متحف إلكتروني في فلسطين

فسلطين – خاصّ بالدوحة





كان حلماً أن يجتمع كل ما يخصّ التاريخ الفلسطيني تحت سقفٍ واحد، في مكان ما، يسمح من خلاله للجميع أن يتجوّل في جنبات التاريخ كما يحلو له، يتعرّف إلى كل ما يتعلّق بإرثه الثقافي والحضاري والإنساني.

غير أن فريقاً شبابياً واحداً هو من تمكّن من ترجمة هذا الحلم واقعاً ملموساً على الأرض، عبر فكرة غير تقليدية، تحقّق الهدف منها دون تكبّد تكاليف باهظة.

يقول مدير الموقع عاصم النبيه: كنا نحلم أن نقاوم الاحتلال بأي طريقة، لم نكن نعرف الطريقة الأمثل، وكان يراودنا في الوقت ذاته حلم المحافظة على الإرث الفلسطيني التاريخي، وهذا ما كان بمشروع واحد هو «المتحف الإلكتروني الفلسطيني».

مضيفاً: استطعنا من خلاله وبمجهوداتنا الشخصية، من جمع كل ما يتعلّق بالتاريخ الفلسطيني ووضعه على محركات البحث المتاحة أمام الجميع.

ويوضح النبيه أن المادة التاريخية التي يحتويها المتحف، تعود إلى ما قبل أربعة آلاف عام، أي من قبل الميلاد مروراً بكل المراحل التاريخية اللاحقة التي شهدتها فلسطين، وحتى يومنا هذا.

ويسعى المشروع وفقاً للنبيه الى إعداد أطالس أثرية وجغرافية تبين كل الأماكن الأثرية في كل القرى والمدن الفلسطينية، وإظهار الأسماء الفلسطينية الأصلية عليها، بعدما غيّر الاحتلال الكثير من الأسماء وغيّب الأسماء الفلسطينية.

ويرى النبيه أن طريق مقاومة الاحتلال تراثياً من خلال تثبيت الحقائق التاريخية لازال في مرتبة متأخرة رغم تفوّق الفلسطينيين في مجال المقاومة عموماً، غير أن هذا المجال بالتحديد يحتاج إلى جهد كبير لنتمكّن من نفي الرواية الكاذبة الإسرائيلية التي نسجتها منذ أول يوم لاحتلالها أرض فلسطين وربما قبل ذلك.

المتحف وفقاً للنبيه يهدف إلى دحض أساليب التزوير الإسرائيلية للتاريخ الفلسطيني أو تشويهه، حيث يوفر سجلاً إلكترونياً تاريخياًً مهماً، مدعماً بالحقائق والأدلة، مما يُعدّ مرجعية حقيقية لكل الباحثين والمهتمين بفهم القضية الفلسطينية.

فيما تشير الناشطة في فريق إحياء الشبابي المهندسة إسلام سليم إلى أن الهدف الأساسي من المشروع هو حفظ تاريخ فلسطين، إضافة إلى إيجاد قاعدة بيانات للقضية الفلسطينية، تجمع كل الجذور التاريخية وتشكّل مرجعية يمكن الاستناد إليها لكل من يرغب في دراسة القضية الوطنية الفلسطينية.

وتؤكد سليم على أن المشروع كان مجرد حلم بالنسبة لهم، ومن خلال نقاشات فريق إحياء، اكتشفوا أنهم يمكن لهم الخوض أكثر في الأمر للوصول إلى ما يريدون، وقمنا بتطوير الأفكار معتمدين على قدراتنا الشخصية وخبرتنا الإلكترونية.

المشروع الخاص سيبقى خاصاً وفق ما تؤكده إسلام سليم، التي تشير إلى أن المتحف الإلكتروني الذي أُنشئ بطاقاتٍ شبابية وبدعم خاص من مؤسسة دولية لن يتّجه حكومياً بأي حال من الأحوال، وإن أرادت الحكومة رعايته ودعمه فلا مانع لدينا من توفير بعض المتطلبات دون السيطرة عليه.

كما أن عليها تشكيل هيئة وطنية تاريخية أثرية لتفنيد ادعاءات الاحتلال والرد عليها وإحباط محاولات تزوير الآثار؛ فالقدس لن تُحفَظ بالجهل وعدم التعمّق في شؤونها، وهذه في الأساس مهمة حكومية أولاً.

وتعلّل ذلك قائلة: إن أحد أهم أسباب نجاح المشروع أنه يُدار وفق رؤية وعقلية شبابية مبدعة وطموحة، وإن توجّه حكومياً سيغرق الأمر في البيروقراطية المعروفة عن الحكومة.

وتشير سليم إلى أن أصعب مراحل التنفيذ كانت جمع المعلومات وغربلتها على حَدّ وصفها، للوصول إلى معلومات مؤكّدة، ووثائق أصلية، وتوثيق كل ذلك بالطاعون مع أساتذة التاريخ في الجامعات الفلسطينية والمؤرخين الذين تقدّم لهم كل الشكر على جهودهم الكبيرة التي قدّموها للمشروع.

الفكرة وفقاً للمهندسة ميساء الصفدي أحد القائمين على المشروع جاءت  بهدف تحرير التاريخ الفلسطيني الذي زوّره الاحتلال، منوهة بأن الفئة المستهدفة من خلال المشروع تسعى للوصول إلى اكبر عدد ممكن على صعيد واسع من كل دول العالم، موضحة أن الموقع الإلكتروني وُجِدَ ليكون متميّزاً يتيح لكل من يستخدم الحاسوب في منزله من الولوج إلى عالم التاريخ الفلسطيني، بكل سهولة ويسر والوصول إلى معلومات موثّقة وحقيقية.

وتوضح أن المشروع يضم كادراً فلسطينياً مدرباً على أعلى مستوى في التوثيق والتحقيق، يتنوّع بين مبرمجين مختصين وباحثين متطوعين، والجميع يعمل بروح الفريق الواحد لتحقيق الهدف المنشود، بأن يكون هذا المتحف الإلكتروني هو بوابة فلسطين الإلكترونية إلى العالم.

وتفصل الصفدي الأهمية التاريخية من مشروع كهذا بالقول، هو الأول من نوعه من فلسطين، بالإضافة إلى الدور الوطني الذي يسعى الجميع إليه كل في مجاله، لحماية التاريخ الفلسطيني من التزييف المتعمّد الذي يمارسه الاحتلال.

فيما يؤكد الدكتور كمال الشاعر أن مشروع المتحف الإلكتروني الفلسطيني، كان جزءاً من مشاركة ضمن مسابقة أعلنت عنها مؤسسة «أمان فلسطين ماليزيا» في غزة لدعم المشاريع  الشبابية القيّمة، فيما سُمي وقتها فعالية «عام الشباب».

كانت هذه هي البداية، ولكن ما ساعد على نيل الثقة من قِبَل المؤسسة هو أن المشروع كان قوياً ومدروساً وذا هدف واضح، وأن المنحة كانت مقدّمة تمويل مشاريع خاصة بالقضية الفلسطينية.

ويشير الشاعر إلى أن المشروع بدأ أولى خطواته في شهر إبريل/نيسان الماضي، من خلال تقديم الخطط والموازنات اللازمة للدخول حيّز التنفيذ، ومن ثَمّ جاءت فترة جمع المعلومات من خلال باحثين مدربين، مروراً بالبرمجة والتصميم الذي قام به مختصون من الشباب في هذا المجال، وليس انتهاء بمرحلة النشر والتسويق للمتحف الإلكتروني الأول فلسطينياً.

ورغم وجود 51 متحفاً فلسطينياً، في مختلف المدن الفلسطينية إلّا أن القائمين على المتحف الإلكتروني يرون أن فكرتهم جاءت لتعويض التوزيع الجغرافي الذي لا يمنح فرصة للجميع لزيارة هذه المتاحف، كما أنه يشكل بديلاً عن تلك المتاحف التي تغلق بشكل كامل أو مؤقّت أو من قِبَل سلطات الاحتلال، بالإضافة إلى إمكانيته جمع كل المعلومات والمصادر الواردة في كل المتاحف، ويسهل عليك الوصول إليها في حال رغبة البعض زيارة المتحف الحقيقي على أرض الواقع.

كما أن وجوده على شبكة الإنترنت يمنح فرصة ذهبية للفلسطينيين في دول الشتات من الأجيال الجديدة من التعرّف إلى تاريخ بلدهم عن قرب، ويوفر لهم معلومة حقيقية مثبتة وكاملة حول أي موضوع يودون البحث عنه.

من جانبه، وصف الدكتور عادل عوف وكيل وزارة الثقافة حصول المتحف الفلسطينيّ على عضويّة المجلس العالميّ للمتاحف بـ«الإنجاز الكبير لفلسطين في ظِلّ ما تفرضه إسرائيل من حصار وتعتيم على تاريخهم وثقافتهم وموروثهم الحضاريّ الممتدّ على مدى مئات السنين».

وأضاف عوف أنّ هذا الانضمام هو جزء من الاعتراف الدوليّ بكينونة الدولة الفلسطينيّة، وسيكون له تأثير مهمّ على إبراز الثقافة والتاريخ الفكريّ والحضاريّ للشعب الفلسطينيّ أمام العالم.

وأشار عوف إلى أنّ وزارة الثقافة، بما تملكه من إمكانات وخطط استراتيجيّة، ستكون سنداً وداعماً للمتحف، بما يضمن تطوّر عمله وتحقيق الأهداف المرجوّة منه.