«الأيامُ ليست لنُوَدِّعَها» إيقاعيّات عبده وازن

عبدالدائم السلامي

في نصوص ديوان «الأيامُ ليست لنُوَدِّعَها» للشاعر اللبناني عبده وازن، الصادر عن دار الجمل في بيروت، يُوجد لُطفٌ من العقل، ينتظمُ مجرى التخييلِ فيها، ويحميها من السقوط في دوائر التهويم المجّاني التي جعلت كثرةً من شعرائنا لا يزيدون عن كونهم مُوَظَّفين بسطاء لدى مؤسّسات المعنى السائد.



وعيُ الشِّعْر

الرأي عندنا أنّ هذا اللُّطف العقليَّ (وهو ما سنكشف عن بعض ملامحه في نصوص الشاعر، ضمن حديثنا عن إيقاعاتها) هو الذي سهّل على عبده وازن القطعَ مع ثقافة كبرياء الشاعر التي نلفي لها صوراً كثيرة في شعرنا القديم، على غرار القول (أنا الذي نظر الأعمى...)، والتأسيسَ لثقافة كبرياء النصّ؛ فلم يعد القصيد كياناً لغويّاً يرفد عظَمةَ الشاعر وشهرتَه، بل ويَقبَل التوصيف الشكليّ والتصريف الدَّلالي لتبرير تلك الغاية، وبل صار كينونة لغويّة معتزّة بذاتها، وواعية بهموم لحظتها التاريخية وبأدوارها الفنيّة والحضاريّة، ومن ثمّة لا تكون قراءتُها إلا بحَذَرٍ شديد.

ذلك أن نصوص ديوان «الأيامُ ليست لنُوَدِّعَها» لا تحفل بتمجيد الذّات والإشادة بها، ولا توغل في رمزياتها إيغالَ الغموض البهيم (وهو أمر أثقلَ متنَ القصيدة العربية المعاصرة). بل هي نصوص تحضر فيها الذّاتُ وتتخيُّر، بوعيٍ، فكرتَها/ثيمتَها من معيش الناس، وتفتح ذهنَها المُبدِع على فضاء أليغوريٍّ ، لا تَدَّعي فيه حيازةَ المعنى التامِّ والمُكتَمِل، إنّما تكتفي فيه بإدارة جَدل حارّ داخل النصّ: جدل بين تاريخه وحاضره، وبين دنيويته وقداسته، وبين تشكيله اللفظي وإيقاعه الدَّلالي، وبين انتصاره على غربته الذاتية وانتصاره لها، وبين وعيه الكتابيّ ووعي قارئه النصيّ.

والظاهر أنّ حشود المعنى في كتاب «الأيام ليست لنُوَدِّعها» تتحرّك ضمن مناخات وجودية ووجدانية مكتظّة بقلق الذّات وإحساسها بالفقد والحيرة والسقوط والوحدة والظُّلم والظَّلام والخيبة وأثقال الوقت. ولئن كانت هذه المناخات مألوفة في القصيدة العربية، منذ «قِفا نبكِ»، فإنه،ا في نصوص عبده وازن، تَرْشَح بمعانٍ مُضافة (نرى فيها جوهرَ تميُّزِها) نهضت صناعتها على توظيف عنصر الإيقاع توظيفاً لطيفاً، كشف عن نُضج تَمَثُّلها لمفردات العالَم، وعن صفاء لغتها، وعن وعيها بقيمة الشّعريّ في تحرير الدُّنْيويّ من سُلطة المألوفِ؛ ذلك أن الشاعر قد صاغ نصَّه وفق صنوفٍ من الموازنات الإيقاعية قائمةٍ على تفصيل المعنى، دونما تطويل فيه، وعلى تقليب الصورة لبلوغ قلبِ دَلالتها، وعلى تكرار حركتِها دونما إكثارٌ منها، عدا نصوص، بلغ فيها التكرارُ حدَّ التشبّع؛ ما جعل المعنى فيها مترهِّلاً وبارداً، على غرار قصيدتَيْ (غرق) و(النائمة). ولعلّ في تنويع إيقاعات النصوص وتطويعها لخدمة موضوعها ما فتَّح أَكَاميمَ معانيها، وشحَنَها بتَوْق كبير إلى الحلول في فضاء الشعريّ والمُبتَكَر.



إيقاعات النصّ

سنحاول، في هذا العنصر، الوقوف على بعض اللُّطف الإيقاعيّ الذي لاذت به قصيدة عبده وازن، طريقاً إلى تعزيز شعريّتها، وذلك عبر اتّكائها على نمطٍ من أنماط الموازنات الإيقاعية التي يمكن أن تُدرَس فيها ضمن مجالات الصوت، من حيث همسُه وجهرُه، ومن حيث انفتاحُه وانغلاقُه، أو ضمن حركة اللفظة وهي تتردّدُ في الجملة، أو داخل الجملة الشعرية وهي تُدَوْزِنُ كمّيّاتها اللفظية، وتبني معناها، أو في النصّ بأكمله وهو يصنع ملامح شعريّتِه. وهذا أمر قد يتجاوز هدف هذه المقالة التي تروم النظر في بعض أنماط الإيقاع المبثوثة داخل نصوص عبده وازن، كالموازنات اللغوية (المكوّنات النحوية)، واللفظية (عدد الكلمات وكيفيات ترتيبها) التي يُعبِّر عنها التناظر والتقابل والترديد.

وفي هذا الغرض، سنكتفي بقصيدتَيْ (سقوط)، و(لم أَقُلْ) عيّنتَيْن، نبحث فيهما عن ضروبِ الإيقاع وصِلَتِه بإظهار المعنى. وفي هذا الشأن، نقف في نصّ (السقوط) على حقيقة تحوّل السّقوط من معنى (ماديّ) إلى (توصيف للمعنى) محمولٍ في مشَهَد تخييليّ ورمزيٍّ، محمولٍ- بدوره- في مقطعيْن شِعريَيْن، تحكمهما موازنات إيقاعية ولغوية ودَلالية عديدة تكفّلت بإيضاح معنى السقوط وإحضاره في الذهن. ولئن سكت النصّ عن إخبارنا بهُويّة صاحب فعل السقوط، فلا نعلم إن كان العالَمَ أم الشاعرَ أم الحُلمَ أم منظومةَ القيم؛ فالظاهر من الأمر أن الشاعر لم يحفل بإخبارنا بتلك الهويّة، بسبب قناعته بعموم مظهر السقوط والانحدار والانسحاق في معيشنا العربيّ، وإنما انصبَّ، بجهده اللغويّ، على جعلنا نتعرَّفُ دَلالة السقوط الرمزيّ وكيفياته ومجالاته، بما يزيد من توهُّج دَلالاته. فقد افتتح مَقطعَيْ قصيدته بلازمة ثابتة هي (كمَن يسقط)، نبّه بها إلى اكتمال حدث السقوط في الزمن، ليتفرّغ- بعد ذلك- لبيان كيفيّاته، وتقديم توصيف له:

كمَن يسقط،

دون أن يسمعه أحد،

مزهرية عن نافذة

شجرة في أوج غفوتها

عصفور ضاقت به السماء.

في «لم أَقُلْْ» توزَّع القصيد على ثلاثة مقاطع، بُدئَ كلّ واحد منها بقاسم مشترك، صورتُه عبارة «لم أَقُلْ» المُحيلة على نفيِ حدث القول، وتليها ثلاث جمل اسمية، وهي جُمَلُ مقول القول، مبدوءة كلّها بالناسخ «إنّ»، المُحيل على التأكيد، وهذا التقابل بين النفي والتأكيد هو ما ساهم، إلى جانب ترديد البنية اللغوية وتنويع محلاّت فواعلها ومفاعيلها، في خلق إيقاع القصيدة، وغذّى فيها رغبةَ الإفصاحِ عن دَلالاتها.

إنّ شجرةً لا يكفيها برقٌ

لم أَقُلْ

إنّ زرقةً لا تكفي بحراً

إنّ درباً لا تكفي غابةً

إنّ غيمةً لا تكفي منظراً

لم أَقُلْ

إنّ حديقةً لا تكفيها بوّابةٌ

إنّ ظِلالاً لا يكفيها حقلٌ

إنّ ضوءاً لا تكفيه عيْنٌ

والملاحَظ، في هذه المقاطع، أنها جاءت وفق إيقاعية منتظَمة نهضت على دعامة تفصيل جمل مقول القول التي بُدئتْ الواحدة منها بالناسخ «إنَّ» ثم اسمه، ثم خبره الذي ورد مركَّباً فعلياً مبدوءاً بحرف النفي «لا». وقد تردّدت هذه الصيغة النحوية مع تنويع من طبيعة المركّب الفعلي (خبر الناسخ) في جُمل المقطع الثاني، فقد ورد فيه اسم الناسخ فاعلاً للفعل المنفي «كفى»: (إن زرقةً لا تكفي بحراً)، ما يجعل الزرقة هنا، وهي اسم الناسخ تحتلّ خانةَ الفاعلية. بينما نلفي اسم الناسخ في جُمل المقطعَيْن: الثاني، والثالث، يحتلّ خانة المفعولية (إن حديقةً لا تكفيها بوّابةٌ)، وهو تنويع ارتقى بالصيغة النحوية من محلّ التكرار إلى محلّ الترديد، وذلك على حساب أن التكرار - وِفقَ رأي ابن رشيق - يقع في المعاني، بينما الترديد يقع في الألفاظ.

ثمّ إننا نلفي في قصيدة (لم أَقُلْ)تقابُلاً يجري في جسدها بمرونة صرفية ومرونة نحوية مائزتين، وصورةُ ذلك حضور النفي والتوكيد معاً حضوراً دورياً خالياً من كلّ نشاز، وقد أجاد الشاعر استخدامهما بمهارة فائقة، انتظمها تناظُرٌ لطيفٌ (نفي - تأكيد/ تأكيد - نفي)، وكشف بهما عمّا يلفّ مفردات الواقع من نَقْصٍ في معانيها، وما يحكمها من تناقض في مبانيها.

وإن ما تكشِفُ عنه هذه الإيقاعيةُ المتمثِّلة في الترديد، وفي المراوحة، في النصّ، بين النفي والتأكيد، هو إصرار الشاعر على كونه حاضراً في نصِّه حضوراً واعياً بالموجودات من الأشياء والأحياء، كما أنّ في تلاعبه بالعملَيْن اللغويَّيْن: (النفي، والتأكيد) ما ينبئ بكونه ما يزال لسانَ جماعته الاجتماعية أو القومية أو الإنسانية، بل هو مندوب كي يكون شاهداً على أحداث عصره وتخليدها في قوله الشعريّ: نفياً لبعضها، وتأكيداً لبعضها الآخر؛ ومن ثمّة تتكشّف لنا استراتيجية القصيدة؛ إذْ نقف فيها على حقيقة أن نَفْي القول الوارد بمفتتح كل مقطع، والمحمول في عبارة «لم أَقُلْ»، تلك التي ظلّت تطرق ذهنَ القارئ باستمرار، إنما هو تأكيد للقول نفسه، ما يجعل النصَّ قابلاً لصيغة من الكتابة جديدةً، يضارع فيها النفي الإيجاب، وتتحوّل- بمقتضاها- لازمتُه «لم أَقُلْ» إلى لازمة جديدة هي «قلتُ».

وما نخلص إليه من مسألة الإيقاع في نصوص ديوان «الأيامُ ليست لنُوَدِّعَها» للشاعر اللبناني عبده وازن، وإن كانت مقالتنا قد اقتصرت فيه على ضروب قليلة من أصنافه، هو أنه مثَّلَ فيها آلية فنيّة جدّدت بها حمولاتِها المعنويّةَ، وغَنِمت منها توهُّجَها التخييليّ.

 موضوعات أخرى