مساجد تحت الأرض

أحمد أبو زيد

في العديد من مدن العالم الإسلامي، ينتشر نوع عجيب من المساجد المشيَّدة تحت الأرض، والتي تُعَدّ ظاهرة هندسية ودينية فريدة من نوعها، واستخدمت قديماً حصوناً وأماكن للعبادة، وكان معظمها مبنيّ بالقرب من الشواطئ؛ نظراً لخطر الغزاة في ذلك الوقت، كما انتشر بعضها في المناطق التي عانت من الاحتلال والاضطهاد الديني، ومن قيام الأنظمة غير الإسلامية بمحاربة العقيدة، واضطهاد أصحابها ومنعهم من ممارسة شعائر دينهم، وخاصّةً في الدول التي تضمّ أقلّيّات إسلامية، مثل اليونان وجمهوريات الاتّحاد السوفياتي سابقاً.



وهذه المساجد، من خلال مشاهدة ما بقي منها إلى اليوم، جاءت على شكل حصون أسفل الأرض، لا يُرى منها إلا مدخلها وبعض العلامات على سطح الأرض التي تبيِّن وجود مسجد في هذا المكان.

ويُرِجع بعض الأثريّين الغاية من بناء هذه المساجد- إلى جانب الهدف الدفاعي والتحصيني- إلى طبيعة الطقس في هذه المناطق، ففي فصل الصيف تكون الحرارة داخل هذه المساجد باردة، وفي فصل الشتاء تكون الحرارة رطبة وساخنة بعض الشيء؛ مما يمكِّن المسلمين من ممارسة شعائرهم الدينية في جوّ مناسب، صيفاً وشتاءً.

وأمامنا نماذج كثيرة لهذه المساجد، مازالت باقية إلى اليوم، ككنوز أثرية قديمة، تحرص الدول الإسلامية على ترميمها والحفاظ عليها، كونها جزءاً من التراث الديني والمعماري للأمم والشعوب.



مساجد جزيرة جربة

ففي جزيرة جربة التونسية الواقعة ضمن محافظة مدنين، يوجد نحو 20 مسجداً بُنِيت تحت الأرض منذ مئات السنين، وبعضها يرجع إلى القرن الثاني عشر الميلادي، وذلك من بين 380 مسجداً تضمّها الجزيرة.

وهذه المساجد الفريدة موزَّعة على مختلف مناطق الجزيرة التي يبلغ إجمالي مساحتها 514 كيلومتراً مربَّعاً، ويقدَّر طول شريطها الساحلي بـ125 كيلومتراً، وهي تعدّ أكبر جزر شمال إفريقيا، والوجهة السياحية الأولى في تونس، وتلقَّب بـ(جزيرة الأحلام)؛ لثرائها الثقافي وثرائها التاريخي ولجمال طبيعتها.

وقد جاء تشييد هذه المساجد السفلية كحصون دفاعية، للاحتماء من خطر الغزاة الذين كانت تغويهم الجزيرة بجمالها الطبيعي وموقعها الفريد، إلى جانب دورها الثقافي الديني كبقية المساجد؛ إذ تتيح للمسلمين أداء صلواتهم وعباداتهم فيها. واستغلّ سكّان ذلك العصر الظروف الجيولوجية لبناء هذه المساجد التي وُجدت إلى جانبها معاصر وبيوت ومخازن، تحت الأرض.

فعلى بعد 10 كم من مدخل الجزيرة، بين منطقة سدويكش والطريق الرومانية، يقع مسجد «الوطا»، في وسط منطقة ريفية داخل غابة من الزياتين، وتمّ بناؤه من خلال الحفر والنقش في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، وهو يتكوّن من فضاء خارجي وفضاء داخلي، على عمق 3 أمتار تحت الأرض، وفيه مدرج، وفي الفضاء الخارجي، توجد قبّتان، ويرتكز المعلم في الداخل على أعمدة وأقواس، كما فيه محرابان: الأوّل كان يستعمله الإمام، والثاني كان يُستَعمل في تدريس القرآن الكريم، في ذالك الوقت.

كما تضمّ جربة مسجد «بن مومن»، الذي يقع في جهة مدينة آجيم في منطقة الصرندي، على عمق 4 أمتار، وفيه فضاء داخلي، وآخر خارجي، تَمّ استغلاله- فيما بعد- لبناء مسجد مستقلّ. والفضاء الداخلي للمسجد الذي كان مظلماً أكثر من غيره، بحكم انعدام وصول ضوء الشمس إليه، يحتوي مساحة صغيرة (حوالي 30 متراً مربعاً)، وفيه محراب.

وفي جهة بني معقل في الجزيرة، يوجد أقدم المساجد تحت الأرض، وهو مسجد «مقماق»، وفيه مغارة، وضع فيها علماء المذهب الإباضي أبرز الكتب التي تحتوي على نصّ ينظِّم حياتهم من الناحيتين: السياسية، والاجتماعية.

وفي القرن الـعاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) كَثُر الخطر على جزيرة جربة من قِبَل القراصنة والحملات العسكرية الإسبانية التي تواصلت خلال تلك الفترة، فكانت تلك المساجد بمثابة بوّابة دفاعية، تساهم في إخبار السكّان بالخطر القادم إلى الجزيرة ليأخذوا حذرهم، فتضيء منارات الحصون والجوامع، إحداها للأخرى، متبادلةً إشعارات الإنذار والتحذير من الخطر القادم.

وتعبِّر هذه المساجد عن تواصل العادات البربرية وتمازجها مع مميِّزات العمارة الإسلامية.. وهذه النوعية من المساجد هي الأقدم في جزيرة جربة، والتي نجد أصولها المعمارية في القصور البربرية المنتشرة في مناطق الجنوب التونسي، إلا أنه يُلاحَظ أن بعض تلك المعالم يتطابق مع التخطيط المتداوَل للمساجد الإسلامية.



مسجد الموحِّدين في الجزائر

وفي الجزائر، يوجد واحد من أهمّ المساجد المشيَّدة تحت الأرض، وهو مسجد زاوية الموحِّدين في ولاية البيض، الواقعة شمال غرب الجزائر، والتي تبعد عن العاصمة الجزائر 800 كيلومتر.

وهذا المسجد فريد من نوعه، ليس- فقط- على مستوى الجزائر، بل حتى على مستوى العالم العربي والعالم الإسلامي، إذ إن تاريخه يعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي في الجزائر، والسكّان يفضّلون إقامة الصلاة فيه على مساجد أخرى.

وتبلغ مساحته الإجمالية ما يقرب من 200 متر مربع، وتَمَّ تشييده عن طريق الحفر، دون استعمال أيّة مادة من موادّ البناء، بما فيها الإسمنت، حيث جرى حفره- بالكامل- تحت الأرض، في أثناء الفترة الاستعمارية، وقام بذلك الشيخ محمد بن بحوص، باستعمال وسائل بسيطة وتقليدية، منها المطرقة والقادوم، فسقفه باطن الأرض، وأعمدته وجدرانه الصخور.

ويرجع تشييد هذا المسجد تحت الأرض إلى سنة 1940م، حيث كان المستعمر الفرنسي، وقتها، يمنع بناء المساجد، ويهدمها، ويحظر تعلم علوم القران واللغة العربية، في إطار عملية محاربته للهويّة الوطنية، ولأن الشيخ كان معتزّاً بعروبته وإسلامه، اهتدى إلى تلك الطريقة الفريدة من نوعها، والتي خادع بها المستعمر الفرنسي لفترة طويلة، ليتحوَّل هذا المسجد إلى منارة للدين وقِبْلة لطلبة العلم، ومخبأً للمجاهدين الرافضين وجود المستعمر الفرنسي في الجزائر.



تصميم فريد

والمسجدُ شيِّد، بالكامل، تحت الأرض، على عمق ستة أمتار من السطح، ولا يكمن تميُّزه في أنه مشيَّد تحت الأرض، فقط، بل في أن طريقة إنجازه فريدة من نوعها، ويتمّ الدخول إليه عن طريق بوّابة صغيرة فوق الأرض، عن طريق نزول سلالم أُنجِزَت عن طريق الحفر عدة أمتار، والزائر إليه تجذبه طريقة تشييده التي تُعَدّ آية في الإتقان والإنجاز، ويخيَّل إلى الناظر أن مهندساً مختصّاً صمّمه؛ نظراً إلى تناسق أركانه وجدرانه، وتطابق مساحته مع الأعمدة الأرضية التي تحمله، مع العلم أنه لم يُعتَمَد على أيّة مواد بناء، باستثناء الصخور والحفر وسط الحجارة، وهذا سرّ جماله.

وقد اكتشفت السلطات الفرنسية وجود هذا المسجد الفريد بعد أن ذاع صيته، حيث اهتدت إليه سنة 1950، وقامت باعتقال الشيخ محمد بن بحوص، ونفيه من المنطقة، ووضعه تحت الإقامة الجبرية في مدينة البيض. إلا أن المسجد ظلّ قائماً، ويفضّل الكثير من المصلّين المقيمين في هذه الولاية الجنوبية إقامة صلواتهم فيه، خاصّة في شهر رمضان، ففضلاً عن كلّ الخصائص التي تميِّزه، هو يمنح للمصلّين فرصة أداء صلواتهم وصلاة التراويح، في أجواء باردة تحت الأرض، خاصّةً أن ولاية البيض الجزائرية يميِّزها المناخ الساخن ودرجات الحرارة المرتفعة.



مسجد تحت الرمال

وفي مدينة الرس في منطقة القصيم، بالمملكة العربية السعودية، نرى أنموذجاً حديثاً للمساجد تحت الأرض، وهو مسجد عجيب، قام مجموعة من الشباب السعوديين بتشييده تحت الرمال، من الحجارة والإسمنت عام 2004م.

وقد بدأوا العمل في هذا المسجد قبل رمضان 1425هـ، حيث تَمَّ تجهيز الرمل في مكان المسجد، وتشكيله على الشكل المطلوب كاملاً، ورشّه بالماء ليتماسك، مع مراعاة تشكيل المحراب والتقويسات، كما تَمَّ صفصفة الحجارة الجبلية على التراب، وتمديد الحديد فوق الحجارة على شكل شبكة، ثم سكب الخرسانة القويّة فوقها، باستثناء ما فوق البوّابة، وبعد عّدة أيّام تَمّ إفراغ المسجد من الداخل من التراب، عبر البوابة، ثم إكمال التحسينات فيه، ليظهر بشكل بديع وجميل.

ويبلغ ارتفاعه حوالي مترين ونصف المتر، والعرض من البوابة حتى أقصى المحراب 12م، أما مكان الصلاة فعرضه ثمانية أمتار، وطوله 15 متراً. ومن الابتكارات في هذا المسجد تلك الفتحات في السقف لتحقيق الإنارة الطبيعية في النهار، وهي تتبع إنارة الشمس، مشرقاً ومغرباً. وفيه محراب مجهَّز بمكبِّرات الصوت، وقاعة للصلاة، تَسَع ثلاثة صفوف، مع إمكانية إيجاد صفّ رابع.

وترجع غرابة هذا المسجد إلى عدم احتوائه على أعمدة، ولا حتى جدران، بل شُيِّد ليعتقد من يراه أنه كومة من الرمل البارزة على سطح الأرض، فهو أشبه بالغار، أو بالكهف الصغير.



مساجد اليونان السرّيّة

وفي اليونان، تُعَدّ السياسة المُتَّبعة تجاه الأقلّيّة المسلمة هناك، وبوقوفها ضدّ بناء المساجد، سبباً في انتشار المساجد السرّيّة تحت الأرض، أو التي تُقام في (الجراجات)؛ بحيث يستطيع المسلمون أداء شعائر دينهم دون تعقُّب أو مضايقات.

فمنذ عام 1939م، يسعى المسلمون إلى بناء مسجد واحد في أثينا، بعد إعداد دراسة جدوى لإنشاء دور للعبادة، وتَمّ التصديق على هذه الدراسة بعد 60 سنة من طرحها، وذلك عام 2000، إلا أنه تَمَّ التراجع عن القرار.

وفي 2006م، تَمَّ تخصيص 15 مليون يورو لبناء مجمَّع إسلامي في أثينا، بعد موافقة الحكومة، وصدّقت الكنيسة على القرار، ثم تراجعت بعد معارضة بعض القساوسة. وكان من المقرَّر افتتاح هذا المسجد في أواخر 2009م، إلا أن المشروع تعطَّل.

وفي عام 2011م، أعلنت وزيرة التربية والتعليم والشؤون الدينية أن المساجد المخطَّط لبنائها في اليونان ستتقلَّص إلى مسجد واحد، فقط، بلا مئذنة، ويتّسع لـ 500 مصلٍّ، وسيتمّ إنشاؤه في منطقة خضراء ملاءمةً لمفهوم احترام البيئة والثقافة القومية، ويكون تابعاً للوزارة، إلا أن مشروع بناء هذا المسجد توقَّف أيضاً، وحتى اليوم لم يتم الموافقة عليه، حيث أدّت المعارضة الدائمة للكنيسة الأرثوذكسية المهيمنة على الأوضاع في اليونان، إلى توقُّف أكثر من محاولة لبناء أية مساجد سوى قرب الحدود التركية شمالاً، حيث تعيش أقلّيّة مسلمة، من أصول تركية.

ومن هنا، فإن قرارات الحكومات اليونانية المتعاقبة بمنع بناء مساجد في العاصمة أثينا وفي الأقاليم الأخرى، أدّت إلى انتشار ما يُعرَف بـ «المساجد السرّيّة» التي تتّخذ من «الجراجات»، تحت الأرض مقرّاً لها لاستقبال المسلمين اليونانيين والمهاجرين، عند الصلاة.

فهناك، اليوم، ما يقرب من 500 مسجد تحت الأرض، وفي مخابئ سرّيّة و«جراجات»؛ الأمر الذي يزيد من الاحتقان بين المسلمين والحكومة اليونانية، خاصّةً مع ازدياد أعداد المسلمين في اليونان، الذي وصل إلى (700) ألف مسلم، من إجمالي تعداد اليونان، البالغ 10 مليون نسمة.