مـدريـد.. عشرة أيّام لا تكفي!

محمد معوض



بمـجــرّد خــروجــك منــ مطار مدريد، يطالعك تمثال من البرونز لسيِّدة بدينة، عارية الساقين، لايحمل وجهها أيّ ملامح حُسْن، وإنما قدراً خرافياً من المرح والابتهاج، تمتطي ثوراً غاضباً يتطلَّع بعينيه إلى الفراغ، في حنق بالغ!

إنه ليس مجرّد تمثال، ارتأت بلدية العاصمة الإسبانية أن يكون أوّل ما تصافحه عين الزائر، بقدر ما هو رسالة تبعث بها المدينة إلى من يجيد الإنصات إلىلغة الأسرار الهامسة، حيث سيعرف- لاحقاً- أن التمثال يجسِّد واحدةً من أهمّ سمات المكان هنا: الروح النزقة، والميل الجارف نحو الحداثة، مع حنين إلى الماضي، في طبعته الرومانية.

هذه الروح ستطاردك في كلّ مكان تحلّ فيه، وتلوِّح لك، عبر مشاهدات عابرة، في الشوارع والأسواق والمقاهي. ولأنها تقع على ضفاف نهر مانثاناريس في وسط إسبانيا، وتخترقها الغابات والحدائق العامّة، تُعَدّ مدريد واحة هادئة تجسِّد الثالوث: الماء، والخضرة، والوجه الحسن.

رغم أنها ثالث أكبر المدن الأوروبيةبعد لندن وبرلين، وتحتوي على ستّ جامعات حكومية، وعلى العديد من المعاهد العليا، تبدو المدينة مولعة- بشكل خاصّ- بالتماثيل، ومداخل الحدائق، والميادين، والطرق المصمَّمة على هيئة واجهات المعابد الرومانية.

حططت رحالي في يوم شديد الحرارة، على نحو غير معتاد، في مدينة «يورو متوسّطية»، تتبع مناخ البحر المتوسّط، متمتِّعة بدرجة حرارة معتدلة، مع ميل واضح نحو البرد والصباحات الغائمة التي تتبلَّل فيها الغابات والأشجار بقطرات مطر، يكثر هطوله في الخريف وفي الربيع، بينما الصيف والشتاء، هما فصلا الجفاف، بامتياز.

ولا تندهش إذا قلت لك إنها تبدو- أحياناً أخرى- مثل منزل أنيق، تَمَّ تشييده فوق ربوة عالية، فمتوسَّط ارتفاعهاعن سطح البحر يبلغ667 متراً.

بصمات عربية

حين كنّا صغاراً، كان يتملّكنا كثير من الزهو، ونحن ندرس في حصص التاريخ المدرسي: كيف أن أجدادنا من العرب تمكَّنوا من شنّ حملة عسكرية عام 711، على مملكة القوط التي حكمت شبه الجزيرة الأيبيرية (عرفها المسلمون باسم الأندلس) بجيش من البربر، بقيادة طارق بن زياد الذي هزم الملك رودريك في معركة وادي لكه، ثم لم تمضِ 15 عاماً حتى كانت مناطق واسعة من إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا تمثِّل إمبراطورية عربية دامت قروناً. وكان يتملَّكنا الفخر بأن مدناً إسبانية كاملةً تحمل، حتى الآن، البصمة العربية، مثل غرناطة وقرطبة، فضلاً عن طليطلة التي تمّ تحريف اسمها إلى «توليدو»، وسرقسطة التي تَمَّ تحريف اسمها، الآن، إلى «ثارغوثا»، غير أن ما لم نعرفه، ويبدو أنك بحاجة إلى زيارة ميدانية لتكتشفه- هو أن العبق العربي لا يقتصر، في إسبانيا، على قصر الحمراء ومسجد قرطبة وغيرهما من آثار إسلامية تقع في الجنوب والشمال الشرقي من البلاد، ففي قلب العاصمة، هاهو تاريخ أجدادك ماثل أمام عينيك، و- تحديداً- في واحد من أكبر ميادينها: الكالا «القلعة»، واسمه الرسمي «بويرتا دي الكالا»، أي بوّابة القلعة. يفاجئك الميدان وأنت تستقلّ التاكسي، والسائق الإسباني ينطق بالاسم دون أن يعرف خلفيّته، وهو عبارة عن قلعة قديمة على الطراز الأموي، لم يبق منها سوى «واجهة» منحوتة بإبداع فوق أعمدة ضخمة، ومحاطة بالأشجار والعشب من كل جانب؛ ممّا أكسبها سحراً خاصّاً.

وكما هو الحال في عموم الدولة، لا تبدو مدريد سعيدة جدّاً بماضيها العربي، فهي إمّا طبعته بطابعها الحديث، أو تجاهلته تماماً. وعلى سبيل المثال، تبدو المدينة شديدة الدقّة والتنظيم في اللوحات الإرشادية التي تقودك إلى مزارات تاريخية، قد يبدوبعضها شديد التواضع. لكن، عندما يتعلَّق الأمر بسور المدينة العربي الأثري لا تجد ما يرشدك! والصدفة وحدها، أو إخلاص الأصدقاء العرب من الدارسين في جامعة كومبلوتينسي العريقة، يقودانك إلى أنه بجوار القصر الملكي وكاتدرائية مدريد اللذين يعدّان من أشهر المعالم التي يتهافت عليها السياح حيث يقع السور الذي يعود إلى النصف الأخير من القرن التاسع الميلادي.

السور بناه أمير قرطبة محمد الأوّل، ليكون الحصن الذي يحمي المدينة، وبسببه تطوّرت المنطقة الحضرية للعاصمة، وبمرور السنوات، لم تتبقّ منه سوى أجزاء صغيرة، ربّما يتّخذها الإسبان حجّة لتجاهله، رغم أن العديد من المؤرِّخين المرموقين يؤكّدون أن السور يُعَدّ أقدم مباني المدينة، على الإطلاق، ومع ذلك لا تتطرّق إليه كتب التاريخ، ولا تقدّمه بلدية العاصمة، في كتيِّباتها العديدة، إلى سيّاحها، الذين يقبلون عليها بكثافة؛ ما جعلها تحتلّ المركز الرابع على مستوى الاتّحاد الأوروبي، في المدن الأكثر اجتذاباً للسياح، إذ يزورها- سنويّاً- ما يقرب من ستة إلى تسعة ملايين سائح.

وفي قلب مدريد، تجد سحر الفراعنة شامخاً فوق تلّة في حديقة «باركي دل أويستي»، بالقرب من القصر الملكي، حيث يوجد معبد «ديبود» الفرعوني الذي أهدته مصر إلى إسبانيا عام 1968؛ تقديراً لمساهماتها في جهود إنقاذ معبد أبو سمبل.

ويبدو أن الخيال الإسباني أبى إلا أن يضع لمسته الخاصّة على هذا المعبد الذي يجتذب المئات يوميّاً، حيث توجد بركة ضخمة من المياه، فضلاً عن نافورة جميلة، تجعل المشهد العام فريداً من نوعه.



ذوبان الجليد كلمة السرّ

الطريف أن الماضي العربي لن تستطيع مدريد الهروب منه، حتى لو أرادت إذ كيف يمكن لمدينة أن تهرب من اسمها ؟ومن أشهر النظريات المتداولة في هذا السياق، أن أصل تسمية العاصمة، بهذا الاسم، تعود إلى الكلمة العربية «ماء جليد» التي تَمَّ تحويرها على اللسان الإسباني لتصبح «مجريط»، ومن ثَمّ مدريد.

وهناك نظرية قريبة من ذلك، تذهب إلى أن الأصل يعود إلى كلمة «ماء لديد» أي لذيذ، وكما ترى، فإن كلا النظريّتين تنطلقان من غرام العرب- قديماً- بلذّة مياه الشرب التي تُشتَهر بها مدريد، على مستوى العالم.

أيقنت ذلك حين دعاني بعض الأصدقاء إلى قضاء عطلة نهاية الأسبوع، في واحدة من الغابات الجبلية التي تشتهر بها المدينة، وتقع على الأطراف. كان منظر قمم الجبال رائعاً، وهي تلوح على البعد، متوَّجة باللون الأخضر المشوب ببقايا الجليد، الذي حان موعد ذوبانه. وفوق واحدة من تلك المرتفعات، بدا المنظر أخّاذاً: فهنا يمتزج الجبل بالغابة، على نحو فريد، وتمتدّ الأشجار في مساحات شاسعة تجعل من المكان الاختيار الأشهر للأهالي لكي يقيموا حفلات الشواء، حيث تَمَّ تجهيزه، من قِبَل البلدية، بمواقد حجرية، لإشعال النار في الفحم وبدء شوي اللحوم والدجاج، علماً بأن السلطات تحظر الشواء في شهرَيْ يوليو/تموز، وأغسطس/آب، بسبب ارتفاع درجة الحرارة وسهولة اشتعال الحرائق، التي طالما قضت على مناطق واسعة من تلك الغابات.

طوال الوقت، يصلك- بوضوح- خرير المياه في الجداول التي تسري من الأعالي، نتيجة ذوبان الجليد. إنها مياه رقراقة صافية شديدة العذوبة على اللسان، كما أنها- بالطبع- باردة برودة الطبيعة التي ضبطتها على الدرجة المثلى لتروي العطاشى، ألم أقل لكم إن أجدادنا العرب كانوا محقّين حين فُتِنوا بماء الجليد؟

وعلى ذكر الأجداد، ثمّة واحدةً من أجمل بنايات العاصمة، هي بنايةمعهد البيت العربي الذي تمّ افتتاحه- رسميّاً- في السابع من يوليو، عام 2008، وهو تحفة معمارية، تقوم على امتزاج الأسلوبين: الإسلامي، والأوروبي، فيما يسمّى «الفَنّ المدجّن الحديث»، والذي ظهر في شبه الجزيرة الإيبيرية في القرن التاسع عشر، معتمداً على استخدام الطوب الأحمر، وقد صمَّمه المهندس المعماري الإسباني «إمــيـــلـــيـــو رودريــجـيـــث ايوسوا»، وتمّ بناؤه في عام 1881، ليكون مدرسة، قبل أن يتحوَّل إلى «البيت العربي»، تحت إدارة المعهد الدولي للدراسات العربية والعالم الإسلامي، وهو جهة إسبانية يترأّسها وزير الشؤون الخارجية. ومن الخدمات التي يقدِّمها المكان دورات تعليم اللغة العربية، وندوات تتناول العلاقة بين الشرق والغرب،وعروض مسرحية تجمع، في صنّاعها، بين الإسبان والجاليات العربية التي يعدّ المغاربة الأكثر عدداً وتنظيماً بينها، على الإطلاق.

ولا تندهش، وأنت جالس في حديقة المعهد، من أن تسمع أغاني  فيروز، وأم كلثوم، معظم الوقت، فهناك قاعة مخصَّصة لأغنيات هاتين القمّتين، فقط!



نهارات هادئة.. ليل صاخب

لا يقتصر استخدام كلمة «ريال»، في العاصمة، على فريق ريال مدريد لكرة القدم، فالكلمة الشهيرة التي تعني- بالإسبانية- «ملكي»، نسبةً إلى طبيعة النظام الملكي الدستوري الذي يملك بمقتضاه، الملك خوان كارلوس، ولا يحكم، تجدها منتشرة في أنشطة أخرى مثل «ريال إسطنبول»، وهي سلسلة شهيرة لتقديم سندوتشات ووجبات الشاورما، على الطريقة التركية، بينما المطاعم اللبنانية تحظى، هي الأخرى، بحضور ملحوظ، لكن، غالباً ما يقصدها روّاد الإفطار، وعشّاق القهوة القويّة على الطريقة العربية، صباحاً.

وكما في أحياء وسط القاهرة، فإن الكابوس الذي يطارد أصحاب السيارات هو أن تجد موطئ قدم، لكي تركن سيارتك في الشارع، بعدما تُفاجَأ بأن ساحة الانتظار، التي تمتدّ عدّة طوابق تحت الأرض، قد امتلأت عن آخرها. السلطات حاسمةفي تطبيق نظام مروري، شديد الصرامة والسلاسة، في آن واحد، مع شبكة طرق تلتفّ حول الغابات، وتحيطها سلاسل جبلية، تمتد على جانبيها حدائق عامّة بديعة؛ مما يجعل قيادة السيارة متعة في حَدّ ذاتها، شريطة أن تحلّ مشكلة «الباركنغ».

النهار، عموماً، هادئ، والمدينة، طوال الوقت، تبدو مثل جميلة تستحمّ في نهر باطمئنان، متيقّنةً من أنه لا يوجد مَنْ يتلصّص عليها. رحلات «التلفيريك» فوق الجبال متعة، يحرص عليها الجميع: مواطنون، وسيّاح، كما أن حديقة «الريتيرو» ملتقى جميع الأعمار والجنسيات.

إنها أشهر حديقة في إسبانيا ويطلقون عليها، هنا، رئة العاصمة، كما أنها من أشهر الحدائق في أوروبا كلّها، وتتميّز ببحيرة جميلة، يمكنك أن تستأجر زورقاً صغيراً وتبحر فيها لمدّة نصف ساعة، نظير رسوم رمزية.

كانت، في الأصل، منطقة قصر استجمام الملك فيليب السادس، تَمَّ تدمير القصر في الحرب الأهلية الإسبانية (1936 - 1939)، وبقيت الحدائق التي تعدّ متنفَّس «المدريديين»، حيث تقام فيها المهرجانات والمعارض، كما تحتوي على اثنين من المباني الرائعة: الأول قصر الكريستال، والثاني قصر فيلاسكيز، ويقام، في هذين المبنيين اللذين يعود تاريخ بنائهما إلى عام 1884، العديد من المعارض. وتقع حديقةالريتيرو بالقرب من متحف «البرادو» الذي يحظى بشهرة عالمية.

يبدو الإسبان، في مدريد، عاشقين للّيل أكثر من النهار الذي يمتدّ طويلاً، حيث لا تغرب الشمس قبل التاسعة مساءً. إنهم يقضون معظم الأسبوع مستسلمين للترفيه المنزلي عبر التلفزيون، أما عطلة «الويك إند» فهي مخصَّصة لدعوة الأصدقاء للعشاء في المنزل، والذي من المتعارف عليه أن يبدأ في تمام التاسعة والنصف، حيث لا يغادر الضيوف قبل الواحدة صباحاً، وأحياناً تمتدّ السهرة إلى ساعات الصباح الأولى. لِمَ لا، في الغد عطلة؟

البديل الآخر يتمثّل في الخروج، حيث تبدو خيارات المطاعم عديدة، تعكس الطابع «الكوزموبوليتاني» للعاصمة، فبعيداً عن المطاعم الأسيوية التي باتت ذات حضور عالمي «تقليدي»، تتميّز مدريد بالمطاعم اللاتينية، لاسيّما البرازيلية والأرجنتينية التي قد يمتدّ الواحد منها على مساحة ملعب تنس، مع ميل إلى الطراز الحديث في الإضاءة والديكور. وتتفنّن في تقديم اللحوم المشوية المتبَّلة وفق وصفات خاصّة، مستفيدةً من انتشار المراعي الطبيعية والأبقار في هذين البلدين، مع تقديم «عروض» من رقصات «السالسا» أحياناً. ورغم أن مدريد ليست مدينة ساحلية، إلا أنها تشتهر بمطاعم الأسماك و«فواكه البحر»، التي يجب أن تكون مستعدّاً للعديد من مفاجأتها، حيث كثيراً ما يتم تقديم «كائن بحري» لك، كنوع من المشهِّيات، وهو لا يزال حيّاً يتحرّك، والمطلوب منك أن تسكب عليه المزيد من أنواع الخلّ القوي لـ «قتله»، ثم تغمسه في وصفة توابل آسيوية، و«بالهنا والشفا.. مطرح ما يسري يمري».

إذا كان يتملّكك الفضول حول متوسِّط أسعار الوجبات هنا، فدعني أطمئنك أنه معقول للغاية. بعض المطاعم «المحلّيّة» تتّخذ من رقصات الفلامنكو سلاحاً فعّالاً في معركة المنافسة. «ماريا خوسيه» أنموذج جيّد في هذا الإطار، هي راقصة فلامنكو، جمعت بين الفنّ والبيزنس، في مطعم صغير تديره، وحقّقت شهرة واسعة من خلال «شو» نهاية الأسبوع الذي تتحوَّل فيه إلى راقصة مدهشة صاخبة، رغم سنوات عمرها الخمسينية، والزيادة الطفيفة في الوزن، التي طرأت على قوامها. الـ(شو) يتمّ تقديمه بمصاحبة مطرب وعازف جيتار، يرتديان الزيّ المميَّز، من قميص وبنطلون أسود.

الطريف في مطاعم مدريد أنها تعكس في أسمائها مفاهيم ثقافية، لم نعرفها نحن- العرب- إلا في الكتب وعلى المستوى التنظيري، بينما تبدو هنا أسلوب حياة. وعلى سبيل المثال، هناك مطعم «بوئيميا» الذي يرتاده الإسبان من كافة الأعمار، ويعني «البوهيمية»، مع استبدال الهمزة بالهاء، بحسب مقتضيات اللغة الإسبانية.