إدوار الخرّاط يتحدّث عن أزمة المثقَّف العربي .. في أوَّل حوار له لـ (مجلّة الدوحة - سبتمبر 1983)



حوار وتقديم ماجد يوسف

تتمثّل، في الحوار مع الفنّان الرائد والمثقَّف العربي المعروف إدوار الخرّاط (ولو كان حواراً جافّاً حول «أزمة العقل العربي»)، تلك الخصائص والسمات التي يستشفّها المرء من حواره الحميم والخاصّ مع أعماله الإبداعية، في القصة والرواية. فهو من هذا النوع النادر من المثقَّفين والفنّانين والمفكّرين الذين تتبلور، في كافّة ما يصدر عنهم من إبداعات وتصريحات وحوارات وكتابات نقدية.. وحدة موقفية شديدة الاتّساق، تنجم، بدورها، عن رؤية واضحة ومحدَّدة، ولا لبس فيها من أيّ نوع. وهذه الرؤية المحدَّدة لا تعكس جموداً ما - كما قد يبدو لوهلة - بقدر ما تشي بقدرة هائلة على الإحاطة الواسعة بآفاق هذه الرؤية حتى آخر نقاطها البعيدة. ولذلك، فأنت حين تقرأ له قصّة أو رواية تحاوره حواراً اكتشافياً، يمتلئ بالجدّة والخصوبة والإمتاع، وحينما تحاوره، فعلاً، حول أيّ موضوع يعنّ لك، حواراً حيّاً مباشراً، فأنت تدخل - وبدون أن تدرك ذلك تماماً- في مناخ إبداعي لا شكّ فيه.

وهنا، لابدّ أن تتساءل: هل ثمّة علاقة بين «إبداع الحوار» في لقائك الشخصي به، و«حوار الإبداع» في لقائك بعمله الفني؟ وأظنّ أن الإجابة تتلخّص في أن إدوار الخرّاط ذو قوام فكري شديد الانضباط، مع نفسه أوّلاً، ومع الآخرين، بالضرورة. هذا القوام يعتمد الدقّة في العبارة، والأناة في اختيار اللفظة، والتكثيف الذي ينأى عن خبث التزيُّد، والتحديد الصارم المبتعد عن ميوعة ترهُّل العبارة، والخلق الدؤوب للغة جديدة، لا للفنّ فقط، وإنما للفكر أيضاً، ولذلك فإدوار الخرّاط يبدع محاوراً (حينما يتكلّم)، ويحاور مبدعاً (حينما يكتب). هي حالات متنوِّعة لحضور واحد، وربّما يكون السبب الثاني لهذا الحضور المتَّسق والشديد التناغم عند إدوار الخرّاط - محاوراً ومبدعاً وناقداً.. إلخ- حضور «الآخر» دائماً في مقدِّمة وعيه، وهو يعطي هذا «الآخر» (كموضوع أساسي لتجلِّيات «الذات»)، فنّاً وفكراً، مكان الصدارة في إبداعاته جميعها. ومع أنه من المستحيل، في هذه العجالة، الإحاطة بعالم فنّان كبير ومثقَّف ضخم كإدوار الخرّاط، فهذا كتاب وحده، ومهمّة صعبة، ليس من السهل أن ينبري لها ناقد واحد، بالإضافة إلى أنه ليس موضوع حوارنا معه، إلا أنه يبقى، من الأهمّية بمكان، الإشارة- مجرّد الاشارة- إلى بعض الخصائص والسمات التي ألمحنا إلى وجودها، في بدء هذه المقدّمة، كمقوّمات محاور تحكم رؤيته الفكّرية والفنّية في أعماله الإبداعية، وكتاباته النقدية، وحواراته الفكرية جميعاً.

وأهمّيّة هذه الإشارة تنبع من مسألتين: أولاهما أنها تؤكِّد على عامل الوحدة في الرؤية والنظر في كلّ ما يصدر عنه من فنّ وفكّر، وثانيتهما أنها تحدّد لنا آفاقاً مبدئية لحوارنا معه.

فإدوار الخرّاط- فنّاً وفكراً- حالة مستمرّة من التوق المحموم إلى «الاقتراب من روح العصر».. «الاقتراب من خصائص المكان والزمان الذي نعيش فيه»، ونشدان لايَني للحرّية، الحرّية المتحقّقة والمحبطة معاً، وسعي لاعج دائب لا يتوقّف أبداً، نحو «الحقيقة». وهذا السعي هو مناط الصدق الفنّي عنده. كما يرتبط الخرّاط ارتباطاً حميماً «بما هو مقوّم للإنسان: حرّيته التي لا يمكن أن تهدر، وتوقه إلى العدالة وإلى الجمال، ومأساته الكونية المحتومة، بوصفه إنساناً.. وقدره المجيد في مجابهتها».



عزلة المفكِّر العربي..و الدور المنوط به إزاء الواقع



هناك تساؤل مبدئي يلحّ عليّ، في بداية حواري معك، وربَّما ترسَّبت طبقات هذا السؤال من مجموعة الحوارات السابقة التي خضتها مع مفكِّرين آخرين حول هذا الموضوع، وهو سؤال حول «الجدوى» من أمثال هذه الحوارات. هل تعتقد- مع الوضع المعزول للمفكِّر في عالمنا العربي، نتيجة لعدّة عوامل، نعرفها جيّداً- أن إفرازات هذا المفكِّر أو ذاك، وتشخيصه لأزمات الواقع، وتحليله لأمراض مجتمعنا، سيكون له صدى ما- ناهيك عن التأثير- في تغيير هذا الواقع المتردّي، نحو الأفضل والأحسن!



أنت في هذا السؤال تمسّ القضية أو المشكلة التي ما فتئت تراودني، وتلحّ على أذهان- لا أقول المفكِّرين، فقط، بل أقول المثقَّفين، بصفة عامّة، منذ فترة طويلة، وربّما عبر التاريخ؛ أي تاريخ الوعي الإنساني كلّه، وماتزال قضية ملحّة، بل شديدة الإلحاح، في العصر الذي نعيشه، سواء أكان ذلك في الغرب أم كان- بصفة خاصّة- في الشرق، والقضية: ما هو دور المفكِّر، أو- بعبارة أوسع: ما دور المثقَّف في المجتمع؟ ما مهمّته؟ ما فاعليّته؟

هي قضيّة- بلا شكّ- تؤرِّق ضمائر قطاعات كبيرة جدّاً من المثقَّفين والمفكِّرين، في مصر، وفي العالم العربي والعالم الغربي على السواء. لست أزعم أن عندي إجابة جاهزة، حتى لما تحدّثنا فيه، من قبل، في هذا الموضوع. كنت أميل إلى التكلُّم بلسان القصّاص والروائي، وبلسان المهموم بالوسائل الفنّية، عندما قلت لك إنه يخامرني شكّ كبير في أن الفنّان الحقّ، الفنّان الأصيل، يستطيع أن يصل إلى جمهور عريض، دعك من استطاعته أن يؤثِّر فيه، على الأقلّ، في المرحلة الراهنة التي تعيش فيها جماهيرنا العريضة في مصر، أو في سائر البلاد العربية، وأن دور الإعلام، والصحافة، والسياسة، وفنون «بيع» المنتجات «الفنّية» التي تتَّخذ- زوراً وبهتاناً- شكلَ الفنّ، هذه كلّها تلعب الدور الأساسي، أما الخبرة الفنّية الأصيلة فما زالت على هامش حياتنا الاجتماعية، لكن هذا لا يعني أنه من المقبول، أو حتى من الممكن أن تنفي، من البداية، دور المثّقف. لاشكّ أن خبرتنا في التاريخ تشير إلى نوع من الدور الفعّال يقوم به ذلك الذي اصطلحنا على تسميته (المثقَّف). بصفة عامّة كانت هناك حقب تاريخية أو مراحل اجتماعية كاملة، وجد فيها هذا التكامل بين المثقَّف والمجتمع، وكان المثقَّف أو الفنّان يقوم بدور عضوي في المجتمع، إنني أشير، بالطبع، إلى الفترات التي ازدهرت فيها أنواع من «الميثولوجيا» الكاملة، تكامل فيها دور الفنّان والمجتمع، أشير إلى فترة مرّت بها المجتمعات البدائية، كان، للفنّان أو «للكاهن» أو «للساحر» فيها، دور عضوي؛ أشير إلى الفترة التي كان فيها المثّال أو النحّات أو الفنّان.. مجهول الاسم: نحن لا نعرف من هم أصحاب التماثيل الرائعة في مصر القديمة، ومن هم بناة الكاتدرائيات الشامخة، ومن هم أصحاب الموسيقات والتمثيليات الدينية الوسطية.

لم يكن للفرد، في تلك المراحل، الدور الذي أصبح له فيما بعد. وهو موضوع طويل، لا أريد أن استطرد فيه، بحيث أبعد عن القضية الآن. المهمّ أنه، عقب نموّ النهضة الصناعية، عقب عصر الاستكشافات الجغرافية، عقب ظهور ما يسمّى «العصر البرجوازي» عقب تأكُّد الفرد، بشكل حاسم، بعد النهضة الأوروبية، ظهر نوع من الانشقاق، وتأدّى بين الفرد والمجتمع، ومن ثمّ تضاعفت الأزمة وتفاقمت إلى أن وصفت إلى مرحلتها الحالية التي يحسّ فيها المثقَّف الفرد، أو المفكِّر الفرد بأنه معزول عن المجتمع، وبأنه كمّ مهمل، وأنه ليست له فاعلية، وليست له سلطة، أو ليست له فرصة المشاركة في اتّخاذ القرار الذي يهمّه كما يهمّ مجتمعه. صورة تبدو قائمة حقّاً، ولكن، يجب أن نفكِّر قليلاً: هل- حقيقةً- اختفى دور المثقَّف في المجتمع؟ ألا يمكن للمفكِّر أو المثقَّف أن يجد لنفسه دوراً وسط أجهزة الثّقافة أو أجهزة الإعلام.. مع ما يبدو من تناقض أساسي بين كلمة «أجهزة» وكلمة «ثقافة»؟

هل أصبحت المؤسّسات والأجهزة، من القوّة، بحيث لا يملك الفرد إلا أن يكون مجرّد ترس دوّار فيها؟ أظنّ لا.. أظنّ أن استقراء الواقع يشير إلى الإجابة، في ناحية الأمل لا في ناحية اليأس، ولكن هذا يتوقَّف على عوامل كثيرة جدّاً. من البداية لست أقطع بأنه لن يكون للمفكِّر دور حاسم واجتماعي، على الأقل، كما أنني لست أقطع بأنه سيكون له دور.

الاحتمالان مطروحان، والإجابة تتوقَّف على عديد من العوامل، هناك إيمان ما، عند المثقَّفين والفنّانين، بصفة عامّة، يتجاوز معطيات الواقع، يستمدّ من الواقع عناصر، ولكنه لا يسلِّم لها بكلّ الحتمية التي تبدو أنها تومئ إليها، بمعنى ما. يبدو لي، من مجرّد إثارة المشكلة والإلحاح عليها وتقليب أوجهها وتحّولها إلى هَمّ مقيم ومضنٍ، أنها تعكس عاملاً واقعياً. لو أننا نسمّيه «ذاتية بحتة» لما كان لها هذا التردّد، وهذا الصوت، وهذا الإلحاح؛ إذاً، فهذا كلّه يشير إلى وجود احتياج يعبِّر عن ذاته، احتياج يبحث عن المنطلق. هناك تمرُّد أساسي ما في الإنسان يستمدّه من الاستقراء الواقعي للتاريخ، التمرُّد على قمع الأجهزة، وعلى قمع المؤسَّسات، بل أضيف إلى هذا أنه التمرُّد على قمع الواقع نفسه، سواء أكان هذا اجتماعياً أم كان كونياً حتى. هذه الحاجة الإنسانية الأساسية تكاد تبدو ثابتة كأنها خالدة وسط الظاهرة العرضية أساساً، ظاهره الإنسان. هذا كلّه يشير إلى منطق هذه الحاجة الإنسانية، منطق هذا المتطلَّب الإنساني الذي يبدو مستعصياً على الزمن، وعلى التقلُّبات والتطوُّرات الاجتماعية، وخالداً: إنه يجب أن يكون للمثقّف دور، وللمفكِّر دور.



حرّيّة المفكِّر العربي.. بين المنح والمنع .. عقل عربي.. أم إنساني؟!



قد أسلِّم مع سيادتكم بأن هذه المشكلة قد توجد في الغرب، كما هي موجودة في الشرق؛ أقصد مشكلة «إبعاد المثقَّف أو المفكِّر عن لعب دوره المفترض الذي تؤهِّله له قدراته الطبيعية ووعيه المكتسب». ولكن، ثمّة فارق مهمّ بين المفكِّر في أوروبا والمفكِّر في عالمنا العربي، أو في العالم الثالث برمّته؛ وهو ما يعنيني رصده هنا، وهو ما عنيته بسؤالي أو- على الأقلّ- في بعد من أبعاد هذا السؤال. فالمفكِّر في أوروبا، أو المثقَّف، قد «يغترب»، أحياناً، نتيجة لظروف معيَّنة، ولكن المفكَّر أو المثقَّف عندنا «معزول»، من البداية، وفي كلّ الأحوال.

لا.. تعال، تعال نرتِّب أفكارنا، ونتحدّث في محاولة التلمُّس للإحاطة بموضوع معقَّد كلّ التعقيد وشامل وواسع جدّاً، ولا يكفي حوار واحد، ولا عشرة، للإحاطة به. لكن، نحاول أن نضع أيدينا على المحاور الرئيسة. دعك من مسألة الرصد والتوصيف، فقد شبعنا وأُتخِمنا من الرصد والتوصيف، ونكاد نتفَّق، جميعاً، على المظاهر الملموسة الآن.. تمزُّق المثقَّف وغربته وعزلته، وانعدام الحرّية، وسيادة القيم الاستهلاكية، ومشكلة الأمّية، وقصور التعليم، وهجرة العقول، ونزيف دم الحياة للمثقّفين والفنّانين في مجاري العمل الإداري والمكتبي، وطغيان التسلية السهلة التي تحمل تدميراً خفيّاً للقيم الثقافية، وسيطرة أجهزة الدولة، وتسخير مؤسّسات الثقافة لخدمة المؤسّسات غير الثقافية، وأكثر وأكثر..

أفاض الكثير من مثّقفينا في رصد هذه الظاهرة بما يكفي وزيادة.

هل جرؤنا على أن نرجع هذه الظاهرة إلى أسبابها؟

يمكن أن تكون الأسباب اجتماعية إذا أخذنا بالتفسير الاجتماعي، ويمكن أن تكون تاريخية، بل هي- قطعاً- كذلك، إلى حَدّ معيَّن، وبمعايير معيَّنة، وحتى لو أخذنا بالأسباب «الثقافية- الحضارية» فيمكن أن يندرج هذا الفهم في سياق التفسير «الاجتماعي - التاريخي»، ويمكن أن تكون الأسباب خلقية أو ميتافيزيقية، إذا شئت. علينا أن نطرح، من البداية، سؤالاً: هل في «العالم الثالث» كما قلت، بصفة عامّة، أو في «العالم العربي»؛ أي في مصر، أو في العراق، أو سوريا، أو الخليج أو المغرب، أو الجزائر.. إلخ، خصائص متميِّزة «للعقل» في هذه المنطقة من العالم، لا توجد في غيرها من المناطق؟ هل هناك عناصر خَلْقيّة؟.

هل هناك أسباب جُبِلت عليها هذه الشعوب؟ وما يسمّى «العقل العربي» أو «العقل الإفريقي» أو «العقل الصيني»، هل له خصائص تختلف جذرياً، وخلقياً، وتكوينياً، وعرقياً.. عن غيره من العقول؟ أظنّ أننا، من البداية، نستطيع أن نتَّفق على أنه ليس هناك ما يمكن أن نسمّيه «العقل العربي»، كما لو كان هناك شيء عرقي خاصّ. هو «العقل الإنساني»، في كلّ مكان، وفي كل زمان. ولا ينفي هذا وجود خصائص ومقوّمات للثقافة، لكلّ ثقافة على حدة، ترجع- بوضوح- إلى تراثها وعناصرها التاريخية والحضارية. أريد أن أهدف بهذا إلى ما يمكن أن يسمّى «التعدُّد داخل الوحدة». هل يمكن أن نضع أيدينا لنتلمّس العلل والأسباب في هذه الموروثات التي أصبحت مقوِّماً للثقافة العربية؟ أريد أن ننفي- أوّلاً- حتى الاصطلاح الذي يسمّى «العقل العربي»، الذي لا أستريح إليه كثيراً؛ لأنه يكاد يوحي، من بعيد، بأن فيه تفرقة عنصرية ما.



ثّقافة عربية.. أم ثقافات عربية؟



أقصد باستخدامي لمصطلح «العقل العربي» الإشارة إلى «ثّقافة» معيَّنة، وطريقة تفكير، وطبيعة رؤية، وتراث له ملامح وسمات بعينها، وأنماط سلوكية، وعادات اجتماعية، وخبرة خاصّة بالحياة، وأُقنوم قِيَمي متميِّز، ومجموعة من العقائد والأديان والقناعات.. إلخ، ولم أقصد أيّ امتياز خَلْقي أو عضوي أو بيولوجي.. إلخ!.



إذا تحدَّثنا- إذاً- عن الثقافة العربية فسوف ندخل، على الفور، إلى ظاهرة عريقة، ولها مقوِّمات غنية وطويلة المدى، ولها أثرها أو عواملها الفاعلة الآن.. أقصد عوامل فاعلة ناتجة عن التراث.



إن سلباً أو إيجاباً!



نعم.. فاعلة في الاتِّجاهين. أوّلاً: أريد أن أخلص من وهم الوحدة المصمتة التي تريد أن تصبّ كلّ روافد الثّقافة ومكوّناتها في هذا «العالم» العربي العريض، في قالب واحد: لست أظن أن هناك ما يسمّى الوحدة المغلقة للثقافة العربية، بمعناها المصمت القالبي الحجري، الذي يكون قالباً واحداً ليس فيه اختلاف. أريد أن أؤكِّد على فكرة الاختلاف في داخل الثقافة العربية، وأريد أن أوكِّد أن هذا الاختلاف عنصر إثراء وغنى، وليس عنصر تفرقة وتشتيت، وبالعكس، هناك أشياء عامّة توحِّد بين الثقافات العربية. وها أنت تلاحظ أنني استخدمت، كما ينبغي لي - إذا صحّ لي منطقي - عبارة «الثقافات» العربية بدلاً من «الثقافة» العربية، ولكني لم أتخلَّ عن وصفها، جميعاً، بأنها عربية، في النهاية، وإن كانت تصدر عن منابع لها قوامها، وتكوينها، وتراثها الخاصّ بكلّ منها. هناك عوامل عامّة توحّد بين الثقافات، وتوحِّد بينها وبين الثّقافة الإنسانية العامّة كلّها، لا خلاف في هذا. لست أدعو إلى انفصالية مصطنعة، ولكن، أدعو إلى تأكيد، أو أريد أن نتنبّه إلى تأكيد الاختلافات، بين هذه الثقافات المتعدِّدة التي توحّد بينها قنوات اتّصال عريضة ومشتركة وتاريخية، لكي تَثرى، وتستفيد من تلاقح بعضها بالبعض الآخر، ومن ترافد بعضها لبعض. نتجاوز- إذاً- مسألة الرصد والتوصيف الأولى إلى الأسباب.

أظن أن هناك ثلاث أو أربع نقاط، أحبّ أن أركِّز عليها: النقطة الأولى، ليست مسألة اختلاف الثقافات بين شعوب المنطقة العربية مع اشتراكها العريض الذي أشرت إليه، بل ازدواجية أو تعدُّد الثّقافة داخل الشعب الواحد. عندما نتحدّث عن هموم المثقَّفين ودورهم، وأزمة الثقافة التي يعانونها، نريد أن نتلمَّس- حقّاً- صلة المثقَّف أو المفكِّر المصري أو العراقي أو المغربي بالطبقة العريضة التحتية التي تمنحه ماء الحياة نفسه. ما الصلة التي تربط، الآن، بين المثقَّف في مصر أو المغرب وبين شعبه؟ سنلاحظ على الفور، من مجرَّد إثارة السؤال، أن هناك أكثر من حضارة، أو أكثر من ثّقافة، على الأقلّ، داخل كلّ شعب، وأن القنوات بينها ليست موصولة كما ينبغي أن تكون، ولا وسائل التفاعل متوافرة كما يجب أن تكون، بين القاعدة العريضة من الثقافة الشعبية التي نعيشها في مصر، مثلاً، وهي ثقافة أرفض أن أسمّيها متخلّفة. إنني أرفض فكرة «التخلُّف» الثقافي في هذا السياق، وأزعم أن الشعب أو الفلّاحين أو الجماهير العريضة ليست متخلِّفة ثقافياً، قد تكون متخلِّفة، هنا، بمعنى من المعاني، بمقياس أنها لا تملك ثقافة كاملة متفاعلة مع العصر الذي نعيش فيه، هل هذه الثقافة أو (الثقافات التي يعيشها الشعب) هي الثقافة الصحيحة أو السليمة أو الإيجابية، أو ما شئت من الأوصاف؟ يبدو أن هذه المنطقة لم يُتَطرَّق إليها كثيراً! ما هي الثقافة التي يعيش الناس بها، ولها، في بلادنا؟

أليس هذا من أسرار أو أسباب التمزُّق الذي يعيشه المثقَّف في العالم الثالث، بصفة عامّة؟ إحساسه بالاغتراب عن ثقافة شعبه؟ إحساسه بانتمائه إلى ثقافة لا يعرفها هذا الشعب؟. في ثقافة الشعب- بلاشكّ- هناك الثقافة التحتية العريضة والسليمة، رواسب تاريخية ماتزال تعيش في وجدان الناس، وهي مؤَثِّرة، سلباً أو إيجاباً. وصحيح- أيضاً- أن التراث القديم، وبالتحديد، التراث المحكي، والتراث الموسيقي، وما اصطلحنا على تسميته (الفنون الشعبية)، قد أضاف إليه الشعب، أو الفنّان الذي لا اسم له من بين صفوف الناس، كما كان دأبه في المراحل التي تكامل فيها الفنّان مع المجتمع، مما جعل هذا التراث حيّاً ومَرِناً، إلى فترة قليلة خلت، ولكن من الصحيح، كذلك، أن هذا كلّه يندثر بسرعة، ويسير- بشكل يكاد يكون حتمياً- إلى الانقراض إزاء التقنية الكاسحة، ونحن نشرف على نهاية القرن العشرين، وندخل- بلا شكّ- إلى عالم التقنية الجارفة التي لا يقف في سبيلها شيء والتي تتسلّل إلى أبعد الكفور، وأصغر القرى، وأظلم الغابات، وأفسح السهوب.. تتسلَّل بدون عائق، وتؤدِّي إلى التسطُّح، وتؤدِّي إلى نوع من التوحيد في حدود القاسم المشترك الأصغر، كما تؤدّي إلى تغريب الإنسان عن نفسه وعن ثقافته. كل هذا يحدث بسرعة! أظن، أن هنا، أزمة حقيقية، وأن هذه الغربة بين المثقَّف أو المفكِّر و«ذاته الأخرى»، التي هي شعبه، يجب أن تنمحي، ممّا يعود بنا إلى فكرة المثقّف، بوصفه مكوّناً عضوياً في المجتمع، التي بدأت بها الحديث.

المثقَّف عندما يكون متكاملاً مع المجتمع وعنصراً عضوياً فيه يؤدّي وظيفة، ليست اجتماعية فقط، بل اجتماعية وحضارية، وتؤّدي إلى تحقيق ذاتي- أيضاً- للمثقَّف. وهنا، تنتهي الأزمة.

كيف يمكن أن ننفي هذه الازدواجية بين المفكِّر والناس، أو بين ثقافة النخبة- إذا شئت- وثقافة الشعب، هذه هي القضية الاجتماعية: قضيّةٌ إثارتها مهمّة، والوعي بها مهمّ جداً.

دور المفكِّر هو أن يحاول أن يرى صورة واضحة، وأن يريها الناس. مجرَّد إثارة الوعي هو البدء بالتحرُّك، البدء بالحركة، وهنا دور المثقَّف، على الأقلّ في المرحلة الحالية، ودوره هو إثارة الوعي، لأنه البدء بالحركة.