في مديح مقاربة «تاداو أندو» المعمارية



د. خالد السلطاني*



بماذا يمكن أن تؤوَّل الاستعدادات العسكرية «الحربية» فيما إذا حلّ السلام، وانتشرت مبادئه وقيمه بين الناس والدول: حلم البشرية الدائم؟ إلامَ تُحَوَّل تلك الآلات الضخمة والمكلفة مادّياً، بعد أن تكون «خارج الخدمة»؟ ماذا، يا ترى، يُعمل بتلك الأمكنة والمساحات المسوَّرة، التي لطالما أعتُبِرت محتوياتها جزءاً من أسرار الدولة، غير القابلة للإفشاء والبوح والاطلاع؟



مناسبة طرح هذه الأسئلة هنا، تأتي بباعث مشاهدتي «لقاعدة الصواريخ» المهملة، العائدة إلى حلف الناتو، في زيارتي الأخيرة لمدينة نويس «NEUSS» الألمانية؛ هذه القاعدة، التي كانت صواريخها موجَّهة نحو «الاتّحاد السوفياتي» السابق، وباتت «خارج الخدمة» بسبب المتغيِّرات السياسية الكبرى التي طرأت على أوروبا والعالم في الفترة الأخيرة، وبقيت «قواعدها» الفولاذية المنصوبة، «كومة» حديد عرضة للصدأ. لكن فكرة استخدام هذه القاعدة وفضاءاتها الواسعة بـ «ضدّها النوعي»، كانت، فيما يبدو، من أنجع العروض التي اقترحتها مدينة «نويس» لأهلها ولزوارها العديدين، بمنحها، لتكون موقعاً لمعرض فنّي فريد.

إنه متحف جزيرة هامبرو «MUSEUMSINSEL HOMBROICH»، الواقع في الجهة اليسرى من نُهَير «ايرفت» أحد روافد نهر «الراين» الذي تقع مدينة «نويس» على جهته اليمنى (الغربية)، في مقابل مدينة «دوسلدورف» الواقعة في الجهة الأخرى (الشرقية) من النهر الشهير. ووفقاً لبعض المعلومات، فإن «نويس» قد تأسَّست عام 16 قبل الميلاد، حصناً عسكرياً رومانياً، إلا أن المدينة تطوّرت في العصور الوسطى، بفضل موقعها الجغرافي على نهر الراين. واحتُلَّت من قِبَل الفرنسيين إبّان حقبة الملك لويس الرابع عشر، وبعد أن استردّتها مملكة «بروسيا» من النفوذ النابليوني، انضمّت، في الوقت الأخير، بعد تفكُّك المملكة، إلى ألمانيا لتصبح جزءاً من مقاطعة «شمال الراين- وستفاليا». أما المتحف، فهو عبارة عن (بارك) حديقة واسعة، تغطّي حوالي 62 هكتاراً من الأراضي المرجية التي كانت تشغلها، سابقاً، قاعدة صواريخ تابعة إلى حلف الناتو.

يهدف المتحف إلى تحقيق انسجام بين العمارة والفنّ والبيئة المحيطة، وتعود فكرة تأسيسه إلى «كارل مولر» وكيل بيع عقارات وجامع تحف فنّية. على أن فكرة المتحف تطوّرت سريعاً، وأخذت على عاتقها إعادة إعمار القاعدة وتطويرها ضمن الرؤى الفنّية الجديدة التي سعى المتحف إلى تحقيقها. وقد تَمَّ تصميم وإنشاء 11 جناحاً من المعارض الفنّية، دعاها، «مولر» بـ (جوقات التراتيل في الهواء الطلق). وبالإضافة إلى مواقع الأجنحة، ثمّة قطع نحتية مبثوثة في أرض المعرض، فضلاً على توقيع أبنية ذات وظائف مختلفة. وقد صمّم المعماري البرتغالي المعروف «ألفار سيزا»، جناحاً خاصّاً لمتحف العمارة، ذا لغة تصميمية مميَّزة، تشي بخصائص أسلوب المعمار العالمي المعروف به.

جناح (غاليري) «مؤسَّسة لانجين، LANGEN FOUNDATION»، أحد الأجنحة الفريدة في الموقع، وقد صمّمه المعماري الياباني «تاداو آندو، TADAO ANDO» عام (1941)، ضمن مقاربته الخاصّة، المعروفة بـ«الاختزالية، MINIMALISM». وفيما يلي، تعرض هذه المقالة تجربة آندو الهندسية.

عندما شاهدت «تاداو آندو»، لأوّل مرّة، في أثناء محاضرة له في «مدرستنا» المعمارية في كوبنهاغن، وبدعوة خاصّة له منها، خريف عام 2011، لم أكن أصدِّق أن هذا الشخص الذي مرّ أمامي متوجِّهاً نحو المنصّة، ذا القامة غير الطويلة، والنحيلة و»الضعيفة» نوعاً ما، هو ذاته الشخص «الملاكم» و»الحمّال» وسائق التاكسي السابق؛ وكل هذه المهن مارسها «تاداو» في مطلع حياته، قبل أن يقرِّر- فجأة- أن يكون «معمارياً». وتثير السيرة الذاتية الخاصّة بـه اهتماماً عالياً من قِبَل كثر، وقد ترتقي بإثارتها وأحداثها التي تبدو، أحياناً، غير واقعية وقريبة من الخيال، إلى أن تكون مكافئة لأهمّيّة الحدث التصميمي المجترح، أو، بالأحرى، لخصوصية المقاربة المعمارية التي اختارها، وعمل على أن تكون جزءاً من شخصيّته وعنواناً لمنتجه التصميمي.

وُلِد «تاداو» قبل ولادة أخيه التوأم بدقائق، سنة (1941) في مدينة أوسكا، (جنوب وسط اليابان)، وفي عمر السنتين، سعت عائلته إلى التفريق بينهما، وعاش «تاداو» عند جدّته لأمّه، وعندما أصبح في العشرينات مارس تلك المهن المتنوِّعة والمتناقضة التي ذكرناها سابقاً. وفي تلك السنين، قرّر أن يكون مهندساً معمارياً، رغم أنه لم يدرس العمارة في أيّة مؤسَّسة تعليمية، سابقاً، وقد سحرته، وأثارت دهشته عمارة «الفندق الإمبرطوري» في طوكيو، المصمَّم من قِبَل «فرنك لويد رايت»، في العشرينات من القرن الماضي، وذلك في إحدى سفراته إلى العاصمة، عندما كان طالباً في السنة الثانية في مدرسته الثانوية.

قرَّر «تاداو»، بصورة مفاجئة، أن ينهي مسار حياته في الملاكمة، بعد سنتين من تخرُّجه في المدرسة الثانوية، وأن يكرِّس حياته للعمارة؛ ومن أجل ذلك سجَّلَ في دوام مدارس مسائية لتعلُّم الرسم الهندسي، وواصل- في الوقت عينه- أخذ دروس في التصميم الداخلي، ثم قرَّر أن يقوم بزيارات ميدانية لأبنية مصمَّمة من قِبَل معماريين عالميّين، أمثال «لو كوربوزيه»، و«ميس فان دير روّ»، وطبعاً، مباني «فرنك لويد رايت»، بالإضافة إلى زيارة مواقع تصاميم «لويس كان»، وغيرهم من المعماريّين المشهورين، هذا عدا زياراته الميدانية إلى دول أوروبية وإفريقية وأميركية، لفهم خصوصية النماذج المختلفة لعمارة تلك المباني، وإدراك فلسفتها التصميمية، معتبراً أن الزيارات الميدانية للمباني المختلفة التي قام بها، هي بمثابة «جامعاته» الحقيقية، التي نهل منها معلوماته المعمارية. ويذكر «تاداو» أنه، لكثرة إعادة تخطيطات مباني لو كوربوزيه، فإن صفحات كتابه عن مباني المعمار الشهير باتت سوداء لفرط إعادة الرسوم ذاتها من قِبَله!

عند رجوعه إلى بلده، سنة 1969، أسَّس مكتب «تاداو آندو ومشاركوه المعماريّون»، وبدأ في عمل تصاميم ذات لغة ساحرة ومعبّرة، تَشِي بنوعية الثقافة اليابانية البنائية التقليدية الفريدة، وقد تكرس اسمه وعمارته، كأحد ممثِّلي ما يعرف بـ «الاختزالية، MINIMALISM»، التي ظهرت، كما ظهرت غيرها من المقاربات، غداة «الانقلاب» المعماري والانقلاب الثقافي اللذين بدأت تظهر إرهاصاتهما اعتباراً من منتصف الستينيات، واللذين أفضيا إلى تيّارات ما يعرف بـ«عمارة ما بعد الحداثة، POST- MODERN ARCHITECTURE».

اختزالية «آندو» مبنيّة على مزج التقاليد البنائية اليابانية، مع مفهوم عمارة الحداثة وقِيَمها ومسارها. إنها- بالأساس- معنيّة بنقل «روحية» تلك التقاليد إلى جوهر أعماله، فتصاميمه تتعاطى مع خواص الموادّ، ومع الهندسية الصافية ومع الطبيعة. وهو- عادةً- يستعمل الخرسانة، أو الخشب الطبيعي، والأشكال الإنشائية الأساسية، مبتدعاً تلك الاختزالية «المتقشِّفة»، المترعة ببهاء الضوء ووميضه في الفضاء المصمَّم! إنه أيضاً، معنيّ- أيضاً- بإرساء حوار ما بين الموقع والطبيعة، لاجتراح منظومة بعلاقات خاصّة مع الأبنية. لقد أثرت مقاربة «آندو» الاختزالية، ومسعاه في نقل «ماهيّة» التقاليد اليابانية التقليدية، وإدراكها تأثيراً قويّاً على العمارة اليابانية الحداثية، وعلى محمل مسار العمارة العالمية.

في عمارة جناح «مؤسَّسة لانجين، LANGEN FOUNDATION»، في الموقع ذاته، تبدو القيم والمبادئ التصميمية الخاصّة لدى «تاداو آندو»، حاضرةً بقوّة. فالمبنى المتكوِّن من ثلاثة أقسام، بمساحة تُقَدَّر بـ 1300 متر مربّع، يقع القسم الأول منه بمستوى الطابق الأرضي وبسقف خرساني، يُدعى «الحجرة اليابانية»، وهي عبارة عن فضاء طويل وضيّق، وهو- وفقاً لتصوّرات المعمار- خـاصة بالسكـون «TRANQUILITY»، ويمثِّل هذا القسم (الجزء الياباني) من مجموعة «غاليري لانجين». أما القسمان الآخران فهما موقعان تحت مستوى الأرضية، وفضاءاتهما ذات سقف عالٍ علوّاً غير عاديّ (يصل ارتفاعه إلى حوالي ثمانية أمتار!)، فهما مصمَّمان لإيواء مقتنيات الجزء الحديث من مجموعة الغاليري.

وقد تمّ افتتاح الغاليري في اليوم الثاني من شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2003. يعالج المعمار هيئة «الغاليري»، بكتلة واضحة المعالم، ذات «قشرة» مزدوجة: الداخلية منها مشغولة بالخرسانة المسلَّحة، والخارجية معمولة من الزجاج وقواطع الألمنيوم، ويثير هذا «التراتب» القشري المختار، انتباه مُتَلِقّي العمارة، ودهشتهم؛ ذلك لأن القشرة الخارجية المعرَّضة للأنواء المتنوّعة ولظروف «الخارج» المتباينة، كانت (أولى) أن تكون قشرتها صلدة وثابتة وراسخة، لا أن تكون، بمثل مقترح المعماري، هشّة وخفيفة وقابلة ...للكسر! بيد أن فكرة المعمار، التي يسعى إلى تكريسها آندو في التصميم المقترح، تنبئنا بأننا أمام «لحظة» من التأمُّل والتفكير، تدعونا لاستدعاء مفهوم «الطبيعة الثانية» للأشياء، كما يدعوها الفلاسفة، والتي تفترض الشيء ونقيضه! فالتأمُّل والسكون والهدوء والاسترخاء والهجوع، التي يسعى وراءها المعمار، تتطلَّب كلّها نوعاً من «الحصر» و»القصر» والتحديد الصارم للفضاء المصمَّم. في الحَلّ التكويني الناجز، يستعير «آندو» من معماريّة المفضَّل «لويس كان، L. KAHN» ثيمة (مبنى.. داخل مبنى). لكنها، هنا، في غاليري لانجين، تبدو فريدة، بامتياز.

ما يثير في جناح «غاليري لانجين» ليست العمارة ولغتها «الاختزالية» المعبّرة فحسب، بل تلك «التشاركية» ما بين «البنّاء» و«المعماري»، وعملهما معاً لاجتراح عمارة مميَّزة؛ فمجموع معارفهما، هما الاثنان، تدعم تحقيق العمارة الناجزة، وتكشف ملامحها الخاصّة. في غاليري لانجين، تغدو مثل تلك «التشاركية» ذات أثر فعّال، عندما يرى المرء إتقان التفاصيل، ورهافتها والتي لا يمكن تصوُّر بلوغ كمالها إلا من خلال «الدقّة» الألمانية المشهورة!

يذكر «تاداو آندو» أن مسعاه في عمارة جناح «غاليري لانجين» كان بلوغ هدف، يمكن، بواسطته، تغطية الموقع الفسيح بكتل تصميمية، على ألّا تكون متعارضة و«متصادمة» مع خصوصية الفضاء الخارجي. فاختيار شكل هندسي بسيط كان أمراً ضرورياً هنا، كي يمكن أن يتألّف مع مجاوراته، ويتوافق معها. تشعر، وأنت تشاهد عمارة «غاليري لانجين»، في موقع «موزيمزينزه هامبرو»، بمفرداتها المميَّزة، وما يحيط بها من منظومة سلالم تربط الخارج مع الداخل، كما تربط مستوياتها المتباينة، فضلاً على نظام الترتيب الحدائقي، وبركة الماء الاصطناعية الواسعة والمجاورة لها، والتي تذكِّر كلّها بأنك أمام منجز معماري غير عادي، وأمام حدث تصميمي نادر، لكن الأهمّ في ذلك هو أن أسلوب العمارة المصطفاة ومقاربتها التصميمية، وكما أرادها المعمار، قادرة أن توحي لك بالتأمُّل، وتثير لديك التفكير، بجدارة المنجز التصميمي المرئي، وما يمكن له أن يضفي قيماً جمالية على العمارة المشيَّدة، وعلى بيئة الفضاء المحيط.



*معماري وأكاديمي