رهانات العبور إلى المعاصرة

محمد بن حمودة

يجتهد الفَنّ المعاصر من أجل (تذويب) الظاهرة الفنّيّة في الثّقافي، وذلك من أجل إلغاء المسافة الكلاسيكية بين مؤسسات الفَنّ الرسمية وعالم الناس ومعيشهم. وقد أخذت المعاصرة التشكيلية العربية في قطر، كما في سائر الدول العربية، منحى ردّ الاعتبار للمنتوج الثّقافي بالقياس للروائع الفنّيّة وذلك من خلال تعطيل الامتياز الذي كان يعود لفضاءات الفَنّ الرسمية والممارسات الرسمية. على هذا الأساس تتم محاولات ردّ الاعتبار للأسس التراثية (للجمال اللامرئي) في الحياة اليومية، بالتوازي مع عالم الجمال (المرئي) للمؤسّسات الفنّيّة الراسخة. إجمالاً تتميّز المعاصرة الفنّيّة بتحرير فكرة (المشروع) من كل ضغط عملي وذرائعي؛ وبدون هذا الجهد يصعب استدراج الإرادة المجتمعية والوعي العام للانخراط بإيجابية في دينامية (المدينة الإبداعية). ولَعلّ ملتقى الدوحة لفناني الخليج الذي استضافته قطر هذا العام يندرج في هذا الإطار، خاصة وأنه تعزّز باقتراح وزير ثقافتها سعادة الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري بإنشاء معرض دائم للفنّ الخليجي بوصفه إحدى لبنات مشروع جعل الدوحة عاصمة للفنون وعاصمة ثقافية دائمة. ويزداد وضوح خيار الربط بين خيار المدينة الإبداعية ومراجعة علاقة المحلية بالعالمية من خلال الشروحات التي تقدّمت بها الفنانة هنادي الدرويش، مديرة إدارة الفنون البصرية في وزارة الثقافة والفنون والتراث. فقد لاحظت الدرويش أنّ ملتفى الدوحة لفناني الخليج استعرض أعمالاً تجريبية تهتم بفلسفة (الأثر) والبعد الزمني، وتاريخ الجداريات، والأماكن الحميمة؛ من خلال مزج الخامات المتنوّعة ذات الطبيعة الخاصة». وقد اجتمعت خلال ملتقى الدوحة لفناني الخليج أعمال الفنان القطري محمد عتيق مع ستة فنانين يمثلون دول مجلس التعاون الخليجي، كما اجتمعت أعمال 17 مشاركاً خلال ملتقى الفنون البصرية لدول الخليج العربية. وبرغم توزّع المشاركات على مجالات الخط العربي والتصوير الضوئي والفنون التشكيلية فإنها التقت حول تكريس النقلة العامة من الخطي إلى التصويري (DU LINÉAIRE AU PICTURAL).

يميل الرسام القطري المعاصر- شأنه شأن رفاقه العرب الآخرين- إلى استلهام التراث بدون محاكاته؛ ولمن يهتفون في سرّهم: «أين القيمة في تلك الأحجار والأشكال القديمة وما هو الجمالي فيها؟»، يجيب الفنان الدكتور مصطفى عيسى- بمناسبة تقديمه لمعرض «تراث الأجداد» الذي نظّمه «مركز الفنون البصرية»- بقوله: «الأمر يتوقّف على إحساس المرء الخاص بهذا الجمال الكامن في حجر قديم يبعد مئات السنوات وربما الآلاف منها، وسوف يكون عزاؤنا حينئذ أن هذا التاريخ المُستعاد يحمل قيمة الجمالية بداخله حتى وإن تجسّد في أشياء وأدوات نفعية». وموطن الطرافة في هذا التعقيب تؤشر عليه كلمة (حتى) الواردة في الكلام السابق والتي تدل على انفتاح على الرهيف وذلك - دائماً حسب الفنان الدكتور مصطفى عيسى- في «خطوة تحتذي بما تقدّمه المتاحف الكبرى لأجل صياغة وتقنين ثقافة نوعية وحقبة تارخية، يظلّ الإنسان المعاصر بحاجة إليها ليتعرّف إلى أشياء توارت في صخب الحياة الراهنة». ولَعلّ هذا التوجه نحو إحياء ما له صلة بالصبغة الثّقافيّة المحلية ما يفسر صلاحية ما لاحظه عادل كامل من أنّ «الخزاف كان أكثر أمانة من الرسام في إخلاصه ووعيه لحدود عمله، ومن ثَمّ لم تفزعه الحداثة الأوروبية أو تشعره بالتخلُّف، كما لدى الرسام. بل على العكس سنرى الانتماء إلى التاريخ يشكّل رؤية لمواجهة عصر ما فوق التصنيع». ذلك أنه يصعب على الرسام أن يترجم الوقائع إلى تصورات في حين أنّ الخزاف مثلاً، يعالج المادة على نحو يستدعيها لأداء وظيفة ثقافية. واليوم، ارتبطت استراتيجيات مقاومة زحف الحوضرة في مدن الخليج (ومن بينها الدوحة) بردّ الاعتبار لسياق يسمح لعالم العجيب بأن يتموضع على مشارف عالم العادة، بما أنّ العجيب، من هذا المنظور، يُرى وإن كان متلبساً بغرض يحجب ظهوره (كما سبق أن بيّنه أعلاه الفنان الدكتور مصطفى عيسى بمناسبة تقديم معرض التراث القطري). وفي حال قدرته على الظهور فإن الغرض عندها سيغيب تحت سطوة الهالة التي تلف هذا الصنف من العجيب. وبوحي من هذه الهالة التزم الفنان القطري المعاصر بالنقلة من الخطّي إلى التصويري وأضحى يحاكي الزمن في حين أن الفنان الحداثي يحاكي الفكر، ولهذا كان الأخير يحرص على تغيير العالم في حين كان الأول - شأنه شأن أجداده- يسعى لتغيير فهمه للعالم. ومعلوم أنّ الزمن يمارس على الأفكار فاعلية تجعلها تتحوّل بالتدريج إلى أحاسيس. أي تحوّل الأفكار بعد انتشارها بين الناس إلى إحساس مشترك. لا عجب إذن أن تختلف خبرة الإقامة الفنّيّة عند الفنان المعاصر عنها لدى الفنان الكلاسيكي. ولهذا لا يربط الفنان المعاصر الإبداع بالشعر وإنما بالشعرية، أي بالشعر وقد أصبح شعراً معمماً، سواء من ناحية الأغراض أم من جهة الوسائط. وفي تقديري، فإنه أخذاً في الاعتبار لدور الحضور الحسّي في العالم في تبلور الخبرة الفنّيّة المعاصرة صدر القرار الأميري الرقم 65 لسنة 2005، والقاضي بفصل متاحف الدولة القطرية عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث وإنشاء هيئة مستقلة تنضوي تحتها المتاحف، باسم هيئة متاحف قطر. وصار المطلوب أن يذهب المتحف للآخرين بدلاً من انتظارهم من دون جهود يبذلها. وكما درج عالمياً اليوم على استلهام مبدأ (عبقرية الجوار) LE GÉNIE DU VOISINAGE على نحو يُحرّر من سطوة الهندسي تحدثت إدارة الحي الثّقافي بالدوحة (كتارا) عن طرازه المعماري فقالت: «تعمدنا العشوائية في توزيع المباني لتعطي الإحساس بالحي القديم (الفريج). لكنها عشوائية منظمة كي نحقق كل متطلبات الأمن والسلامة وتدفق الزوار وحركتهم». وهو تمسك من أصحاب القرار بالخيار المحلّي الذي يجعل من السياق المكاني مناخاً وبيئة وليس عمارة وهيئة صورية.

 موضوعات أخرى