تأبين ما لا يُؤَبَّن

خاص بالدوحة

عن منشورات دار العين، في القاهرة، صدرت للكاتب الجزائري عبد الرزاق بوكبة مجموعة قصصية جديدة، تحت عنوان «كفنٌ للموت».

«كفنٌ للموت» قصص تؤبِّن ما لا يؤبَّن، وهي تحاول أن تنفض غبار الموت عن حيوات وأشخاص، وأحياناً تبرِّره، أو تقول إنه الحَلّ الأفضل لأكثر من حالة، وأكثر من مأساة. لكن، بشكل ما، المجموعة تنتصر للحياة، وتفرد لها أجنحة الحلم والتمنّي، والتجدُّد، مثلاً: «صرخة حياةٍ تخرج من رحم الموت». وكأن الكاتب هنا وفي هذه الولادة/الوامضة، كان يمارس لعبة: «القطّ والفأر» لكن في شكلها الآخر، لعبة: «الموت والحياة». كما نقف عند أكثر من مديح للحياة، ففي: «لا حركة للموت» عبارة تختزل فكرة الموت، أو اللاحركة واللاحياة. إذ لا حركة للموت، لكن- في المقابل- للحياة حركة، لأنها نابضة، وهي نقيضها الإيجابي، وخلاصها/ أو ملاذها المنشود.

حتى الإهداء الذي تصدَّرَ الكِتاب، جاء في صيغة فلسفية، فيها من الإيحاء ما يفضي إلى أكثر من معنى وأكثر من دلالة، وأكثر من سياق: «إلى الأشياء وهي تتحوّلُ، لتصير أرواحاً تُسيل لعاب الموت».

من جانب آخر، الموت الذي نضج، في قصص بوكبة، بأشكال متعدّدة، كان حمّال أوجه، حمّال ميتات وحالات. إنه نهايات رمزية في سياقات متباينة، وبدايات معنوية في سياقات أخرى متعدِّدة ومتجدِّدة. ولهذا جاءت مجموعته «كفنٌ للموت» التي توسّعت على مدار 133 صفحة، حافلةً بالموت: موضوعاً، وثيمةً، وحضوراً، وسياقاً، وأحداثاً.ورغم كثافة الموت وانزياحاته في قصصه القصيرة، إلا أن المجموعة التي تستحضر كل هذا الزخم من الموت، تحتفي به، الاحتفاء الذي ينتصر للحياة، والذي ينشر رغبة الحياة عميقاً في النفس، ويرزعها، رغم تراجيدية الواقع، الذي يظل عالقاً بين فَكَّي الموت واللاحياة. وبين فَكَّي حالات عبثية وحالات مطفأة في محبرة السواد، وهي حالات تنتهي يائسة من كل شيء، لكننا في القصة، أو- بالأحرى- في قصصه، نجد لها كوّة أمل لتقرع، من خلالها، ما يمكن من حياة، ومن رغبات فيها. حتى أننا نجد هذه الرغبات جليّة في شخوص كلٍّ من بطل المجموعة «الزبير»، وصديقته «سارة»، و«الراوي»، فَهُم- رغم تكرار الموت بصيغ مختلفة وبإحالات متعدِّدة- ظلّوا على قيد حياة شائكة، مشغولة بالبحث وتقصّي الذات، في أكثر من منحى ومعطى، هي رحلة بحث، تنتهي عند نقطة لتبدأ عند أخرى، وهذه النقطة، نقطة البدايات، هي- غالباً- «الحياة»، وما هذا «الكفن» الرمزي إلا لتكفين الموت، تكفينه رمزياً، لفسح المجال لكل فرص الحياة الممكنة، وعلى مدى وسعها.

ما يمكن ملاحظته- أيضاً- في «كفنٌ للموت» أن أغلب قصص المجموعة تتماهى كثيراً مع الهايكو، كما أن توظيف الكاتب لتقنيات القصّة القصيرة جدّاً، في مجموعته، لم يمنعه من استثمار الهايكو؛ ما يعني أن بوكبة ظلّ وفيّاً لنصّ الومضة، ولفنّ الهايكو، الذي لازم تجاربه الشعرية ونصوصه المفتوحة وقصصه الوامضة.

المجموعة نفسها جاءت بلغة مقتصدة، متقشِّفة، وبمستويات فنيّة متفاوتة، يتقاطع فيها السرد مع الشَّعر، حتى ليبدو، جليّاً، أن الكاتب كان حريصاً، في عمله هذا، على استثمار شعريّته وسرديّته في آن معاً. وهي، في واقع الحال، تجربة موغلة في التجريب، تؤسّس- بشكل ما- لكتابة مختلفة، مستقبلاً.

 موضوعات أخرى