الغصن الذهبي

عبد المنعم رمضان



فيما إدوار ينظر إلى أعلى، ويربّت على كتف الزمان، خُيِّل إليّ أنه الطريقة والحلم، أكثر منه الرسالة والواقع، ولمّا، في أواخر أيامه، أصابه النسيان، ثم أصابه الرحيل، فهمت لماذا حرموه أوسمة وداعه المستحقّة، لكنه فاجأهم، بالتحديد، يوم جنازته، ونال وسامه الخاصّ، وسام الشرف الرفيع، فالأنظمة التى لا تكرّم إلا منشديها الخصوصيين أو مراسليها الحربيّين، منعت جنرالاتها وجنودها وأدوات زينتها ومراثيها من التهليل له، كي تتركه لما تظنّه العدم.

في آخر مرّة رأيت فيها إدوار، كنا نحتفي بإعادة إصدار بعض أعماله، أحاطته جورجيت وإيهاب: زوجته، وابنه، كأنهما يحرسانه، وأحاطه المحبّون، كأنهم يغبطونه، وبعد أن انحلّت الحراسة والغبطة، أصبحنا نواجهه كما اعتدنا، منذ عرفناه، لكن عينيه، هذه المرة، ظلّتا تلمعان وتحدِّقان فينا، وتستفهمان، كأنهما تجهلاننا. وعلى الرغم من ذلك كانتا تبتهجان بمجهول يحيطه ويشمله، لانراه معه. أحسب أن وجهه في تلك الليلة كان وجه نبيّ، فيما كنت أتمنّى أن أرى الوجهين اللذين كنت أراهما معاً عندما أقابله: وجه النبيّ، ووجه الجنّي. أعترف أنني أسفت لغياب الوجه الثاني، الذي لم أتوقّف، فيما مضى، عن استثارته ومشاغبته، تذكَّرت بدايتنا معه أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، كنّا نلهث وراء رغباتنا في تحطيم الهواء الثابت فينا، والثابت حولنا، كنّا نلهث، وبشغف، وراء البنية الثقافية السائدة، نطاردها لتختفي وتحلّ محلّها آداب الاختلاف وفنون التعدُّد، لم نكن نكره نجيب محفوظ ويوسف إدريس، كنا نحبّهما، ونحبّ معهما صلاح عبد الصبور وأحمد حجازي، وإبراهيم المازني وطه حسين، والجاحظ، وأبا نواس، وأحمد شوقي والجواهري، وجبران وبدوي الجبل، ونزار قباني وسعيد عقل. كنّا نحبّهم، لكننا، هكذا كنّا، نستريب في أهمّيّة أن نعاصرهم، أن نجعل زمننا تحت أقدام زمنهم، نستريب في وجودنا، إذا فعلنا ذلك، كنّا- على الأرجح- نرغب: إمّا في تعريتهم، والكشف عن تآكل أعضائهم، (بعضها أو كلّها)، أو في تغطيتهم وإلباسهم تلك الجلابيب الواسعة، جلابيب التراث، بعد أن نبخّرهم، وندعو لهم: كونوا تراثاً، كونوا تراثاً. ولأننا، منذ يفاعتنا، كنّا ندرك أننا لانعرف الحقيقة كلّها، ولن نعرفها، لأننا كنّا كذلك، بحثنا عن مرشدين محمومين قلقين، وتفرّقنا: بعضنا لجأ إلى الشاطئ الآخر، الشاطئ الأزرق العينين، وبعضنا آوى إلى بهو الشياطين، وبعضنا انتبه إلى أدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وتروتسكي، وبعضنا هرب إلى المتاهة، غير أننا التقينا جميعاً، وكنّا عصبة واحدة.

في منزل إدوار الخرّاط، في الزمالك، دخلنا غرفته بعيون عنيفة وحائرة، وخرجنا منها بقلوب أكثر عنفاً وأشدّ حيرةً. في كلّ مرّة، كنّا نجد إدوار على الصورة ذاتها: راديو السبعينات بصوته الخفيض، يدلّ مؤشرّه على البرنامج الموسيقي أو على البرنامج الثقافي، وكتب الأزمنة كلّها تحجب حيطان الغرفة، ولاتترك له، ولنا، إلا كرسيّه أمام مكتبه، الذي- في جهته الأخرى- تتلاصق مؤخِّراتنا المحشورة في حيِّز، يجبرنا على الخشوع أو التمرُّد، وكنا لا نخشع أكثر من دقائق معدودة، بعدها نتسابق- وهو أوّلنا- لنمارس شهوة العصيان. ذات مرّة، صادفنا، في غرفته، أحد القساوسة، أو الرهبان، بلباسه الأسود الفضفاض، كانت قامته قامة شابّ نقي، ووجهه يوحي بالذنب والغفران، ورغبته في الكلام أمام الضيوف الشعراء تعادل رغبتنا في الصمت أمام راهب، فاجأناه بإنصاتنا، وفاجأَنا باعترافاته عن غرامه المحموم بشعر نزار قباني. لحظة اعترافه، رأينا احمرار وجهه ولسانه، أشكّ أنني ظننتها- أوَّلاً- حمرة الخجل، ثم عدلت عن ظنّي وتصوّرتها حمرة الشهوات المكبوتة، وتذكَّرت راهب هرمان هسه. آنذاك، كان إدوار يراقبنا، ويفحص ردود أفعالنا، كأننا شعبه الذي، ذات يوم، قد يطيح به، ومن الحائط كانت صورة البابا هي الأخرى تراقبنا، قبل زيارتنا الأولى لإدوار، كنّا قد قرأنا مجموعته «حيطان عالية»، بغلافها الذي يشبه نحتاً على جدار، كلّنا اشتريناها من سور الكتب القديمة، سور الأزبكية. كان تاريخ صدورها عام 1959، يسبق تاريخ بلوغ أيّ واحد منّا، في سنة 1972 اشترينا «ساعات الكبرياء»، من مكتبة الكتب الجديدة، مكتبة مدبولي، الوحيدة التي فتحت عيوننا على مطبوعات بيروت، بهرتنا المجموعتان، بهرتنا اللغة التي جنح إليها، وجنح بها، والنظرة المائلة التي اندهشت وهي ترى الأشياء والموجودات والبشر، مازلت أذكر كيف احتفى يحيى حقي بالحيطان العالية، مازلت أذكر كيف وثقت بحفاوته، واعتبرتها شاهداً على مزاجي. محمد خلاف شاركني هذه المشاعر..

كانت الكتابة القصصية، قبل إدوار، كلّها في جانب، وحيطانه وساعات كبريائه في الجانب الآخر، حيث القصّاصون غيره، يحكون بشفاههم، في الأغلب، وهو، في الأغلب- أيضاً- يحفر بلسانه، هم ينزلون إلى النهر أكثر من مرّة ولايسأمون، وهو يشقّ نهره، ولا ينزله إلا مرّة واحدة، لغاتهم عابرة تؤدّي واجباتها وتنصرف وتأفل، ولغته حاضرة بغير واجبات إلا أن تحافظ على استمرار إقامتها. منذ 1959 حتى 1972، كانت الحيطان والساعات هما إنجاز إدوار الإبداعي، كأن إدوار الذي احتفل في صحّة ليون تروتسكي، والذي سُجِن في صحّة نظريّاته ورؤاه، كان يشعر بأنه مقموع تحت سماء عصر عبد الناصر العظيم، السماء التي لم تسمح لأحد بالطيران بعيداً، لذا هرب إدوار، في فترة القمع، من الكتابة إلى الترجمة: أحد عشر كتاباً، بينها «الحرب والسلام» لتولستوي، وبينها- أيضاً- رواية «الشوارع العارية» لفاسكو براتوليني، الإيطالي الذي مازلت أطارده، وبينها، كذلك، «مشروع الحياة» لفرانسيس جانسون...

أتذكَّر، الآن، جيداً، أن زيارتنا الأولى لإدوار كانت سنة 1978، قرأنا عليه شعرنا، واغتبطنا عندما احتفظ بصورة ممّا قرأناه، واغتبطنا أكثر عندما أهدى كلّ واحد منا نسخة تجريبية من روايته «رامة والتنّين» التي ستصدر بعد ذلك، بعام واحد، وكما انشغلنا بـ«رامة» كنصّ أدبي، انشغلنا بها، وبسبب حماقتنا، كسيرةٍ أكيدة جعلتنا نغتاظ من محمود درويش، الذي ظنناه الشاعر الذي سيخطف «رامة» من إدوار، المهمّ أنه منذ «رامة والتنّين»، انتقل إدوار من الترجمة إلى التأليف، سواء التأليف بنفسه أو التبشير بتآليف بعض الآخرين، والجامع بينهما هو ذلك الإلحاح على مفارقة المتن، وتعمير الهامش، هامشه الذي ظلّ يحمل تسميات تتوالى، أوّلها «الحساسية الجديدة» التى انطلقت، وحلّقت، وشاعت، واستخفّها النقّاد الإيديولوجيون، وبعد استخفافهم تهيَّبوها، وبعد التهيُّب حاولوا أن يحاصروها، وفيما التسمية تتعدَّل، تصبح الكتابة عبر النوعية، ثم تصبح ما وراء الواقع، وشاهداها الدائمان هما روايات إدوار وقصصه، وشعر السبعينات وقصصه، يضاف إليهما شواهد متناثرة أخرى، فعلى الرغم من أن إدوار كان شريكاً في صناعة «غاليري 68»: الجماعة، والمجلّة، والتي عَدَّها البعض مرآة جيل الستينات، إلا أن إنجاز إدوار الراسخ كان في تقديمه لجيل السبعينات، وأكثر الذين خانوه كانوا- أيضاً- من أبناء ذلك الجيل، فلحظة إدوار الذهبية وافقت- بالضبط- لحظة جيل السبعينيات، كأنهما، معاً، أصل ومرآة، وإدوار صاحب مرايا، والسبعينيون أصحاب مرايا.

ذات مساء، اصطُحِبت السيدة مها بيرقدار الخال، زوجة الشاعر يوسف الخال، إلى منزل إدوار، غير أنها أحسّت بانقباض وضيق، فانصرفنا، واستأجرنا قارباً في النيل، أعاد إلى وجهها بشاشته، ولمّا سألتها: لماذا ضاق صدرك؟ غمغمت وهمهمت وصمتت، فأدركتُ أنها لم تستطع أن ترى وجهها في مرآة إدوار، الأصحّ: في إحدى مراياه..

في منزل إدوار، صادفت كثيرين، وأحببت، وكرهت كثيرين: أحببت توفيق حنا، والقس العاشق، ولم أحتمل بدر الديب. وعلى لسان إدوار صادفت كثيرين، وأحببت، وكرهت كثيرين: أحببت عدلي رزق اللـه وأحمد مرسي، واعتدال عثمان، وسعيد الكفراوي، ونبيل نعوم، ورؤوف مسعد، وابراهيم أصلان، وكرهت يوسف السباعي، ولم أستطع أن أتعاطف معه، أقصد مع إدوار، عندما، ذات ليلة، حكى- بشجَن- كيف نجا من الموت ساعة اغتيال يوسف، ولم أستطع أن أخفي فرحتي، عندما، ذات ليلة أخرى، بشَّرَنا بأن رواية جديدة وأولى لإبراهيم أصلان، اسمها «إمبابة مدينة مفتوحة»، سوف تزيح ثلاثية نجيب محفوظ، ولمّا نشر إبراهيم روايته بعنوان آخر: «مالك الحزين»، قرأناها، وأحببناها، لكننا لم نستطع أن ندّعي أن «مالك الحزين» أزاح الثلاثية، عرفنا أنه- فقط- استطاع أن يقف على أحد أسوارها القريبة، بعد أن فقأ عينَي الحارس، وطبع أغنيته على لسان إدوار.

شغل إدوار الخرّاط العالم الأدبي طوال زمنه الذهبي، لكنه، قرب نهاية زمنه، حاول أن يفعل كلّ أفعال الإنسان الكامل: كتب الشعر، ورسم اللوحات، وبشّرَ بالقصّة القصيدة، فجاء شعره، مثل شعر بدر الديب، خالياً من التراب والماء والهواء، وجاء رسمه مثل رسم شخص لا أعرفه، وأصبح أبطال قصّته مجهولين منسيّين، ولم تعد لهذه الأفعال أهمّيّة سوى أنها تعيننا على النظر والسفر داخل قصصه ورواياته، التي أنشأها أيّام عصره الذهبي.

أذكر أنه، بعد أن أصاب إدوار مرض النسيان، اتّصلت به تليفونياً، وفور أن سمعت صوته، سمعت صوت جورجيت، كانت على السماعة الأخرى، تحاول أن تعينه على التذكُّر، وأن تعينني على الفهم. بعدها، لم أجرؤ على تكرار التجربة، ولمّا قرأت خبر نعيه، رأيته أمامي: في يده سيجارة، وضحكته تجلجل، وذكرياته عن السرياليين المصريين تملأ فمه، فتخيَّلته يراوغني بالموت، وآثرت أن أصدِّق اللعبة، وطلبت منه أن يمنحني بعض الوقت كي أقرأ ترجمته لبول إيلوار، التي كنا ننوي أن ننشرها في مطبوعاتنا، لكنه ابتسم ابتسامته الماكرة، وهمس في أذني: اعذرني، إنهم ينتظروني، سألته: من؟، أجابني: السيد المسيح، وألبيركامي، وأمّي، ثم أضاف: وسوف أنتظرك. وبعد أن خطا خطوة، بعيداً عن الزمن، عاد وقال لي: أنصحك أن تتأخّر، تشبَّث بوقتك، أيّها المغفَّل، ثم قفز إلى أعلى، فجلست أسأل نفسي: ما هذا الشيء الذي يجمعهم في قلبي: جورج حنين، ومحمد عبد الوهاب، وفيروز، وأنسي الحاج، وإدوار الخرّاط؟ ولمّا لم أعرف الإجابة، انكفأت على وجهي، وحلمت ببحيرة من العرق، سبحت فيها، وسمعتهم يقولون، وهم يشيرون إليها: بحيرة الوقت، بحيرة الوقت، ثم انصرفوا إلى الجنازة، كأنهم يحتفلون.

 موضوعات أخرى