مهنة الحروب القذرة

ترصد رواية «مَرّة أخرى» للروائي التركي الشاب هاكان جونداي، الصادرة- مؤخَّراً- عن دار جلعاد، في فرنسا، حياة مهرِّبي البشر. راويها يسرد، بشكل لافت واسثتنائي، حياة أحد المهرِّبين المتخصِّصين في الاتّجار بمآسي الشعوب. اختار الكاتب وجهة نظر مهرِّب، من الذين يسهِّلون حركة اللاجئين والمهاجرين إلى الفردوس الأوروبي. تكمن أهمّيّة الرواية في أنها اختارت تسليط الضوء على حلقة مفقودة في مأساة الهجرة، في البحر الأبيض المتوسِّط.

الرواية المتوَّجة بجائزة «ميديسيس» 2015 للرواية الأجنبية، حكاية مدهشة ومثيرة، تدمج الأجناس الأدبية، بحيث تتحوَّل، في أغلب فصولها، إلى سرد رحلي أو سرد شطاري، نرافق من خلاله مغامرة بطلها «غزع»، وهي رواية ساخرة تعالج موضوعات مثيرة للقلق في عصرنا، رواية لن تترك القارئ بمعزل عن قضيّتها، على الرغم من أنه يمكن، بسهولة، الانزياح عن موضوعها، نتيجة المنعطفات التي تتَّخذتها الحكاية.

«غزع»، بطل الرواية، نشأ في قرية تركيّة، على شاطئ بحر إيجه، تُوفِّيت والدته عند الولادة، ورغم ذلك، عاش حياة عادية، لكنه، في يوم من الأيام، سيكتشف الطريقة التي يكسب بها والده رزقه. كان غزع، حينها، في التاسعة، وابتداء من هذه المرحلة، سوف تتغيَّر حياته كلّيّاً، ولن تعود كما كانت عليه. انطلاقاً من هنا، سيهيِّئ غزع مصيره، دون حتى أن يستوعبه.

«أحد»، والد الطفل، يشتغل مهرِّباً، وليس أي مهرِّب! إنه مهرِّب للبشر: يتكفَّل بالنساء والرجال والشيوخ والأطفال، الذين فروا من أوطانهم، أملاً في حياة أفضل، قد تنتظرهم في أماكن أخرى من أوروبا. ومن الضروري أن تمرّ رحلة هؤلاء عبر تركيا، حيث يستضيفهم «أحد» فترة من الوقت، قبل أن يقودهم إلى أحد الموانئ النائية عن المراقبة، حيث يُشحَنون داخل مراكب، ويُكَدَّسون كما تُكَدَّس البضائع المهرَّبة.

وما إن علم غزع بمهنة والده حتى أصبح مساعده. الوالد- أيضاً- تعلَّم هذه المهنة القذرة، وهو، بعد، في العاشرة من عمره. يعترف الوالد أنه تعلَّمها بصبر، وأدرك أسرارها كلّها، واستطاع أن يجيد معرفة، ليس طرق الهجرة السرّيّة فحسب، بل أن يحصل منها-أيضاً- على أكبر قدر من الاستفادة المالية.

ظهر، مع مرور الوقت، أن غزع موهوب جدّاً، وسيعمل على تطوير مؤسَّسة الهجرة العائلية، ويقفز بها إلى القرن الواحد والعشرين، وذلك من خلال إدخال تكنولوجيا المعلومات، كما سيسهر على تنفيذ مخطّطاته الجهنّمية، مستغلّاً النساء وتقسيم المهاجرين إلى مجموعات صغيرة، تفادياً لأيّ تمرُّد أو عصيان.

أصبح غزع وحشاً صغيراً، موظِّفاً ذكاءه الحادّ في سبيل تحقيق مشاريعه ومشاريع والده الإجرامية والمربحة، واعياً أن هذه الأعمال غير قانونية وغير أخلاقية، لكن هذا لن يستمر طويلاً، فقد تسبَّبَ غزع في مقتل أحد الأشخاص المرشَّحين للهجرة، يدعى «كوما»، وهو أفغاني. الموت كان عَرَضياً، لكن إهمال غزع هو ما تَسبَّب فيه. دَفَن غزع المهاجر في مكان سريّ، لكن شبحه أخذ يلاحقه في كلّ مكان، وصوت داهم يقضّ مضجعه حَدّ الجنون، لكن صحوة الضمير هذه لن تستمرّ طويلاً؛ ففوائد العمل المالية الكثيرة لا تزال كافية لإخماد تأنيب الضمير. يبدو، في بعض الأحيان، أنه يصارع نفسه، ولكن، ليس بما يكفي لوضع وجوده ونشاطه في وضع المساءلة والانتقاد.

غزع هو نتيجة التربية التي تلقّاها من والده: أب قاس أو خارج عن القانون، لا يهمّه إلا المال الذي يجنيه. ومن الصعب، في هذه الظروف، أن نتخيَّل طفلاً ملاكاً، وحتى وإن كان، في الأصل، ملاكاً، إلا أنه، في جحيم هذه المغامرة، سيتحوَّل إلى شيطان، عن سبق إصرار وترصُّد.

بطل الرواية يشبه، كثيراً، ماكسيميليان أوي بطل رواية جوناثان ليتل «المتسامحات» الفائزة بجائزة الغونكور، فهما يتقاسمان، معاً، طباع التوحُّش المكتسَب وأعراضاً عصابية وعيشاً على حافّة الجنون، وهما لا يجسِّدان التوحُّش البشري فحسب، بل يجسِّدان، معاً، عصراً مريباً ومرعباً.

اختار الراوي سرداً قريباً من الحكايات الفلسفية لعصر الأنوار، وكأن غزع نشأ في عصر الكوارث! بطل فُرِض عليه أن يعيش في رعب، يصنعه بنفسه أو يبحث عنه، رغم أنه يعلم أن طريقه لن تقوده إلا إلى خسارة محقَّقة. لكن، من خلال هذه الرحلة الفوضوية، والمكتظّة بالأصوات والغضب والجنون واللامعقول، قام هاكان جونداي بدوره المنوط به، وهو أن يقود القارئ في متاهة هذا العالم المريب الذي نعيش فيه؛ عالم وجدت فيه تركيا نفسها منطقة وسيطة، لا غنى عنها، بين الشرق والغرب.

وُلِد هاكان جونداي في 29 مايو (1976)، في «روديس». كاتب تركي متألِّق، نال عام 2011 جائزة أفضل رواية تركيّة عن روايته «من جهة إلى جهة أخرى».

 موضوعات أخرى