«لحن بأصابع مبتورة» القصيدة وممكنات الحكي

محمد العناز

يشتغل ديوان «لحن بأصابع مبتورة» (دار فضاءات- 2014)، لسميرة عبيد، على المفارقة، بوصفها تمثيلاً لنقص العالم؛ إذ لا يتحدّث عن العزف، كونه خاصّيّة ملازمة للّحن، بل إن اللحن الذي يشير إليه العنوان لم يُعزَف أصلاً، ولم يُكتَب له أن يخرج إلى حيّز الوجود، بوصفه تجسيداً لتأمُّلات الذات الشاعرة، ورؤيتها إلى تمزُّقات الكون الذي تحيل إليه الأصابع المبتورة. فكيف يمكن- إذاً- لهذه الأصابع المبتورة أن تعزف لحنها؟ وكيف تستطيع أن تجعل من الحكاية ممكناً من ممكنات القول الشعري؟ ألا يُعَدّ هذا الخرق في دلالة العنوان، صيغة من صيغ الرفض والاحتجاج؟ وهناك سؤال آخر: ألا تروي الموسيقى، وتحكي؟ وهناك الكثير من السيمفونيات التي بُنِي لحنها ليحكي قصّة ما. إن الديوان يجعل من الحكي أحد مكوّناته التي تسمح بتشكيل اللحن الذي بإمكانه أن يمنح العالم المختلّ حكاية من أجل رتق شتاته وبناء كُلِّهِ. وسنحلِّل الديوان وفق ممكنات الحكي التي نوزِّعها إلى ثلاث محطّات رئيسة:

1 - ممكن الحكاية: نلمس في الديوان استعمال الشاعرة الحكاية من أجل بناء الزمن الماضي، وتنبني الحكاية انطلاقاً من وضعها في الزمان الراهن؛ أي انطلاقاً من وحدتها وعزلتها، لكنها قبل أن تفعل ذلك، تتساءل- متردِّدة- فيما إذا كانت ستروي حكايتها أم لا! هذا السؤال يتضمّن نوعاً من التردُّد الحذر، فتأتي القصيدة لتعلن عن تحدّي هذا التردُّد، وعن المرور إلى الجرأة في القول أو في الحكي، مما يجعلنا نؤوِّل فعلها هذا بخاصّيّة البوح؛ ولذلك لن تروي الحكاية انطلاقاً من خصائصها النثرية، بل انطلاقاً من خصائص البوح الشعري. وهكذا، نجدها تلجأ إلى المونولوج الذي تحاور عبره نفسها: «كيف تختزلني في صورة امرأة مكتملة الأنوثة؟ كنت روحك وكنتَ جسدي..»، والذي يشير إلى التحديد المكاني: «أتدرّج أمام المرآة، من قمّة روحي إلى أسفل الجسد»، والتحديد الزمني الذي يرتبط بـــ«الزمن الرمادي»، ووصف حالة العزلة التي هي عليها، ثم تعتمد الخطاب المباشر الذي توجِّهه إلى الغائب، وعبر هذا الخطاب المباشر تشير إلى حالة الانفصال بينهما؛ ومن ثمّة يحدث الانتقال إلى زمان الماضي، وهو ضدّ الزمان الحاضر، وهو زمن الألفة والحبّ المغاير لزمن الفراق، والزمن الحاضر الذي يتّصف بالغياب، يترجَم بوساطة اللحن الصدئ الذي تحيل إليه الأصابع المبتورة في عنوان الديوان.

2 - ممكن الحدث التاريخي: إن الشاعرة لا تحكي حكاية، كما هو المثال في قصيدة «الموريسكي»، بل تستعيدها من طريق الحنين والفقدان؛ أي حكاية ضياع الأندلس، واجتثاث الموريسكيين من حضارتهم. تقول: «حضارة الماء والعشب أحرقتني، وأنا أستعيد حرقة الموريسكي». إن الأنا تعمد إلى بناء ممكن الحدث، انطلاقاً من فعل الاستعادة، بوصفه فعلاً قائماً على الحنين والفقدان، ويبنى فعل الاستعادة هذا على استحضار شخصيات تاريخية لها رمزيّتها في علاقتها بممكن الحدث، فشخصية طارق، في النصّ، تحيل إلى طارق بن زياد: «مَرّ طارق من هنا»، والشاعر ابن زيدون الذي كتب أجمل القصائد في التغزُّل بولّادة بنت المستكفي، والموسوعي لسان الدين بن الخطيب. وهذا الاحتفاء بالشخصيات التاريخية يسهم في تنامي فعل الاستعادة الذي يتمّ تمريره من خلال الخطاب المباشر، وانطلاقاً من إحساس الأسى. تقول الشاعرة: «أيا قرطبة، أيا وشماً لذاكرة تتوجّع في صمت كبرياء زمن، اغتالته المكائد»؛ ومن ثَمَّ يصبح هذا الإحساس الذي تترجمه الأنا تعبيراً عن هذا الوجع الذي تستعيده الذاكرة بغاية حكي وجع الأرض المحروقة.

كما يحكي العزف- أيضاً- ممكنَ أحداث أخرى، يمكن اعتبار تعدُّدها خاصّيّة مميّزة له، تعمل الأنا الغنائية الشعرية على بنائه؛ بحيث نجدها تحكي حدث الإقامة في غرفة بالمشفى من أجل العلاج، انطلاقاً من خاصّيّة جمالية تجعل من موقف حدثي تامّ، في الراهن، مرآة لموقف حدثي مماثل تامّ في الماضي؛ وذلك عبر استعادة الشخصية المتخيّلة لما كانت عليه في الماضي وممارستها مهنة التمريض؛ هذه المهنة التي يبدو أنها تحوَّلت في ذاكرتها إلى إبرة لتقليب مواجع الجسد المحطَّم، فالحدث يعاد كما لو أنه لقطة سينمائية عن لحظة من حياتها التي تشرف على الانطفاء، بفعل قوّة المرض. لكنها تستعيد الموقف الحدثي الماضي، بما يحمله من آلام على مستوى الذاكرة، من خلال رؤية الممرِّضة، بما يعنيه ذلك من حصول التماهي بين الممرِّضة المتخيّلة والممرِّضة التي تسعف المرضى، وتؤنس عزلتهم. وتتوسَّط الأنا الغنائية الشعرية الشخصيّتين بهدف لَـمّ شتات هذه التفاصيل المتنافرة المكوِّنة للموقف الحدثي الواحد؛ فالشخصية المتخيّلة التي كانت- أيضاً- تبتسم ذات يوم، في غرف المرضى، وتساعدهم على تجاوز محنتهم، صار لها، في الراهن، وضعهم. إذاً، الشاعرة تبني الحكي وفق التقابل بين موقفين حدثيين: الموقف الحدثي في الماضي الذي كانت فيه هي المنقدة، والموقف الحدثي في الحاضر الذي هي فيه في حالة من يحتاج الإنقاد. فالأنا تعمل على بناء موقف حدثي، تصوّر فيه معاناة كائنات تلبس البياض، وفي الوقت نفسه، تكون معرَّضة للسواد من داخل الغرف البيضاء نفسها.

إن الأنا الغنائية الشعرية تجابه الموت بالحكي، انطلاقاً من استعارة كلّيّة للعالم، بوصفه معزوفة كبيرة لطقطقات الروح المنهارة أمام جسد هدَّتهُ «جرثومة في قلب معشوشب بالحياة»؛ فالأنا الغنائية الشعرية تتحوّل، مع اشتداد العزف والحكي، إلى «ثوب يلتحف بياض الزمن»، فالساردة العازفة ليست إلا ما تحكيه، وما يمنحها حكيها من إمكان لفهم ذاتها داخل هاته العزلة؛ أي أنه صوت يحكي، لكنه لا يسمع سوى صداه، وهذا يجعلنا نفهم لماذا تمزج الشاعرة الموقف الحدثي الذي يشملها، والخطاب المباشر الموجَّه إلى الآخر، والمونولوج، فهي تبني الموقف الحدثي باعتماد التضادّ بين الزمن الماضي والزمن الحاضر من أجل أن تمنح لنفسها الفرصة لكي تحكي داخلها، وإحساساتها وآلامها؛ ومن ثَمّ يصير العالم منظوراً إليه انطلاقاً من هذه الكينونة، بما في ذلك البيانو الذي يُعَدّ رمزاً للعزف، بوصفه إمكاناً للحياة، فــ«الحياة بيانو/ تشبه مقعداً خشبياً لعازف على شرفة البحر/ الحياة هناك تماماً كأناملي المجنونة/ يدي من بيانو/ أتمنّى أن لا تشبهني معزوفاتي أبداً».

3 - ممكن الشخصية: وتعتمد الشاعرة، في بناء متنها الشعري، انطلاقاً من ممكنات الحكي، إلى ممكن الحكاية والحدث، على ممكن الشخصية، بوصفه أساساً في بناء العالم الشعري. وممكن الشخصية في هذه القصيدة يُقَدَّم انطلاقاً من الاسم الخاص، وهي، حين تستعمل هذا المكوِّن تجعله مركزياً، وتقدِّمه من خلال الإحساس الداخلي الممزوج بالذاكرة، فيظهر أن الشاعرة لا تصوِّر الشخصية موضوع القصيدة على نحو مباشر، وكأنها تشاهدها بصرياً، بل تقدِّمها من خلال الغياب، وهذا التقديم هو ما يجعل السطور الشعرية تتّصف بقربها من الحكي، على نحو مكثَّف، في قصيدتها المقتضبة «بورتريه لآخر العنقود»؛ بحيث تستعير من السرد تصوير الشخصية من دون حدث، مستخدمةً فنّ البورتريه- بوصفه تقنيّة- في تشكيل مظاهر الشخصية، وهي تقنية مستعملة في السرد بكثرة، وتمرّر من إمكانات الشعر، حيث لا نجد تفاصيل واقعية ملموسة، كما المثال في السرد النثري، وإنما تكون باعتماد للصورة الشعرية، وبتمرير هذه الصورة الشعرية من خلال الأنا الغنائية الشعرية؛ أي الأحاسيس والمشاعر. والبورتريه يتناول شخصية تظهر على أنها واقعية، والطريقة التي تقدّم بها البورتريه تنبني على انطباعات شخصية للشاعرة، وهذه الانطباعات تُنَظَّم وفق الحروف الذي يتكوَّن منها الاسم الواقعي، فتظهر لنا أنها مجزَّأة، غير أن هذا التجزيء يصير متماسكاً وملتحماً بفعل تجميع حروف الاسم الذي هو (بدرية)، ويظهر- أيضاً- من خلال هذا البورتريه، استفادة القصيدة أو السطور الشعرية من إمكانات الحكي؛ إذ تقدِّم الانطباعات حول الشخصية المصوِّرة من خلال اعتماد الفعل الذي يضفي على القصيدة طابعاً حركياً ملموساً.

وعليه، يمكن القول إن ديوان «لحن بأصابع مبتورة»، للشاعرة القطرية سميرة عبيد، يستثمر مكوِّنات الحكي، برؤية جمالية تعمد إلى تضافر ممكن الحكاية، وممكن الحدث، وممكن الشخصية، وربطها بدلالات تمثِّل الواقع الذاتي الذي تحلم الأنا الغنائية الشعرية بتجاوزه، والإقامة في ممكن الكون، وتخليصه من جحيم آلات الحرب والقتل، عن طريق العزف.

 موضوعات أخرى