من كل سنة يوماً عالمياً للّغة الأم، وحدّدت الغاية من ذلك بأنها تتمثل في التشجيع على تعزيز التعدّد اللّغويّ والثقافي. وهو ذو دلالة رمزية لارتباطه بما حدث سنة 1952 في دكا عاصمة بنغلاديش حالياً حين خرج طلبة متظاهرون للمطالبة بالاعتراف بلغتهم الأم البنغالية لغة رسمية فيما كان يسمى باكستان الشرقية ثم أصبح يُسمى بنغلاديش إثر حرب التحرير، وفي ذلك اليوم فتحت الشرطة النار على الطلبة فقتلت خمسة منهم.

وفي موكب إعلان سنة 2000 سنة دولية للسلام تم الإعلان عن يوم 21 فبراير يوماً عالمياً للاحتفال باللّغة الأم، «وقد حدّدت اليونسكو هدفها من كل ذلك وهو حماية 6000 لغة إنسانية من الاندثار، وبتلك المناسبة شرح المدير العام للمنظمة يومئذ كويشيرو ماتسورا كيف فشل القرن الـ20 في الحدِّ من تسلط القوة على الثقافة الإنسانية بما أصبح يهدد خصوصيّاتها المتنوّعة حتى اللّغوية منها»(9).

وفي 16 مايو/أيار 2007، أهابت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في قرارها A/RES/61/266 ، بالدول الأعضاء (التشجيع على المحافظة على جميع اللّغات التي تستخدمها شعوب العالم وحمايتها). وأعلنت الجمعية العامة، في نفس القرار، سنة 2008 باعتبارها سنة دولية للّغات لتعزيز الوحدة في إطار التنوّع ولتعزيز التفاهم الدولي من تعدُّد اللّغات والتعدّد الثقافي.

في نفس هذه السنة- أي 2008 - تزامن حدثان أولهما إصدار اليونسكو لأطلس اللّغات المُهدَّدة في العالَم، والثاني هو مناقشة الكنيست الإسرائيلي لمشروع يقضي بإلغاء المكانة الرسميّة للّغة العربيّة، وعدم السماح للفلسطينيين بالتحدّث بها.



(2)

السياسات اللّغوية



يُعدّ مصطلح «السياسة اللّغوية» أحد المفاهيم الأساسية في علم اللسانيات الاجتماعية، ويعرّف جون لوي كالفي السياسة اللّغوية بأنها مجموعة الخيارات الواعية التي تتخذ في مستوى العلاقة بين اللّغة والحياة الاجتماعية(10).

ويتكامل مع هذا المفهوم مفهومٌ آخر ُ تطبيقيٌّ هو التخطيط اللّغوي (PLANIFICATION LINGUISTIQUE)، ويعرَّف من منظور جويليات غرمادي (JULIETTE GARMADI) بأنه مجموعة من المساعي والجهود الواعية والمنظمة التي ترمي إلى حَلّ مشاكل لغويّة مُحدّدة، ويتجلّى ذلك في قرارات تتخذ بغاية التأثيرفي الناس بحثّهم على ممارسات أو استعمالات لغويّة معينة أو ثنْيهم عنها. وعملياً يتجلّى ذلك في مجموع الجهود المبذولة لتغيير قصديّ في أبنية اللّغة واستعمالاتها على نحو يخلُص إلى صياغة لغة مثلى مُعبّرة عن هوية وطنية معيّنة بما يتم من تحويرات تُقَيِّس اللّغة تقييساً معيارياً مضبوطاً بمعايير سياسة لغويّة مُحدّدة سلفاً(11).

إن أهمّ ما يمكن أن نحصّله من هذا المفهوم أنّ المسألة اللّغوية لم تعد أمراً يُتْرَك لتداعيات التاريخ وعوامله، وإنما هي خاضعة لاستراتيجيات مضبوطة ويعدّ لها سلفاً، وللاستدلال على ذلك سنذكر مجموعة من الشواهد التي توضّح على نحو دقيق مركزية السياسة اللّغوية عبر التاريخ، وسنجعل بعض أمثلتنا من التاريخ القريب وبعضها من الراهن.

إن المثال الأوضح في الضمير العربي هو اللّغة العبرية التي ظلّت لغة متحفية يكاد يقتصر استعمالها على الجانب الطقوسي من حياة مَنْ ينتسبون إلى الديانة اليهودية، وحين تأسست دولة إسرائيل تَمّ إعلان اللّغة العبرية لغة رسمية للبلاد وتقرّر إحياؤها بعد موت. ثم تأسس لها سنة 1953 مجمع لغويّ ترعاه الدولة العبرية.

ومن الأمثلة التي نجدها في التاريخ القريب ما يذكره عبد السلام المسدي في أنّ اليابانيين لما استعمروا كوريا منعوا فيها تداول اللّغة الكورية، ولما استقلت البلاد (1943) جاء أول مرسوم في أول عدد من جريدته الرسمية يحظر تداول اللّغة اليابانية، واحتشد الكهول والشيوخ ليلقنوا الأطفال والشباب لغتهم القومية، ولم تنطلق السنة الدراسية يومئذ إلّا وقرار الإنسان قد امتطى سفينة التاريخ. وعندما انتصر هوشيمنه حسم القضية اللّغوية وأعلن «فَتْنَمَةَ» المدارس والكليات، فرجاه أساتذة كلية الطب إمهالهم بعض سنوات، فأمهلهم تسعة أشهر، وحسم الأمر، فلم يتظلم التاريخ ولا شكا بأوجاعه الإنسان(12).

وفي الصين كان أول قرار بعد نجاح ماوتسي تونغ سنة 1949 هو المتصل بالتوحيد اللّغويّ وبمركزية الأداء التواصلي: كان على كل صيني أن يتكلّم اللّغة الخانيّة (لغة بيكين) وأن يتخلّى عن اللّغة الإنجليزية وعن كل اللهجات الأخرى المتداوَلة، حتى ولو كان بينها ما يرقى إلى منزلة اللسان المنتظم. ولم يقم تعقد نظام الكتابة حائلاً دون الإرادة الإنسانية وانصياع التاريخ(13).

وفي الراهن تجد أن القضية اللّغوية هي متنزَّل الوجه الثقافي الحارق من حياة الأمم، فبين اللّغة والهويّات القومية ارتباط وثيق، ومن ذلك أن 120 دولة من دول العالم تنصّ دساتيرها على ما تعتبر أنه هو اللّغة القومية.

وكثيراً ما تدفع دواعي الهويّة إلى تعالي الأصوات منادية بإعطاء اللّغة العربيّة المكانة التي هي حَريَّة بها، وفي غلواء هذه الدعوات تتبادل المواقع بين الأسباب والنتائج، فالتلقائي من حركة التاريخ أنه لا يرتقي قوم إلّا وترتقي بارتقائهم لغتهم طالما أنّ «المغلوب مجبول أبداً على الاقتداء بالغالب» حسب عبارة ابن خلدون. وفي هذا السياق قد يكون من فائض القول الإشارة إلى الارتباط الوثيق اليوم بين حظوة اللّغة الإنجليزية والسطوة الأميركية في العالم. ووراء كل صراع لغويّ صراع حضاريّ اقتصادي بالأساس.

ويجد الباحث في هذا السياق ثلاث وضعيات لغويّة على الأقلّ هي مما دققه عبد السلام المسدي وأكده في كتاباته الأخيرة المهتمة بالمسألة اللّغوية في علاقة بالسياسات اللّغوية. فالمثال الأول هو كندا فقد انتبه الكنديّون لتقرير نشرته مؤسّسة الإحصاء الكندية عام 1998 مفاده أن 47 لغة من بين الـ50 المتداولة في كندا قد أخذت طريقها نحو الاندثار.

وانتبه الألمان إلى أن لغتهم تتدحرج على سلم الأولويّات بحيث تتأخر رتبتها بين الـ10 لغات الأكثر شيوعاً في العالم، ويبرّرون مخاوفهم على أساس أن مستقبل اللّغة الألمانيّة يبدو غير مستقر في عصر تسيطر فيه الإنجليزية على التكنولوجيا العالية، كما يتهمون الاتحاد الأوروبي بالتحيُّز ضد لغتهم؛ لأن اللجان المنبثقة عن المفوّضية الأوروبية كثيراً ما تكتفي باستخدام الإنجليزية والفرنسية(14).

والمثال الثاني هو فرنسا ففي تسعينيّات القرن الذي مضى تهيأ للفرنسيين المناخ المناسب لإصدار قانون أطلقوا عليه القانون المتعلّق باستعمال اللّغة الفرنسية، ولكنه اشتهر بقانون «توبون» على اسم وزير الثقافة والفرنكوفونية جاك توبون الذي أعدّه، وشيئاً فشيئاً أصبح الناس يتحدّثون عنه بمصطلح (قانون حماية اللّغة الفرنسية)، وتم سن هذا القانون في (4 أغسطس/آب 1994) وصدر الأمر الرئاسي بتطبيقه في (3 مارس/آذار 1995) وقد جاء في فصله الأول: (إن لغة الجمهورية طبقاً للدستور هي اللّغة الفرنسية وهي الركن الجوهري في السيادة الفرنسية وفي تراثها، وهي لغة التعليم والعمل والمبادلات والمصالح العمومية، ثمّ هي الصلة الفضلى بين الدول المكونة للمجموعة الفرنكوفونيّة.

لقد كان الفرنسيون يريدون التمييز الصريح بين الإنتاج المرتبط بعالم الماديات والإنتاج المتصل بعوالم الرمز، وانتصر الفرنسيون فيما اصطلح عليه بالاستثناء الثقافي، ثمّ حرص الفرنسيون على إدراجه ضمن بنود الدستور الموحد لدول الاتحاد الأوروبي، بعد أن دفعوا بمجموعة الدول الفرنكوفونية إلى تزكيته في مؤتمرهم الدوري الذي انعقد في هانوي عام 1997 والذي اعتلى فيه بطرس بطرس غالي منصب الأمين العام لمنظمة الفرنكوفونية(15).



(3)

العربيّة في المشهد اللّغوي الكوني



اللسان العربي هو اللّغة القومية لحوالي 337 مليوناً (في إحصاء عام 2007)، وهو يمثل إلى جانب ذلك مرجعية اعتبارية لأكثر من 950 مليون مسلم غير عربي كلهم يتوقون إلى اكتساب اللّغة العربيّة، فإن لم يتقنوها- لأنها ليست لغتهم القومية- فإنهم في أضعف الإيمان يناصرونها ويَحتمون بأنموذجها.

والذي يستشرف خيراً للسان العرب قد يصطفي حججاً وشواهد منتقاة بعناية فائقة، ومن تلك الشواهد ما أعلنه الكاتب الإسباني كاميلو جوزي سيلا- الحاصل على جائزة نوبل في الأدب لعام 1989 - في تقديراته الاستشرافية حول مصير اللّغات الإنسانية فقد كشف عن تنبؤاته المستقبلية المتصلة بما ستؤول إليه الألسنة البشرية العالمية المنتشرة اليوم، فارتأى أن الثورة الاتصالية وانفجار أدوات التواصل التي اختزلت بُعد الزمان، وألغت بُعد المكان، وتجاوزت- بواسطة الصورة- حواجز أدوات التعبير، ستؤدّي تدريجياً إلى انسحاب أغلب اللّغات من ساحة التعامل الكوني، وإلى تقلصها في أحجام محلية ضيقة، ولن يبقى من اللّغات البشرية إلا أربعٌ قادرة على الحضور العالمي وعلى التداول الإنساني، وهي الإنجليزية والإسبانية والعربيّة والصينية.

إننا نقدّر أن هذا الاستشراف قائم على تقدير تاريخي دياكروني خارجي، فكثير من اللّغات بقيت أو وقع إحياؤها، ولكنها لم تتواصل بما تقتضيه قوانين التطوّر الطبيعي، وإنما بما تؤول إليه استتباعات الانسلاخ. والمثال الواضح لذلك هو اللّغة العبرية الحديثة، فقد وقع إحياؤها عند قيام دولة إسرائيل ليكون لها لسان القومية العبرية.

فاليوم توافرت روائز جديدة لقياس مظاهر حياة اللّغة، فللغة اليوم حياة في الواقع الافتراضي هي أكثر حسماً وأثراً من حياتها الخارجية على ألسنة المتكلمين. لذلك تجد اللّغة الكورية مثلاً تُصنّف اليوم باعتبارها من أهم اللّغات الصاعدة. فعدد الناطقين بهذه اللّغة لا يتجاوز 80 مليوناً في الكوريتين الشمالية والجنوبية وفي الصين. ولكنها اليوم تُعدّ من اللّغات الحائزة على رصيد الكتروني ضخم على نحو يؤّمن لها قيمة تبادلية افتراضية مهمة. وذلك رغم أنها في بعض التقديرات توضع في خانة اللّغات الصعبة، فهي مُصنّفة أميركيّاً ضمن الفصيلة الرابعة في سلّم الصعوبة مع العربيّة واليابانية.

أما اللّغة العربيّة فإنّ المحتوى العربي من الإنترنت يقدّر حسب مؤتمر «عرب نات» المنعقد في لبنان في 2010 بما يناهز 1 %. وحجم الحضور في البيئة الافتراضية هو عرَض من أعراض الوضع اللّغويّ من جهة، وهو من جهة أخرى مفتاح ممكن إلى تنمية حقيقية لاسيما إذا اعتبرنا أمرين أولهما أهمية ما أصبح يُسمى «الاقتصاد اللامادي»، والذي يعتمد بالأساس على صناعة الذكاء، والثاني هو حجم الجمهور الذي له علاقة باللّغة العربيّة.

فاللّغة تُعدّ أحد أهم المعطيات التي لا شك أنها ستحدّد مستقبل المشهد الثقافي الكوني، فإنسان هذا العصر يعيش بحكم الوسائط الإلكترونية الحديثة في عالم افتراضي لغويّ بالأساس. وفي هذا العالم تتحدّد الاختيارات والأهواء والعلاقات، وتتشكل رؤية للعالم والأشياء. ولذلك تجد النسبة اللّغوية مكوناً ثابتاً في الهويّات عبر التاريخ. والالتصاق بالهويّة اللّغوية أصبح اليوم أوكد وأجلى من أي عصر مضى. فمن ذلك ما أشرنا إليه آنفاً من أنك تجد اليوم مئة وعشرين دولة تنصُّ دساتيرُها على ما تعتبره لغتها القومية.

وللعربية في السياق الكوني الحديث إمكانيات استثمار مثالية، فقد أشارت دراسة أميركية أصدرتها «رابطةُ اللّغات الحديثة» في عام 2010 إلى أنّ اللّغة العربيّة تُعدّ من أكثر اللّغات الأجنبية تعلُّماً في الولايات المتحدة الأميركية، إذ زاد عدد دارسيها بنسبة 86 في المئة مقابل عدد دارسي الصينية مثلاً، والذي ارتفع بنسبة 31 في المئة، والإسبانية بنسبة 28 في المئة، والكورية بنسبة 19 في المئة، والبرتغالية بنسبة 13 في المئة(16).

ويضاف إلى ذلك أنّ العربيّة اليوم تُعدّ لغة التواصل لما يناهز 350 مليون عربي، وهي مع ذلك تمثل مرجعية اعتبارية لما يناهز المليار ونصف من المسلمين. وإذا كان العربي- المسلم أو غير المسلم- يتعامل مع العربيّة باعتبارها لغة أمًّا وأداة التواصل، فإنّ المسلم غير العربي- خصوصاً- يتعامل مع العربيّة على درجة عالية من القداسة والإجلال، فهي لغة العبادة واللسان الذي به نزل القرآن وبه كُتبت النصوص التي لا شك أنه يتمنى لو أنه يفهمها اعتقاداً منه أنه بذلك يكون أقرب إلى النبع الصافي.

وإنك لتجد اليوم في الأوساط العلمية الغربية اهتماماً بالغاً بتعلُّم العربيّة، فتعلُّم اللّغة بشكل عام يمثل مسألة يحتويها اليوم إطار مهم هو ما أتاحته الثورة الاتصالية من يسر في النفاذ إلى المعلومة وفي إبلاغها. فلذلك يمثل تعلُّم اللّغات عموماً أمراً وظيفياً باعتبار أن كل لسان هو الحامل لثقافة وهو مفتاحها.

وإذا كان تعلُّم اللّغة أمراً تحتويه أطر أكاديمية أساساً فإن من الآثار المباشرة للملابسات الحضارية التي تمرّ بها الشعوب ما ينشأ عنها من اهتمام بلغة الآخر غالباً قاهراً أو مغلوباً مقهوراً. فاللّغة في هذه السياقات الحضارية هي مجسّ يجلي لنا أوضاع الشعوب والثقافات وبأشكال دقيقة. فحين سقطت غرناطة وعسر حال المسلمين في إسبانيا استقدمت بعض مناطق أوروبا معلمين من الأندلس ليعلموهم العربيّة وليتمكنوا من الرصيد المهم للمسلمين في الفلسفة والفيزياء والرياضيات والطب والموسيقى وغيرها. ففي هذا السياق يعتبر المؤرخون أن فرنسوا الأول في القرن السادس عشر هو من ملوك أوروبا الذين يُؤْثر عنهم حثّهم على تعلُّم العربيّة. واليوم يُعدّ الإقبال الأميركي معياراً في تقدير درجة أهمية اللّغة.

والطريف هنا أن تعلُّم لغة مُعيّنة لا يحفّزه بالضرورة تثمين لمتكلميها أو حب لها. فعندما دخل الاتحاد السوفياتي عالم الأقمار الصناعية بإطلاق القمر الصناعي سبوتنك في عام 1957 وخلق بذلك تحدّياً جديداً في غمار الحرب الباردة، زاد اهتمام الطلاب الأميركيين بشكل مفاجِـئ بتعلّـم اللّغة الروسية، وتكرّر الموقف مع اللّغة العربيّة في أعقاب هجمات سبتمبر/أيلول عام 2001.

هوامش:



-1 CLAUDE HAGÈGE, HALTE À LA MORT DES LANGUES, ED. ODILE JACOB, 2002.

-2 LOUIS-JEAN CALVET , LE MARCHÉ AUX LANGUES : LES EFFETS LINGUISTIQUES DE LA MONDIALISATION. ED. PLON, 2002.

-3 STEPHEN A. WURM, ATLAS OF THE WORLD’S LANGUAGES IN DANGER OF DISAPPEARING, ED. UNESCO, 2002.

-4 DANIEL NETTLE AND SUZANNE ROMAINE, VANISHING VOICES : THE EXTINCTION OF THE WORLD’S LANGUAGES, OXFORD UNIVERSITY PRESS, USA, 2000.

-5 TZVETAN TODOROV, LA CONQUÊTE DE L’AMÉRIQUE , LA QUESTION DE L’AUTRE, ÉDITIONS DU SEUIL, 1982.

-6 ROBIN TOLMACH LAKOFF, THE LANGUAGE WAR, UNIVERSITY OF CALIFORNIA PRESS, 2001.

-7 HENRY HITCHINGS, THE LANGUAGE WARS: A HISTORY OF PROPER ENGLISH, PICADOR, 2012.

8 - عبد السلام المسدي، صحيفة العرب القطرية، 3 فبراير/شباط 2010.

9 - عبد السلام المسدي، الهُوِيّة العربيّة والأمن اللّغويّ، منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر 2014.

-10 LOUIS-JEAN CALVET , LE MARCHÉ AUX LANGUES : LES EFFETS LINGUISTIQUES DE LA MONDIALISATION. ED. PLON, 2002.

-11 JULIETTE GARMADI, LA SOCIOLINGUISTIQUE,… 1981 185-186.

12 - عبد السلام المسدي، الهُوِيّة العربيّة والأمن اللّغويّ ، منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر 2014، ص 311.

13 - نفسه.

14 - عبد السلام المسدي، الهُوِيّة العربيّة والأمن اللّغويّ، منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر 2014، ص 302.

15 - نفسه ص 313.

16 - محمد حلمي عبد الوهاب، اللّغة بوصفها هويّة ثقافية، الثلاثـاء 05 جمـادى الأولـى 1433 هـ 27 مارس/آذار 2012 العدد 12173.

 موضوعات أخرى