أن تعيش في المجتمعات المستنيرة

د. شاكر نوري



هجمات باريس الإرهابية في 20 نوفمبر الأخيرة أعادت تنظيرات كبار الفلاسفة الفرنسيين إلى نقطة الصفر في مسألتي الاندماج والتعدّدية



منذ آلاف السنين كان الرجل يجمع الحطب ويُوقد النار، وهذا يترك أثراً رومانسياً جميلاً عند المرأة حتى يومنا هذا. وحتى لو كان الموقد الحالي لا يحتاج إلى قدرات ذكورية مهمة، المهمّ أن يفعل الرجل ذلك بنفسه موفراً للمرأة جواً رومانسياً يعطيها شعوراً بأنه يهتم بتحقيق حاجياتها. هكذا يرى الباحثان آلان وباربارا بيز في كتابهما «لماذا لا يصغي الرجال ولا تجيد النساء قراءة الخرائط؟».

هذه الفكرة تفسّر موضوعة التعايُش بين الرجل والمرأة منذ القِدم، وهناك علاقة جدلية بين الاستماع والخرائط.. لكننا يجب أن نتوغّل في الأفكار لكي نكتشف النتائج، وخاصة في المجتمع المعاصر القائم على فكرة التعايُش. والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو:

هل بناء المدن الحالية يتعارض مع الجو الرومانسي الذي تحتاجه الأنثى لكي تُسعد الرجل؟



المدن تقضي على الطبيعة



إن عملية المرور إلى التمدّن جلبت علينا الكثير من الكوارث، وأصبحنا يوماً بعد آخر لا نعانق مدننا، بل نصّد عنها وندير لها ظهورنا لكي نهرب نحو الصحارى والجبال والبحار، أي أننا كلما تمدّنا، اتّجهت أرواحنا نحو الطبيعة التي لا نجدها في مدننا. وجاءت الخرافات لكي تدمّر ما تبقّى من هذا الحضن الدافئ للإنسان. المهندسون يتحدّثون عن الضرورة المعمارية، والشعراء يتحدثّون عن الضرورة الجمالية، والمستثمرون يبحثون عن الأرباح.

يتصوّر المهندسون أن خلاص البشر يكمن في الكتل الأسمنتية الضخمة، وفي تلك الأبراج التي قزّمت الإنسان وجعلته يتضاءل يوماً بعد آخر في مدن يرغب أن يرى فيها المصابيح الزيتية لكنه لا يعثر عليها، بل يعثر على أشكال مصابيح غريبة لا تبعث السرور في نفسه لأنها اصطناعية. لقد توصّل البشر أن يعمل من لهيب الشمعة شيئاً اصطناعياً كما المواقد التي تبعث الدفء المزرف.

حاول الإنسان المعاصر أن يحاكي رشاقة الطبيعة ولكنه فشل فشلاً ذريعاً، لأنه لم يتمكّن من خلق ذلك الجمال المفقود. بعض علماء البيئة يصرخون أن البشر يغتصبون الطبيعة كل يوم، وتتنادى الأمم في عقد المؤتمرات تلو الأخرى حول المناخ، لأن كل إنجاز معماري يتطلّب هدم جزء من روح الطبيعة.

إن صعوبة تعايُش البشر مع الأمكنة التي يُفترض فيها أن تكون أليفًة، تؤدي بالضرورة إلى استحالة التعايُش مع الآخر، لأنه كفّ عن استيحاء الابتكارات من الطبيعة. ولَعلّ أجمل ما في قصر فيرساي ليس الخنادق التي شيّدها لويس السادس عشر من أجل رّد الأعداء، رغم أنهم تخطوها في الثورة عليه، بل تلك النافورات التي كان يقدّم بها منظراً بصرياً متألقاً للملكة وزائريها.

من المعروف، أن انسجام الإنسان مع العمران يعمل على إنتاج الثّقافة التي تجعل التعايُش مع الآخر ممكناً، وكلما افتقدنا إلى ذلك أصبح التعايُش صعباً ومستحيلاً. فالتعمّق في النظر إلى العمران الذي نعيش فيه، يجعلنا نتنزه في متاهة صخرية. وتجعلنا طرقات المدينة نضيع في دروبها، بل تؤدي إلى اللامكان، ربما فقط إلى الدوران حول أنفسنا في حلقة معمارية مُفرَغة.



كيف حصل ذلك؟.. لا أحد يدري.



لكن الجميع أراد أن يقلّد الجميع، فوجد نفسه غارقاً في متاهة صخرية تتوسع يوماً بعد آخر. وأصبحت مهمة هذه المدن هي البحث عن الهواء النقي والشمس الباهرة والمطر الخصب. ويعود السبب في ذلك إلى ما يمكن أن نطلق عليه ديكتاتورية المهندسين والمصممين والمعماريين، فهم ليسوا بعلماء اجتماع ولا بمحللين نفسيين ولا بشعراء. ومن هنا تبدأ المشكلة الجوهرية. شراسة المدن، كما يبدو، خرجت من يد البشر كالعفريت الذي خرج من القمقم، ولم نعد نسيطر عليه أو فقدنا سيطرتنا عليه. تشتاق المدن إلى البشر، وتسعى إلى استعادة ذاتها في الغابات والأحجار والرمال والقرميد وجداول الماء، التي راحت تنأى عنه بالتدريج.

إن عدم قدرة المدن الحديثة على إيجاد التوازن النفسي والهدوء الداخلي يؤدي بالضرورة إلى زيادة التوتر بين الناس، وتهشّم النسيج الاجتماعي الضروري لحياة إنسانية. فالغرض هو تطمين البشر على حاضرهم ومستقبلهم. مما لا شك فيه أن فلسفة العمارة لم تحاكِ آمال الإنسان، بل زادت من إحباطه وخيبته، وتقلّصت أماكن التأمل والراحة النفسية بعد أن أغلق المهندسون الآفاق أمامه لأنها فشلت في إيجاد التوازن بين النسيج العمراني والنسيج الاجتماعي، من هنا بدأت معضلة التعايُش مع الآخر.

السؤال المطروح هنا: هل نحتاج إلى منظومة فكرية جديدة في أذهاننا لكي نحيا التعايُش؟ هل يمكن أن نتفاعل مع مدننا الحالية؟

ذلك يعني، بلا شك، قبول رأي وسلوك الآخر القائم على مبدأ الاختلاف واحترام حرّيّته، وطرق سلوكه وآرائه السياسية والدينية، وهو يقف على الضد من التسلط والأحادية والقهر والعنف. نحن نفتقد إلى العلاقة التفاعلية حتى لو كنا نعيش في بيئة واحدة، لأن معمار مدننا لا يسمح بذلك. ومتى ما شعرنا أن هذه البيئة مشتركة فيما بيننا، حتى لو اختلفنا، فإننا نستسلم إلى القيم المشتركة. نحن نتعايش إذاً في ثلاث حلقات: اللّغة والطبيعة وعلم الاجتماع، حيث يكمن معنى التعايُش في هذه العناصر الثلاثة.



لماذا فشلت أوروبا في هضم الآخر؟



لا يزال الأوروبي يتذكّر، وخاصّة الأجيال المخضرمة، أن أوروبا فشلت في التعايُش السلمي منذ القرن السابع عشر. فبعد حربين عالميتين مدمرتين، أيقنت هذه الأجيال أن مصلحتهم المشتركة تقتضي تجنّب الدمار، جرّبوا صيغاً متعدّدة للعلاقات التي تجمع بين قومياتهم المختلفة، وهي صيغة الاتحاد، لكن ما أعاق ذلك هو ظهور أشكال عديدة من الخوف عرفتها البشرية في القرون الوسطى، وعادت لتجرّبها في مطلع القرن الحادي والعشرين.

إن الاعتراف بالتنوّع الثقافي ظاهرة برزت مع الأنثروبولوجيا والأثنولوجيا في آنٍ واحد، أي أن القرن العشرين شهد الطبيعة الإنسانية الشمولية، والكائن البشري هو ثقافي في جوهره، فلا توجد ثقافة غربية شاملة تقف بوجه البربرية والتوحّش، بل هناك مئات الثقافات التي تحتوي على قيمها الخاصّة. هذا القرن هو أيضاً قرن العولمة بامتياز سمح في لقاء الثقافات المتنوّعة وهجرة البشر بكل حرّيّة، ومن هنا تفتت فكرة هانتغتون في تصادم الثقافات.

من المعروف جيداً أن لكل مجتمع إنساني ثقافته، نحن نتحدّث عن الثّقافة الأوروبية أو الغربية بمعنى أوسع، لأنها ببساطة أصبحت مجتمعات الاستهلاك، والعلوم والتقنيات، والتأثيرات اليهودية المسيحية والإغريقية واللاتينية والثّقافة الكردية وثقافة الأبورجين وغيرها. وهذا ما أثقل كاهلها.

وهنا ننتقل إلى إشكاليات تعايُش الثقافات. وهو موضوعنا الجوهري، وهذه المجتمعات المستنيرة واجهت شبح العنصرية، كما كتب كلود ليف شتراوس، إن القانون الطاغي هو امتلاك الأفراد لسمات فكرية وأخلاقية معيّنة، وهو متأتي من تراث جينيولوجي عام. فالعنصرية بهذا المعنى هي الأثنوغرافيا المريضة التي تركز على ذاتها، وتتمحور حولها، وتبتعد عن الإنسانية. لكن البشرية نحَتْ نحو تحمّل الآخر، ولم تكنْ لهذا الفيلسوف علاقة وطيدة مع الإسلام، وقد اعترف أنه التقى بالإسلام من أجل أن يحدّد الخطر الذي يهدّد الفكر الفرنسي، في كتابه الشهير «مدارات حزينة» TRISTES TROPIQUES لكنه في الوقت نفسه، يدافع عن الهويّات الثّقافيّة في وجه أية دعوة توحيدية.

إن الخطر الأكبر الذي يتهدّد ثقافتنا الإنسانية في الوقت الحاضر هو «شيطنة» الآخر، كما حصل في الحرب العراقية- الأميركية، ودعوات بوش إلى «شيطنة» الثّقافة الإسلامية برمتها. وكذلك الحال فيما يقوم به اليمين المتطرّف في أميركا وفرنسا في الوقت الحاضر من خلال رموزه السيئة. إنها الدعوات التي تطالب بـ «شيطنة» الإسلام ورموزه وخلطه بالإرهاب من أجل تحقيق مآرب سياسية معروفة. ومن جهة ثانية، استخدام أطروحة المؤامرة، وهي الفكرة المفضلة لدى العنصريين التقليديين. ومن خلال السببين الآنفين، تبرز الفكرة الجهنمية القائلة «دعونا نعيش بصورة منفصلة مع اختلافاتنا» فيما يقابلها من طرف دعاة محاربة العنصرية معادلة «أن نعيش مع بعضنا مع اختلافاتنا».

يبقى الخيار الأفضل هو: نموذج المجتمع المتعدّد الثقافات. وهنا برزت فكرة دمج المهاجرين في بلدان أوروبا الغربية لكن البعض نظر إلى هذا الاندماج على أنه إهانة كبيرة، لأن المهاجرين يفقدون الكرامة والشرف لأنهم فقدوا جزءاً من خصوصيات ثقافاتهم رغم إيمان المجتمعات المستنيرة بمسألة التعدّدية الثقافية MULTICULTURE هذا المصطلح العزيز على نفوس الغربيين والفرنسيين خاصّة.



العمارة.. تهدّد التعايُش



لا بد من العودة إلى موضوع العمارة، وهنا نأخذ فرنسا مثلاً ونموذجاً: فقد أجهض اليسار الفرنسي الحاكم حالياً مشروعاً كبيراً كانت حكومة ساركوزي تريد تنفيذه، وهو إنشاء باريس الكبرى. ماذا يعني ذلك؟



إنه ببساطة إزالة الحدود بين قلب باريس والضواحي، المعزولة بحزامين LA PETIE CENTURE والـ PERIFIRIQUE أي الأسوار الدائرية (شوارع عريضة) تفصل بين القلب والأطراف الأخرى. وليس عن طريق المصادفة أن يخرج الإرهاب من هذه الضواحي لأن الطبقة الثريّة عملت على تشييد المعمار البشري في قلب باريس، طارداً منه الطبقات الفقيرة إلى الضواحي، بحيث تحوّلت تلك الأسوار إلى أذهانهم، ولا يمكن نزعها عن مخيّلتهم.

فكيف يتم التعايُش؟ وماذا كانت النتيجة؟

ظهرت الفكرة المتناقضة أن تحوّل شعار «المساواة في الاختلاف» إلى «المساواة والاختلاف». إن فكرة الامتزاج تعادي العنصرية، وتنحو نحو الإنسانية، وهي تسمح بذوبان الثقافات وانصهارها في بوتقة واحدة وظهور الإنسان الجديد UN HO

 موضوعات أخرى