بانوراما في التعايُش



أمير العزب



- كَثُرَ مِنْ البشر مَنْ يبنون حوائط صد منيعة، وَقَلّ مَنْ يبنون جسور التواصل.

(إسحاق نيوتن)

- الكون كتاب مفتوح، فمَنْ لم يتواصل مع الآخرين، فيكون قد قرأ صفحته الحزينة فقط.

(بارلي هوب)









التعايُش لغةً لفظ مشتق من العيش، والعيش هو الحياة بما يتنافى مع الهدم والتدمير.والتعايُش اصطلاحاً هو العيش المتبادل مع المخالفين والأضداد، وهو قائم استناداً إلى المسالمة والمهادنة. ويعجّ الجذر اللّغوي لمفهوم التعايُش وظلال معانيه الرحبة بالكثير من الإيحاءات الدفيئة التي تبعث الأمل والتفاؤل في قلوب متذوقي اللّغات جميعاً بشتى طوائفهم المختلفة. ومن هذه المعاني الخصبة السكينة والتساكُن والألفة والمودة والتوافُق والاتفاق والمصالحة والوئام والتشارُك والمعاينة والمعايشة.. إلخ. وهو مصطلح بيني ذات قاسم مشترك يربط كثيراً من العلوم البشرية ببعضها البعض.

التعايُش مفهوم ضاربة جذوره في القِدم والعتاقة، حيث تفوح نسائم عبقه على مَرّ العصور والحقب. دعا الإسلام الحنيف إلى التعايُش واحترام حقوق الآخر، على الرغم من اختلاف الأيديولوجيات الفكريّة المتصارعة. فمفهوم الأخوة يتسع حتى تستحكم حلقاته متجلّية في أقوى صورها لتكون رابطة الأخوة في الإنسانية أحياناً أقوى من رابطة الدم بين الأشقاء. فهناك مساحة تكفل العيش في سلام وأمان تامين دائمين. وفقراء الثّقافة والأدب هم من يحاولون دوماً تدمير جسور التواصل والتعايُش بإذكاء فتيل الأزمات، وعلينا التصدّي جميعاً لأعداء النجاح من هذا الصنف.

من متطلبات الانفتاح على الحضارات الأخرى أن تُمتطَى صهوة جواد التعايُش، حيث اتساع مؤثرات العولمة، وتوافر إمكانية حوار الحضارات وتلاقح الثقافات بشكل أكثر وضوحاً وإشراقاً ودون ضبابيات رمادية. ويهدف التعايُش إلى إصلاح النفوس وإفراغها من الكراهيّة والعنصريّة والتعصُّب، فضلاً عن بث بذور التسامح والإيثار والطمأنينة المبنيّة على إنسانية الرحمة والاحترام المتبادل.

وليس من الشرّ في شيء أن يختلف الناس. فالاختلاف بين البشر كاختلاف الألوان واللُّغات، فضلاً عن اختلاف الأعراق والقوميَّات المتعدّدة والصراعات المختلفة من زمنٍ لآخر، ولكِنّ مكمن الشر أن يمزّقوا جسور التعايُش بينهم، فيضلوا الطريق الصحيح ويُصِرُّوا على ذلك، أما إنّ اختلافهم ليس من الشر، فذلك لأنّ كُلّ ما في داخل نفوس النّاس وكل ما يحيط بهم من ظروف الحياة يدعو إلى اختلافهم، فاختلافهم إذاً ليس غريباً؛ ولكنه ينبع من طبيعة تكوينهم ومن أحوال معيشتهم وتنوُّع مواهبهم وقدراتهم واختلاف ذائقتهم.

ولا يقتصر التعايُش على الإنسان وحده، بل يشمل الحيوانات والنباتات المختلفة وهذا يصبغه بالعالمية ويضفي عليه مسحة ساحرة خلّابة. وفيه تبادل مصلحة وتكافل في العلاقات الثنائية بين الزوجين. وكثيرة حقاً الشواهد الدامغة الدّالة على تبادل المنفعة والتكافل بين أجناس مختلفة من الكائنات الحيّة. ومنها التعايُش التنظيفي والغذائي والحمائي والوقائي؛ حيث توجد نباتات وحيوانات وطيور وأسماك تعمل على تنظيف بقايا غذاء شريكها بما يخالف فكرة الصراع من أجل البقاء، ويفند الكثير من النظريّات السائدة، فالكون يعزف سيمفونية أنغام رائعة متجانسة وعذبة الألحان.

يُجسّد التعايُش شعار «لا ضرر ولا ضِرار» على أرض الواقع. فالجدير بالذكر أنه أثبتت الأبحاث والدراسات أنه ينمو بجانب أشجار الصنوبر في الغابات نبات متسلّق، يتسلّق على ساق نبات الصنوبر كي يصل إلى الضوء ويستفيد النبات المتسلّق من شجرة الصنوبر في الوصول إلى ضوء الشمس بينما لا يتضرّر نبات الصنوبر من جرّاء ذلك. فالحياة تعايُش ومعايشة، فلا تكن نغمة نشاز في هذا الكون البديع!

ومن صور التعايُش الخلّابة صورة التعايُش الداخلي للإنسان بشقيها المعنوي والملموس المادي: فالإنسان يتعايش مع ذاته الداخلية ويطوّع كافة السبل لإسعادها وتذليل صعابها. ومن الناحية الأخرى، فإنه توجد بالفعل متعايشات داخلية داخل جسم الإنسان لا تسبّب أمراضاً في حَدّ ذاتها، فمثلاً تحتوي القناة الهضمية للإنسان على أنواع من البكتيريا والحيوانات الأوليّة بأعداد هائلة بما يعود بالنفع على صحة الإنسان ويكفل بقاءه كسبب من الأسباب.

ومن آداب التعايُش العمل على سبر أغوار واستكشاف ما لدى الطرف الآخر من حقائق وإيجابيات والاعتراف بها وقبولها والاستفادة منها؛ فالحكمة ضالة المثقف أنّى وجدها فهو أَوْلَى بها؛ لأنَّ غياب التعايُش أو رفضه يعني زيادة في التخبُّط والتخلُّف عن مواكبة ما يدُورُ في العالَم بأسره.

ويُعدّ الحوار ثمرة من ثمار التعايُش البنّاء فهو القاسم المشترك الذي يجمع شعوب الأرض قاطبة، وهو اللّغة الوحيدة والوسيلة الفريدة التي تجمع ولا تفرّق، حيث يبقى ويظلّ لكل شعب خصوصيته وماهيته المميّزة التي تُشكّل هويّته ومنظوره العالمي الخاص. فمنطلق منظومة الحوار وجوهره الحقيقي هو فهم الآخر وإيجاد مساحة من الحوار البنّاء، فضلاً عن تشريح القضية المختلف عليها بموضوعية وحيادية، حيث يلعب «العقل» دوراً فاعلاً في كشف حقائق الأمور وتجليتها على أرض الواقع. فهذه الروائع المنتقاة من الأقوال هي مصابيح فكريّة تُنير الطريق لمن يريد الهداية، دون تعصُّب أو تحجُّر أو مغالاة. فلا تحرم نفسك متعة التجوُّل في بستان الحكمة الماتع للبشرية جمعاء، فهذه رحلة سياحية داخل عقول الآخرين تأصيلاً لـ«حق التعايُش: الأخوة في الإنسانية» الذي لا يختلف عليه اثنان من العقلاء.

 موضوعات أخرى