رحيل مزعج!

الحسن بنمونة



في الآونة الأخيرة رحل كثير من المفكرين والأدباء المغاربة، ووروا التراب ولكنهم باقون أحياء بفكرهم وتأثيرهم في الحياة الثّقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة. هذا التأثير قد يكون رمزياً، ولكنه لا محالة قدّم لَبِنَاتٍ لا تقدّر بثمن في إرساء ثقافة التغيير والنقد الذاتي وإعادة الاعتبار للروح المغربية التي يمكن لها أن تبني مجتمعاً متقدّماً ومنفتحاً وأصيلاً في الوقت عينه. واليوم ترحل فاطمة المرنيسي عالمة الاجتماع التي كرّست حياتها للبحث في مفهوم المرأة عبر التاريخ أو في اللحظة الراهنة، علماً بأن الكاتبة كان يقضّ مضجعها دور المعرفة في بناء شخصية المرأة وتكوينها على المستويين النفسي والاجتماعي لمجابهة التحدّيّات الكبرى. وعندما نذكر المرأة لا شك أننا نكون أمام إشكالية اجتماعية وثقافيّة عويصة لم نستطع التخلُّص منها بعد. الراحلة اشتغلت بحقل المرأة وما يرتبط بها من استقلالية توفر لها مرجعاً لتغيير وضعها ونيل حقوقها، فهي ليست مصدراً للذة والإنجاب بحسب نظرة العامة، هي مصدر للحضارة والعمران، وكأن الراحلة كانت تسعى إلى تأسيس راهن جديد للمرأة بعيداً عن راهن ثقافة الحريم.

كانت في أطاريحها مغرضة بطريقة محببة للنفس؛ لا تلوم إلّا السلطة بالمفهوم الواسع الذي أراد للإشكالية (الرجل والمرأة) أن يشتد الصراع حولها لأغراض سياسية. ولهذا كان من الضروري انتقاد وضع الجنسين معاً، على أساس أن تكون المساواة مرادفة لمفهوم التساوي في التعلُّم والمعرفة وبناء المجتمع. كانت الموضوعات التي تدرسها تبدو غريبة في مجتمع يستمد مرجعياته المعرفية إما من التقاليد أو من الفقهاء. لم تكن تخشى ما يمكن لأفكارها أن تثيره من عداء وخصومات ونقاشات بخاصة عندما يقرؤها رجال الدين أو رجال السياسة اليمينيون. تتحدّث عن شهرزاد المرأة النموذج التي استطاعت بخيالها أن تنال حرّيتها (وهو ما ينعكس في ثقافتنا المعاصرة بتوفر الفكر والقراءة والتعلُّم).

ما شدني إلى كثير مما كُتِبَ عن رحيل فاطمة المرنيسي عالمة الاجتماع التي درست حالة المرأة عبر التاريخ، أو في وضع قار ببلدها المغرب، دون أن ننسى ما دوّنته عن البيئة الغربية التي عاشت فيها ردحاً من الزمن، هو أن بعض المثقفين انشغلوا بتأبين الراحلة بما يليق بها من تعظيم وتقدير يليق بمثقفة أثّرت في الفكر المغربي وتوجهات الرأي العام، فهي في حَدّ ذاتها تمثل معادلة صعبة في الثّقافة المغربية المعاصرة، بحكم تعاملها مع موضوع المرأة الذي يُثير دوماً إشكاليات مرفقة بموضوعات اللباس والمعرفة والمتعة، أما الصنف الثاني فقد شحذ السكين ليوجّه الطعنات، فيما انبرى الصنف الثالث ليوجّه اللوم والعتاب إلى من كتب عنها، وكأنه كان متابعاً نهماً لدراساتها.

لم تكن فاطمة المرنيسي مُرحّباً بها في المحافل السياسية بالذات؛ سواء أكان هذا مرتبطاً بالأحزاب أم بالسلطة. هما معاً كانا يجاملان الباحثة التي دأبت على النبش في المسكوت عنه. كانت منشغلة بدراسة نظرة المجتمع التقليدي والمجتمع الحداثي للمرأة، وكيف أنهما معاً لا يريدان لها أن تتبوأ مكانة في هرميّة المجتمع كي تحقّق تفرّداً أو زعامة. ينطبق هذا على المجال السياسي ومجال الأسرة. وهي لم تكن تهدف إلّا لرؤية المرأة المغربية متعلّمة وحاصلة على قدر من المعرفة يحقق لها ذاتها ومقدرتها على مواجهة مصاعب الحياة. كانت تخاطب نخبة في المجتمع لأن كتاباتها كانت تنجز إما بالفرنسية أو بالإنجليزية، وهو ما أفرز بعد سنوات من الكدح والنضال مجتمعاً مدنياً، فقامت نساء كثيرات بتشكيل جمعيات للدفاع عن حقوقهن، ولكن مع ترجمتها إلى اللغة العربية أصبحت لفاطمة المرنيسي مكانة خاصة في المنظومة الثّقافيّة المغربية، يقرؤها السياسي والسلفي والحداثي والتقليدي ورجل السلطة حباً أو فضولاً أو استطلاعاً أو مجاراة لدُرْجَةِ العصر، ولهذا يمكن لنا تفسير غياب أي عضو من الحكومة الحالية في جنازة الراحلة دليلاً على موقف معارض أو دليلاً على حياد تام بالنظر لما يجري في الساحة العالمية. يمكن القول إن الصراع الدائر في الآونة الأخيرة حول المرأة وتقاسم الإرث والتعديلات المحدثة في المدونة (2004) دليل على نضج في الوعي المواكب للتحوّلات، وتكسير للصمت الذي فرضته السلطة على حركات وسكنات النخب النسائية زمناً طويلاً، وما الرضوخ لكوتا الاستوزار في الحكومة وفي البرلمان إلا تنامٍ لهذا الوعي واشتداده بالنظر إلى مرجعياته الثورية، ولا أحد طبعاً يستطيع أن ينكر الدور الذي قامت به كتابات الراحلة في الدفع بمجال المرأة إلى أن يتبوأ هذه المكانة الحالية.

الأمر الثاني الذي بدا غريباً هو ما تنبهتُ إليه وأنا أقرأ مقالاً صدر في جريدة يومية مغربية، هو في الواقع تعبير عن عصاب ثقافي يُصيب عادة بعض المثقفين عندما يعتقدون أن الآخر لا يقرأ ما يجد في الساحة الفكريّة، ولهذا لا يحق له أن يدلي بدلوه في إرث تركته الراحلة. يمجد هذا الكاتب نفسه ويسخر من الآخر الذي صار متحدّثاً عن الراحلة وكأنه مُلمّ بكل مرجعياتها وأبحاثها، ذلك أنه بعد أن صَبّ جَامَ غضبه على هذا الآخر طفق يحدثنا عن فاطمة المرنيسي والدور الذي مثلته في تحديث المجتمع المغربي من جهة الدفاع عن حقوق المرأة. ولو قيّض لهذا الكاتب أن يتعرّف بدقة إلى جمهور الراحلة لأصيب بالدهشة؛ في جامعاتنا وفي الأوساط المهتمة. ونحن هنا لا ننكر أن هناك إجحافاً في حقها ساهمت في إذكائه أوساط ثقافيّة مختلفة اجتمعت كلها على تجاوز الراحلة الخطوط الحمر في البحث وكشف زيف كثير مما كان يُراد له أن يكون حقيقة مشاعة، مع العلم أن لها مكانة خاصة في الثّقافة الغربية.

والأمر الأخير هو ما صدر عن الشيخ محمد الفيزازي المثير للجدل عندما سُئل عن الراحلة (وإن كان السؤال في حَدّ ذاته مغرضاً بامتياز) إن كان دعا لها بالرحمة والمغفرة فردّ على ذلك بالقول إنه لا يدعو لها لا بالجنة ولا بجهنم، وعِلّة هذا العداء ما تضمنته آراؤها من جرأة فكرية. لَعلّ لهذا العداء أسباباً مختلفة يعود الرئيس منها إلى كونهما يشكلان منظومتين متناقضتين؛ ففاطمة المرنيسي باحثة في مجال علم الاجتماع، وهي مهتمة أكثر بدراسة المرأة في مجتمع لا يزال ينظر إليها باعتبارها مصدر لذة لا معرفة، فكانت تسعى إلى فضح ألاعيب السلطة على اختلاف أشكالها، فهي كلها ترى في المرأة مؤسسة تحتاج إلى ترويض، وما اختيار الراحلة الكتابة بلغات أجنبية إلّا إشارة إلى استحالة تقويض رؤيتها في الصراع الطبقي والفكري الذي وسم تحوّلات المجتمع المغربي.


 موضوعات أخرى