أفلام الربيع العربي.. الصورة تحمي الذاكرة من النسيان

نـاهـد صـلاح



لَعلّ عام 2015 هو عام الحسم في السينما لما اُصطلح عليه في السنوات الأخيرة بـ«أفلام الربيع العربي» كأيقونة أُعدت بسرعة أو ببطء لتؤثّث لصور لا تخصّ سواها وتكون صرخة البشر في براري السينما، حيث انسلت الصور من الواقع إلى الشاشات تنقل أثر الثوار والعابرين على جسور الجمر والنار، لكن هل حَثّ الزمان خطاهم، أم انكسر الأمس فوق «بلاط» الحاضر وتشظت الصور؛ وأصبح من يُعيد تركيبها كمن يطوّق نفسه بسياج الشوك؟ الإجابة ربما تحملها أفلام ظهرت في هذا العام الفاصل لتعلن موقفها من الربيع العربي بأشكال متباينة تحسم جدوى الثورات وما تبقّى منها، فقد عشنا منذ العام 2011؛ عام البداية مع أفلام انحسرت عن زمان مختلف في فضاء راح يؤكد لنا أن كل شيء يبدأ من جديد، ما أطلق عليه بعض السينمائيين «أفلام اللحظات القصوى» تعبيراً عن تطوّر الصورة والشغف بها لدرجة استخدام كل أدوات التكنولوجيا لنقلها، بما فيها أجهزة التليفون المحمولة التي استخدمها دون حذر لا يلائم فعل الثورة ذاته وإنما لكي تنقل أحاسيس اللحظة الحادة، حسب تعبير علماء الاجتماع، وتؤكد أن السينما شأنها تيار متدفق، متصل الظواهر، لا يمكن فصل لحظته الراهنة عن ماضيه أو مستقبله، ولذلك فإن أي ظاهرة جديدة تتفاعل مع مجمل العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية المحيطة، لتصوغ نفسها ببطء يصعب الانتباه إليه أو إدراكه في لحظة التشكّل والتغيّر، وعلى هذه الخلفية فإن أفلام اللحظات القصوى هذه، هي عادة أفلام تُصنع تحت ضغط الثورات والمراحل الانتقالية واللحظة الفارقة في التاريخ، وهي عوامل شكّلت إطاراً واضحاً لسينما خرجت من عباءة الثورات العربية وربيعها.

ولمّا تصبح الجغرافيا مدخلاً للتاريخ، وهو ما علّموه لنا على مدار عمرنا في المدارس وفي بقع الدماء على الخرائط، نبدأ بالسينما التونسية، فالإجابة: «تونس» كما عرفنا، وتونس كانت أم ثورات الربيع العربية وبداية الخيط الذي تعلّق بين صخرتين، ليأتي فيلم جديد يحاول أن يُعيد تكوين المسافات، وهو فيلم «على حلة عيني» (تعبير تونسي يعني أول ما استيقظت من النوم، أو بالدارجة المصرية أول ما فتحت عيني)، الفيلم الحائز على جوائز عِدّة أحدثها الجوائز الأربع في الدورات الفائتة لمهرجان أيام قرطاج السينمائية، والذي تدور أحداثه خلال أشهر قليلة تسبق الثورة التونسية، وهو أيضاً الفيلم الروائي الأول لمخرجته ليلى بوزيد، فيلم يقدّم على طريقته شهادته عن الثورة وشخوصها وأحوال البلاد التي فاضت عن المعنى حتى سارت في معراج الثورة، (انظر تفاصيل عن الفيلم هي....):

وهو النَفَس ذاته، النَفَس الثوري، الذي اتخذه والدها المخرج الكبير نوري بوزيد في فيلمه «ما نموتش» أو «ميلفاي»، العنوان الفرنسي الذي يعني نوعاً من المخبوزات الشهيرة، ويُعدّ أول فيلم روائي طويل ينجز بعد الثورة التونسية، صحيح أن الثورة كموضوع مباشر وحدثي ليست هي محور أحداثه، لكنه وضع نقاطاً على حروف مجتمع يعيش على تناقضاته في صراعات أخلّت بتوازنه وثقلت على أفراد تَمّ قهرهم في سجون نظام «بن علي»، وبعد ثورة 14 يناير تحوّل السجين إلى سجّان مصاب برعشة حمى الإقصاء والتطرّف، يطارد المرأة بوحشية ليدجّنها في حظيرة أفكاره، جعل بوزيد المرأة محور فيلمه واستخدم كاميرته لترصد خيبات مجتمعه ومنعطفاته، وهو ما برع فيه خلال مشواره السينمائي الموشوم بأفلام «ريح السد»، «صفائح من ذهب»، «بزناس»، «بنت فاميليا» وغيرها.

ربما تكون مساحة الجرأة في «ما نموتش» أوسع ما تجعله فيلماً استفزازياً ومثيراً للجدل، خصوصاً حين يطرح قضية الحجاب وازدواجية الوجه المجتمعي والتلاعب بالنصوص الدينية بين الإسلاميين المتعصبين المستندين إلى العنف والبلطجة، ما يقدّم لنا إجابة عن السؤال الملح عن تزايد الشباب التونسي في انضمامهم إلى «داعش»، والليبراليين أو الذين يدعون انفتاحهم على الحياة وانشغالهم بتناول الخمور أكثر من الاهتمام بخراب مجتمع يتفكّك أمامهم، والمرأة التونسية بينهما تعاني من النظرة الذكورية التي تستخدم الدين حجة لتمرير رغبات حسيّة تنمو في أحضان التطرّف. فتاة تقف في المسافة الوسط بين شقيقها السلفي العاطل عن العمل بعد خروجه من السجن رافضاً عدم حجابها وعملها كـ«جارسون» في أحد المقاهي وهي التي تعول أسرتها بعد تقاعد الأب المتعاطف مع ابنته لكن لا حول له ولا قوة، وبين خطيبها الخادع بوجهه المتفتح فيما يلح على خطيبتها ويمارس معها كافة الضغوط والحيل كي تتحجّب، وفتاة أخرى هي خطيبة الشقيق الذي يطاردها بهواجسه بالرغم من أنها محجبة في بلاد لاحقها العنف والقتل الذي طال عازف أوكورديون أعمى يعزف على الطرقات (لعب دوره نوري بوزيد)، ليتوالى المشهد البصري انعكاساً للفترة الحرجة التي مرّت بها تونس عقب ثورتها وتأكيداً على أنه مهما حدث من محاولات لمحو الحرّيّات فإنها تستعصى على ذلك كما يستعصى أن تموت البلاد.

بلدان متجاوران، تونس والجزائر؛ الأولى هي أم ثورات الربيع العربي وأخذت حصتها السينمائية المعقولة، والجزائر لم تمرّ بها ريح الثورات ولا ربيعها، تونس روائياً ووثائقياً روت أفلامها عن الثورة، وهناك فيلم وثائقي مهم هذا العام قدّمه المخرج التونسي الشاب أمين بوخريص في فيلمه الوثائقي القصير والأول «الحي يروّح»، عبارة شعبية تُقال عادة لتهنئة الخارجين من السجن أو «مراسل حرب» حسب ترجمته الحرفية عن الفرنسية، يُقدّم ستة من مراسلي النزاعات والحروب يحكون عن المخاطر التي يتعرّضون بها منذ بداية الربيع العربي وحتى العام 2013 في تونس ومصر وليبيا وسورية، ومن سورية أيضاً قدّم أسامة محمد قدّم فيلمه الوثائقي «ماء الفضة»، ولأنه يعيش في منفاه الإجباري بباريس اندلاع الثورة في سورية، فقد تعاون مع المخرجة سيماف وئام بدرخان التي صوّرت نسبة كبيرة من مشاهد الفيلم داخل مدينة حمص الذي يستعرض الفيلم حصارها، أما الجزائر فما زالت أفلامها تستدعي قضايا مثل الفقر والفساد وغياب العدالة الاجتماعية، وهي العناوين التي كانت تصوّبها السينما المصرية مثلاً نحو الثورة قبل اندلاعها، ففي فيلمها الأول «سينما شكوبي» تجرنا المخرجة بهية علواش، ابنة المخرج المعروف مرزاق علواش، نحو عالم يزخر بالاستعارات والمجازات تتقاطع فيه الإشارات السياسية الواضحة والمباشرة إلى أوضاع البلاد السياسية، مقتطعات من نشرات الأخبار حول الحالة الصحية للرئيس على خلفية من العلاقة بين جمال السينمائي الشاب المستقل الذي يطلب من ياسمين، زوجته السابقة، تخيّل سيناريو على خلفية الأحداث السياسية بالجزائر، وبدلاً من ذلك تكتب ياسمين قصة غريبة لكي تصفيّ، بلؤم، حساباتها مع زوجها في إيقاع بطيء يجلب الملل كأنه إشارة أخرى على سوء الأحوال عموماً، وهي ربما طريقة تدربت عليها المخرجة من والدها المخرج المعروف مرزاق علواش الذي تصادف أيضاً أن قدّم في هذا العام فيلمه المثير للجدل «مدام كوراج»، الذي استعرض فيه قاع المجتمع الجزائري من خلال «عمر» المراهق المنطوي على نفسه، والذي يعاني من عدم الاستقرار النفسي ويتناول حبوب الهلوسة المسماة «مدام كوراج» ويعيش في بيت من الصفيح في أحد الأحياء القصديرية بضواحي مستغانم مع شقيقته التي تعمل بائعة للهوى ووالدته المنسحقة بالخطاب الديني لمشايخ السلفيين المصريين الذين يظهرون تكراراً على شاشات التليفزيون، ويتوغّل علواش في عالم المهمشين وأوجاعه ويرسم صورة شكلاً ومضموناً تبدو سوداوية، لكنها كاشفة لوحشية واقع من الصعب النجاة من فخاخه وهو ما عبّرت عنه نهاية الفيلم المفتوحة على الكل العناوين القديمة: الموت، والعنف والفساد.

فيما انقلب حال السينما المصرية التي استشرفت الثورة قبل حدوثها وتزامنت معها رواية وتوثيقاً، ليمرّ العام 2015 دون اقتراب من الثورة كأنها جرح وليعود الحال كما هو عليه قبل الثورة وينشغل الجميع بمناقشة موضوعات من نوعية: ندرة الإنتاج السينمائي، ضيق الخناق على السينما المستقلة، السبكي من المنافسة في ظِلّ نظام سينمائي احتكاري تديره تكتلات رأسمالية ضخمة وتحوّله إلى قوى احتكارية في حَدّ ذاتها، تسيد تيار أفلام الكوميديا والعنف والتنظير المطوّل حول الأسباب والدوافع، مع ظهور بعض التجارب الشاردة عن السرب مثل عودة المخرج هاني خليفة صاحب «سهر الليالي» بفيلمه الجديد «سكر مر»، أو استئناف المخرجة كاملة أبو ذكري لتصوير فيلمها «يوم الستات»، أو انتهاء المخرجة هالة خليل من فيلمها «نوارة»، وظهور فيلم جديد للمخرج محمد خان «قبل زحمة الصيف»، وعودة المخرج داود عبدالسيد بفيلم «قدرات غير عادية»، وهذا يبدو مناقضاً لفترة من قبل/عقب الثورة والتغيّرات السياسية التي لاحقتها وأفلام تزامنت وواكبت وتوالت بعدها، حيث وجدت السينما المستقلة سبيلاً للتواجد، فكانت الأكثر تناولاً للثورة المصرية وتعرضاً لها كموضوع حاسم سواء على مستوى الواقع أم السينما، وعلى هذا الأساس ظهرت أفلام عِدّة سواء كانت وثائقية أم روائية تنقل أو تحكي ما كان يحدث في الميدان، وكاميرات الديجيتال سهلت المهمة ورصدت يوميات الثورة في أفلام صنعت حالة استثنائية تشبه اللحظة الخاصة التي يمرّ بها الوطن، جميلة ومربكة وحماسية وعاطفية وعاقلة، كما في الأفلام الوثائقية مثل «الطيب والشرس والسياسي»، الذي تضمن ثلاث قصص من إخراج تامر عزت، أيتن أمين وعمرو سلامة، و«مولود في25 يناير» إخراج أحمد رشوان، و«نصف ثورة» إخراج عمر الشرقاوي وكريم الحكيم اللذان قدّما يوميات عن الثورة.

تباينت الأفلام الروائية لسينمائيين مستقلين في تناولها للثورة كحدث ثم كضرورة، ففيلم مثل «الشتا اللي فات» للمخرج إبراهيم البطوط الذي يحكي ثلاث قصص إنسانية وعلاقتها بالثورة، حيث يختار لحظات من تفاصيل الحياة اليومية لثلاث شخصيات (شاب له نشاط سياسي- إعلامية- ضابط بمباحث أمن الدولة)، يبرز القهر الذي كانت تمارسه السلطة من أجل قمع الناشطين السياسيين، ويُلمِّح إلى زيادة الوعي لدى المواطن المصري عقب الثورة، في فيلمها (الخروج للنهار) صاغت المخرجة هالة لطفي حكايتها الإنسانية بما تحمله من قلق وبؤس يعيشه البشر في مجتمع لا يُعيرهم اهتمام فيصابون بالخيبة، والتي تسحقهم وتحاصرهم وتصنع الأسئلة المعلّقة والخراب الكبير، فلم يبقَ سوى الثورة أملاً في الخروج للنهار. وفي فيلم «فرش وغطا» للمخرج أحمد عبدالله تطالعنا المساحة الأكبر للجرح العميق في النفس والروح والجسد، في واقع صادم، هذا غير أفلام حاولت استثمار الثورة وألحقت بها بعض المشاهد المقتحمة للثورة كما حدث على سبيل المثال في فيلمي «الفاجومي» و«صرخة نملة»، وأفلام أخرى كثيرة بدءاً من «18 يوم» الذي شارك فيه سينمائيون ينتمون إلى الثورة، وحتى الأفلام التجارية «تك تك بوم» لمحمد سعد وإخراج أشرف فائق، و«حظ سعيد» لأحمد عيد من إخراج طارق عبد المعطي،إلى فيلم «بعد الموقعة» للمخرج يسري نصر الله و«قبل الربيع» لأحمد عاطف الذي يتطرّق إلى أحداث ثلاثة شهور قبل اندلاع الثورة، وكان عاطف قدّم قبله فيلم «باب شرقي» وقدّم فيه اللاجئين السوريين الذين لجأوا إلى القاهرة، وكذلك فيلم «الجزيرة 2» إخراج شريف عرفة، الذي هو محاكاة لمجتمع ما بعد الثورة، وأفلام أخرى تباينت في تناولها للثورة شكلاً وموضوعاً؛ وبالرغم من الانعطافات المتموّجة والصريحة لم تكتب السينما حتى الآن كلمة النهاية.

 موضوعات أخرى