جسر الجواسيس رياح الحرب الباردة تهبّ من جديد

د. رياض عصمت

رياح الحرب الباردة تهب من جديد، والسينما جسّدتها في العام 2015 عبر سلسلة أفلام، منها «جاسوسة»، «سبكتر»، «أنكل»، و«مهمة مستحيلة: أمة الخداع»، لكن فيلم المخرج الشهير ستيفن سبيلبرغ «جسر الجواسيس» BRIDGE OF SPIES يتبوأ بلا شك مكانة مُتقدّمة بينها جميعاً بجديّته وإتقانه. إنه فيلم سبيلبرغ الروائي رقم 27، وهو التعاون الرابع بينه وبين النجم توم هانكس - حائز الأوسكار لمرتين متعاقبتين عن «فيلادلفيا» و«فورست غامب» - رغم أن عشر سنوات انقضت على آخر تعاون بينهما، إذ سبق أن مثَّل هانكس في «إنقاذ العريف رايان»، «أمسكني إذا استطعت»، و«المطار» من إخراج سبيلبرغ.

يلعب توم هانكس في «جسر الجواسيس» (2015) دور محامي تأمين ورب أسرة مثالي يكلَّف في عام 1957 بالدفاع شكلياً عن جاسوس سوفياتي أُلقي القبض عليه، فإذا به يتبنى المهمة بإخلاص ويسعى جاهداً لإنقاذه من حكم الإعدام بإقناع السلطات أنهم لابد سيحتاجونه حياً ذات يوم لمبادلته بأي مواطن أميركي يُعتقل في الاتحاد السوفياتي بتهمة التجسس. يتعرّض المحامي دونافان وأسرته إلى اضطهاد وتهديد لسلامتهم، لكنه يصمّم على الاستمرار في مهمته التي يشعر أنها تجسّد روح الدستور الأميركي ومبادئ العدالة التي يستحقها كل إنسان. إنه يجد موكله الجاسوس رودلف إيبل (لعب دوره باقتدار هائل مارك ريلانس)، رسّاماً جديراً بأن يدافع عنه، وموظفاً يقوم بواجبه بإخلاص، رافضاً كل العروض المغرية لخيانة ذلك الواجب. يتمكّن المحامي السابح عكس التيار من إقناع القاضي أن يحكم المتهم بالسجن ثلاثين سنة بدل إعدامه. في الواقع، يُذكِّر النصف الأوّل من فيلم «جسر الجواسيس» بأفلام المحاكمات الشهيرة، وذروتها فيلم «12 رجل غاضب» للمخرج سيدني لوميت، لكن «جسر الجواسيس» لا يتابع هذا المنحى إلى النهاية، بل ينعطف نحو اتجاه آخر كليّاً عندما تتداخل حبكته مع حبكة إرسال طيار شاب بطائرة تجسُّس تحلّق عالياً لالتقاط صور لمواقع سوفياتية. تسقط تلك الطائرة ويعتقل الطيار الشاب، ويصبح هَمّ المخابرات المركزية الأميركية مبادلته بالجاسوس السوفياتي العجوز. هنا، يضطرون إلى اللجوء إلى المحامي دونافان من جديد، لأنه مفاوض بارع في الإقناع لا يرتبط بمنصب رسمي. في تلك الأثناء أيضاً، يتم اعتقال طالب أميركي في برلين الشرقية يكتب أطروحة عن الاقتصاد الشيوعي، ويُتّهم بالتجسُّس، فيحمّل جيمس دونافان مسؤولية مضاعفة للتفاوض من أجل إقناع السوفيات والألمان الشرقيين بإطلاق سراح الأسيرين مقابل الإفراج عن الجاسوس السوفياتي. وسط مصاعب وعقبات وإحباطات ومخاطر، يحصد جيمس دونافان ثمار إصراره، ويتم الاتفاق على تسليم الأسيرين الأميركيين مقابل الجاسوس السوفياتي. في لحظة حاسمة، عندما يتأخر تسليم الطالب المعتقل، يرفض الجاسوس السوفياتي تسليم نفسه للروس قبل أن يفرج عن الأسير الأميركي الثاني، وذلك امتناناً منه لنزاهة محاميه تجاهه. هكذا، يحقّق دونافان حلمه ويعود بالشابين الأميركيين إلى وطنهما. خلال رحلة العودة، يفتح دونافان الهدية التي تركها له موكله، فإذا بها لوحة بورتريه زيتية رائعة لشخصه. تظهر كتابات في نهاية الفيلم الممتد زهاء ساعتين وثلث الساعة لتعلمنا بمصائر أبطاله، وأكثر ما يهم أن المحامي جيمس دونافان كُلِّفَ بعد ذلك بالتفاوض لإطلاق سراح الرهائن الأميركان بعد فشل عملية «خليج الخنازير» في كوبا إبان عهد الرئيس جون كينيدي، فنجح في تخليص حوالي 7.900 شخص من الأسر.

ليست فكرة إنتاج فيلم عن المحامي جيمس دونافان جديدة، فقد راودت فكرة تجسيد الدور في عام 1965 النجم غريغوري بيك، على أن يسند دور الجاسوس السوفياتي إلى الممثل الكبير إلك غينيس. لكن الشركة أحجمت عن الإنتاج تجنباً للخوض آنذاك في موضوع الحرب الباردة، فظلّت الفكرة نائمة إلى أن جاء ستيفن سبيلبرغ وأحياها عبر سيناريو محكم وبارع كتبه مات شارمان مع الأخوين إيثان وجويل كوين. يحافظ ستيفن سبيلبرغ هنا بميزات أفلامه الجادة، مثل «اللون البنفسجي»، «إمبرطورية الشمس»، «قائمة شيندلر»، «إنقاذ العريف رايان»، «ميونيخ»، «المطار» و«لينكولن». إنه يجعل من إنسان عادي بطلاً، وينمي صورته الدرامية عضوياً من الداخل. في البداية، نرى جيمس دونافان شخصية عادية، لكنه سرعان ما يتسامى ويتحمّل الاضطهاد دفاعاً عن مبادئه من أجل إحقاق جوهر العدل، وليس صورته الشكلية فحسب. ثم، نراه يتطوّر فيقبل خوض مغامرة جديرة بأبطال المغامرات عبر الذهاب إلى برلين الشرقية، ومخالفته بعناد قرار مرافقيه المراقبين من المخابرات المركزية الأميركية كي يحقق هدفه المأمول في الإفراج عن أسيرين أميركيين مقابل الإفراج عن الجاسوس السوفياتي. لكن الشخصية التي أداها توم هانكس بثقة واقتدار ليست شخصية مغامرة على الإطلاق، إذ نجده يتخلّى ببساطة عن معطفه في عِزّ الشتاء لزعران ألمان اعترضوا طريقه، ونراه يفاوض وأنفه يسيل من زكام تعرّض له بسبب البرد، كما أنه رجل بعيد كل البعد عن المغامرات العاطفية التي تلائم جيمس بوند.

إن النقيصة الوحيدة الكبرى في فيلم «جسر الجواسيس» لا تكمن في مصداقيته، ولا في واقعيته، ولا في إقناعه الدرامي، بل في تفادي سبيلبرغ المقصود زيادة جرعة التشويق فيه. تتيح القصة تلقائياً أرضاً خصبة لمحصول إثارة أكبر بكثير، ولمفاجآت سبق أن اشتهر بها سبيلبرغ نفسه في أفلامه ذات المنحى الجماهيري الناجح، مثل سلسلة «إنديانا جونز»، «هوك»، و«تن تن». المشهد شبه الوحيد في إثارته هو مشهد المحامي دونافان حين يشعر وهو يسير تحت المطر حاملاً مظلته أن ثمّة مَنْ يلاحقه، فيخاف ويختبئ، ثم يكتشف أن ملاحقه ليس سوى عنصر من المخابرات المركزية الأميركية يريد الانفراد به في مقهى ليطلب منه نقل ما يبوح به موكله من أسرار، فيرفض ذلك حفاظاً على شرف المهنة. في الواقع، كانت هناك فرص كثيرة متاحة في برلين لمشاهد بالغة الإثارة، خاصّةً مع وجود مشاهد عابرة لإطلاق النار على مَنْ يحاولون اجتياز جدار برلين بشكل غير قانوني ولرهبة حواجز التفتيش، لكن سبيلبرغ أشاح بظهره عن معظمها ليقصر جهده على تقديم فيلم واقعي رصين ومتوازن، مبتعداً عن النزعة التجارية.

الجدير بالذكر، أن جميع مشاهد الفيلم تَمّ تصويرها خلال 12 أسبوعاً من قِبَلِ المصوّر يانوس كامينسكي في نيويورك وألمانيا وبولندا، واُختيرت مدينة فروتسواف البولندية بديلاً عن برلين. قام بالمونتاج مايكل كاهن، وألّف الموسيقى التصويرية توماس نيومان. نال الفيلم علامة 8.3 في أسبوع عرضه الأوّل، وهو تقدير مستحق بجدارة.

 موضوعات أخرى