السلم الأهلي والتعايُش

أ.د / فـؤاد الصلاحي



من أهم مظاهر الدولة المدنيّة تعزيز قيم التعايُش والسلم الأهلي وإدماجها في منظومة الثّقافة، بل وفي المنهج التعليمي والخطاب الديني، حتى يتم إكساب المجتمعات فكراً جديداً حول أسلوب الحياة ضمن تعدُّد وتنوُّع الجماعات واختلاف مشاربها وهويّاتها، وأعتبار هذا التعدُّد والتنوُّع مصدر ثراء للمجتمع وللحضارات. وهنا يكون مفهوم السلم الأهلي والتعايُش من أهم مفاهيم العمران البشري التي تُقرّ بها جميع الحضارات.. وهذا المفهوم يتضمّن إقرار الجميع بالحفاظ على سلام دائم يرفض كل أشكال الاقتتال أو الدعوة إليه، ويرفض حتمية التصادم مع الآخر المختلف في الثّقافة والدين والمذهب، كما يرفض تحويل مفهوم الحقّ بالاختلاف إلى أيديولوجية صدامية.

ومعنى ذلك أن أي مجتمع يرغب في الوصول إلى حالة من السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي، لا بد وأن يدرك الأفراد -المواطنون- أنهم في حالة من المساواة مع أقرانهم، وبإمكانهم الحصول على احتياجاتهم الضرورية من مستلزمات المعيشة، الأمر الذي يعزّز من قناعة الجميع بأهمية التوافق المجتمعي والاستقرار، طالما أنهم متساوون في الحقوق والواجبات. والإخلال بهذه الحقوق أو إقصاء البعض منها وظهور تمييز لصالح أقليّة، إنما يشكل مدخلاً لإنتاج الصراع الذي يؤدي إلى اقتتال أهلي وعدم الاستقرار، وهنا يكون التشكيك في جوهر البناء الدستوري والقانوني وظهور حالات الاغتراب عن النظام ومؤسّساته، لإدراك البعض أن هذا النظام لا يُعبّر عنهم طالما وهو يقرّ بتمايز في أساليب المعيشة أو يهمل إقرار المساواة وفق مبدأ المواطنة.

والعيش المشترك هو أمر يتم اكتسابه في إطار تعلُّم مستمر من مؤسسات الدولة المدنيّة، وهناك مؤسسات أهلية تحرص على إكساب الأفراد ثقافة وقيم تبلور في وعيهم أهمية التعايُش والسلم الأهلي في إطار تعدُّد وتنوُّع ثقافي وديني. ومع ذلك فهذا أمر يشكّل في واقعنا المعاصر أهم التحدّيّات للدول والمجتمعات، خاصّة أن الحروب الأهلية ومختلف بؤر النزاع على خلفيات عصبوية متعدّدة في أكثر من مكان، وأن إدراك قادة العالم لهذا الأمر يدفع بهم نحو التأكيد على قيم التعايُش والسلم الأهلي في أكثر من قمة عالمية، ناهيك عن الدعوة إلى الإقرار بالمواثيق الأممية الداعية للتعايُش والسلم الأهلي والإقرار بالتنوّع والتعدُّد الحضاري والديني. فالتعايُش كمفهوم يتم إدراكه في وجود الآخر المختلف والمغاير في هويّته وثقافته. ووفقاً للمقولة الفلسفية بإنه من التعدُّد والمختلف يخرج أجمل مؤتلف، وهكذا يكون حال المجتمعات المعاصرة ذات البناء الدولي بمظاهره المدنيّة، حيث الائتلاف العام بين مجموعات متعدّدة ومتنوّعة وفق إقرارها الواعي بالسلم الأهلي والتعايُش في إطار مكاني ووفق نظام يُعزّز المواطنية المتساوية.

في هذا السياق يمكن القول: إن السلم الأهلي والتعايُش نحتاج إلى تأسيسهما في وعى الأفراد والجماعات، وإلى تأسيسهما في منظومة الثّقافة السائدة وأساليب وطرق التنشئة الاجتماعية ومؤسّسات التعليم والإعلام والتثقيف الحزبي، بما يحولهما إلى قناعة راسخة، وهنا يتم تأصيلهما في السلوك اليومي لجميع الأفراد في المجتمع.

إن تنمية الوعي بمفهومي السلم الأهلي والتعايُش أصبحت من أهم مجالات البحث والدراسة في علم الاجتماع السياسي، علاوة على كونهما من أهم مجالات التنمية والتحديث في أي مجتمع من المجتمعات خاصّة مجتمعاتنا العربية، التي تتصف بارتفاع معدلات العنف والتطرّف والفقر وبروز فاعلية الجهويات العصبوية، مقابل ارتفاع معدلات الأمية وتدني مستويات التعليم والثّقافة، ويعد السلم الأهلي والتعايش من أهم مجالات الاهتمام لدى مؤسّسات المجتمع المدني ومحل إدراك ووعي كوني، شكّل خطاباً جديداً للنخبة السياسية وللمنظمات الدولية.

ولتعزيز مفهوم التعايُش يكون الربط بين ارتفاع مستويات التعليم وتحسين المعيشة، وبين رسوخ فكرة احترام القانون ورسوخ ثقافة التسامح ونبذ العنف، فجميعها متطلبات أساسية لتحقيق الاستقرار والسلم الأهلي، وهو مدخل أساسي للتعايُش المشترك.. لكن الواقع الراهن في أكثر من مجتمع ومنها بعض المجتمعات العربية، يظهر لنا وجود جماعات تعمل على التوظيف السياسي للعصبيات التقليدية والنزعات المذهبية، من أجل تحويلها إلى آلية لتنظيم مصالحها الخاصّة، ولنجاحها في ذلك تعتمد أسلوب الإقصاء والعنف وتكفير الآخر أو تخوينه، هنا يغيب أسلوب الحوار والتسامح وتظهر عوامل التفرقة والنزاع، وهو أمر يعكس توجهات ممنهجة لتغييب الركائز الأساسية التي تنهض عليها الدولة الحديثة، وأهمها التعايُش وفق محددات السلم الأهلي.

والفكر الذي يشعل الفرقة والانقسام وصولاً إلى الاقتتال الأهلي هو الذي يعتمد مرجعية عصبوية تغيب معه العقلانية والمنهجية العلمية، لذلك هو ممارسة ارتجالية تخاطب غرائز الناس ومشاعرهم (التي يتم التلاعب بها) هذا الفكر أيديولوجياً هو فكر دوغمائي، وسياسياً هو نظام عصبوي لا ديموقراطي يعتمد كل السبل الممكنة لفرض استمراره ضمن مفهوم التغلّب والأمر الواقع.

وهنا يمكن القول إن تحقيق السلم الأهلي والتعايُش يكون في إطار دولة بمظاهرها المدنيّة التي تتسع فيها فضاءات الحرّيّة واحترام حقوق الإنسان وبروز فاعلية المجتمع المدني كمؤسسات تنتج حياة الأفراد ضمن نسق ثقافي وسياسي يعزز من المدنيّة ومنظومتها الحقوقية والمؤسسية. ومفهوما التعايُش والسلم الأهلي من أهم مظاهر الثّقافة المدنيّة، وأهم مظاهر الحياة الحضرية.

إن تزايد حجم وعمق التفاوتات والفروقات الاجتماعية داخل المجتمع يرتبط به تفاوت في طبيعة المشاركة المجتمعية، فتولد توجهات نحو مزيد من تكسير مقوّمات السلم الأهلي، والكثير من الدول لا تهتم مباشرة بتأمين الحدّ الأدنى من مستلزمات المعيشة للمواطن، وما يعنيه ذلك من تحقيق بعض التوازن الاجتماعي الاقتصادي، هنا يمكن القول إن تحقيق العدالة الاجتماعية وتأمين حد أدنى لمعيشة غالبية المواطنين جميعها عناصر ومحكّات على أساسها فقط يتحدّد مدى اقتراب أي مجتمع من السلم الأهلي والتعايُش. أو اقترابه من عمليات الإقصاء والعنف. فما قيمة السلم الأهلي إذا كان الوجود الاجتماعي اليومي للإنسان باعتباره سجين الضرورة القاسية التي تربطه بالدولة والنظام الحاكم)، إذا لم يجد أدنى متطلباته وحقوقه في إطار من المساواة مع الآخرين داخل المجتمع.

في هذا السياق يمكن القول إن السلم الأهلي والتعايُش يعبران عن مسيرة تحوّل تدريجي متواصل، وليست مفهومات جاهزة ومكتملة يتم نقلها من مكان إلى آخر، فالتعايُش المشترك تجربة إنسانية تتطوّر باستمرار في إطار المحافظة على كرامة الإنسان وحقوقه، وهى وليدة تحوّل اجتماعي اقتصادي سياسي يتبلور في نظام سياسي مدني يعبّر عن عامّة المجتمع.

والسلم الأهلي والتعايُش هما ثنائية تعكس عملية التداخل والترابط بين مكونات المجتمع المختلف في هويّاته الفرعية، وهما يقابلان ثنائية العالمية والخصوصية التي تبرز من خلال تمفصل العلاقات والتفاعلات بين مختلف الحضارات والثقافات. فالتداخل والترابط والتشابك السائد بين مختلف الحضارات والثقافات معناه عدم القدرة على أن ينعزل أي مجتمع عن المتغيرات العالمية، وستظل قيم التعايُش والسلم الأهلي وحتى الاختراعات المادية قابلة للاقتباس الفردي والجماعي التطوعي، وفق محددات الوعى والحاجة ووفق مُتغيّر الزمان والمكان وتحظى بوعي إنساني يتّجه لتعزيز الاستقرار والتعايُش المشترك.

فالعالمية تتضمّن العام المشترك بين البشر والمجتمعات والحضارات، وتعبّر عن خلاصة تجربة الإنسانية، وهي نزعة إنسانية وتوجّه نحو التفاعل بين الحضارات والتلاقح بينها وتقوم في مرتكزاتها على مفاهيم وقيم: التعدّدية/التباين والمغايرة/التنوّع الثقافي، النسبية الثّقافيّة/الحق في التماثل والاختلاف، التعايُش. وهذا يعنى أن مُحدّدات الإنسانية البشرية واحدة، فالعدل والمساواة والحرّيّة والتعايُش قيم إنسانيه عالمية مشتركة بين جميع البشر أينما كانوا. والعالمية تعني الانفتاح على الآخر، هنا يمكن القول إن خصوصية كل مجتمع تقتات على عمومية الكل وتسهم فيها، فعالمية أي فكرة تنبع من كونها تلبى حاجات الناس وتحلّ مشكلاتهم أينما كانوا، والخصوصية وإن ترتبط بالبيئة الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والثّقافيّة إلّا أنها تتقبل العالمية وتندمج معها في إطار تحقيق مصلحة الإنسان في التعايُش والاستقرار.

إن جوهر النضال لحركات حقوق الإنسان والمجتمع المدني هو تحقيق وعي كوني بمفاهيم التعايُش السلمي، هنا تتم أنسنة النظم السياسية، بل وأنسنة الرأسمالية الباحثة عن الربح فقط لتكون داعمة في نشاطها لمفاهيم التعايُش والسلم الأهلي. بل وأنسنة العولمة ذاتها وترويضها لتكون إطاراً عاماً يعزز من ما هو مشترك بين الحضارات والثقافات والديانات، وتوسيع نطاقه باستمرار من خلال مزيد من الحوار والنهج العقلاني في إقرار فنون التعايُش وتحقيق السلم الأهلي.

صفوة القول.. إن الاهتمام بقضية التعايُش والسلم الأهلي ليس من قبيل الترف الفكري، بل نحن أمام قضية ذات أهمية كبرى في حاضر ومستقبل مجتمعاتنا، بل وحضارتنا الإنسانية بوجه عام، والاهتمام بها ينبع من اعتبارها ضرورة إنسانية وثّقافيّة وسياسية، بل إنمائية في آنٍ واحد.. ولم يعد بالإمكان تجاهلها أو تأجيلها فهي قضية ملحة في حاضرنا الراهن وواحدة من أهم المعالجات للخروج من نفق الأزمات والاحتراب الجهوي والمذهبي، بل والخروج من نفق العبث السياسي الذي تعيشه كثير من المجتمعات على سطح الكوكب. في هذا السياق لابد من الإقرار من الجميع بأن التنوُّع والاختلاف في ذاتيهما شرطان أساسيين من شروط وجود الحياة الاجتماعية وضمان اطرادها الدينامي ففي التنوُّع والتعدُّد والاختلاف حياة الإنسانية وارتقاؤها.

ومن هنا فإن الثّقافات الحية والمجتمعات الناشطة والدينامية هي التي تعرف مفهوم التعايُش وفق تعدّد الثقافات والمذاهب.. والفكر المتطرّف الرافض للتعدُّد والتنوُّع، هو مأزوم باستمرار لأنه نتاج لبنى ماضوية، يعجز عن إدراك العلاقة الجدلية بين التاريخي والبنائي المتحوّل والثابت في خصوصية تقبل العالمي وتضيف إليه.. فالأصل أن كل حضارة كي تبقى قائمة لابد وأن تكون قادرة على تقديم الإجابة عن التساؤلات المتجدّدة وتلبية الاحتياجات المتطوّرة للإنسان، والتعايُش المشترك والسلم الأهلي من أهم أسئلة الوجود الاجتماعي والسياسي في عالمنا المعاصر، وفي مجتمعاتنا العربية بوجه خاص، هنا يكون من اللازم الإقرار بالتعايُش والسلم الأهلي باعتبارهما من أهم ممكنات تحقيق الاستقرار وبناء الحياة المدنيّة.


 موضوعات أخرى