النباتات الإلكترونية

مروى بن مسعود



في النظام الطبيعي للنباتات، تعمل الجذور والسيقان والأوراق والأوعية على نقل الإشارات الكيميائية التي تنظِّم نموّ النبتة، وتحدِّد وظائفها الفيزيولوجية (كيفية قيام النباتات بإنتاج الغذاء واستغلاله، وطرق مساعدة الخلايا المتنوِّعة للنباتات في نموّها وتكاثرها، وكيفية استجابة نبتة ما لعناصر العالم الخارجي). ويمكن اعتبار هذه الميزات موصلات أو ناقلات أو أجهزة وأسلاك دوائر إلكترونية منفصلة ومتكاملة. وعلى الرغم من المحاولات العديدة لزيادة وظيفة النبات عبر المواد الكهربائية النشيطة، إلا أن فكرة دمج «دوائر» النباتات مع الإلكترونيات مباشرة لم تتحقَّق في الواقع.

وفي إنجاز علمي غير مسبوق تمكَّن علماء من صنع دوائر وأجهزة إلكترونية عضوية تناظرية ورقمية، على حَدّ سواء، داخل النباتات الحَيّة. وقد تَمَّ صنع المكوِّنات الرئيسية للدائرة باستخدام الخشب وأوراق الشجر والجذور وإشارات النبتة، باعتبارها العناصر الأساسية التي تشكّل الدائرة ووظيفتها. ووفّرت الإلكترونيات المدمجة داخل النباتات مجموعة كبيرة من التطبيقات الممكنة، بما في ذلك تسجيل كلّ العمليات الدقيقة في النبتة وتنظيم علم وظائف الأعضاء وتحصيل الطاقة عبر عملية التمثيل الضوئي وخلق بدائل للتعديل الوراثي، بهدف تحسين النبات.

وباستخدام مادة البوليمرات شبه الناقلة، أصبح من الممكن صنع دوائر إلكترونية تناظرية ورقمية يمكن تضمينها في الأزهار والنباتات وحتى الأشجار. كان ذلك في بحث أجراه، مؤخَّراً، فريق من العلماء في مختبر جامعة ينكوبينج للإلكترونيات العضوية، ونُشِرت نتائجه في مجلّة «التقدم العلمي» الأميركية، في عددها الأخير (20 نوفمبر/تشرين الثاني، 2015).

وبمساعدة القنوات التي توزِّع الماء والعناصر الغذائية والكيمياوية الطبيعية في التربة أو عن طريق إضافتها من قبل الإنسان وسط النباتات، تمكَّنَ فريق من الباحثين في مختبر الإلكترونيات العضوية، تحت إشراف الأستاذ ماغنوس بيرغرين، من خلق المكوِّنات الأساسية للدوائر الإلكترونية. وفي البحث المنشور في مجلّة «التقدم العلمي» المتخصِّصة، بيَّنَ العلماء أن الأزهار قادرة على إنتاج دوائر إلكترونية تناظرية ورقمية على حَدّ سواء، يمكن استخدامها، على سبيل المثال، لتنظيم فيزيولوجيا النبات على المدى الطويل.

وتعمل الإلكترونيات التقليدية على إرسال الإشارات الإلكترونية ومعالجتها، بينما تنقل النباتات الأيونات وهرمونات النمو وتعالجها في مرحلة لاحقة. وفي مجال الإلكترونيات العضوية، القائم على أساس البوليمرات شبه الموصلة، يمكن للأيونات والإلكترونات- على حَدّ سواء- أن تقوم بوظيفة ناقلات الإشارة. وبمساعدة الإلكترونيات العضوية، أصبح من الممكن الجمع بين الإشارات الكهربائية والإشارات الصادرة عن النباتات، كما لو كانت عملية ترجمة لإشارات النباتات إلى إلكترونيات تقليدية، ووفّرت هذه الإلكترونيات العضوية غير المكلفة، والتي يمكن تضمينها في سيقان وأوراق النباتات والأشجار، قائمةً طويلة من الإمكانات والفرص الجديدة - على غرار شحن خليّة الوقود بطاقة عمليّة التمثيل الضوئي، أو القدرة على قراءة بيانات نمو النبتة، وتنظيمها، ومعرفة وظائفها الداخلية الأخرى.

ويقول أوف نيلسون، أستاذ بيولوجيا تكاثر النبات في مركز أوميا لعلوم النبات، والمؤلِّف المشارك في هذا البحث: «في السابق، لم تكن لدينا أدوات جيّدة لقياس تركيز مختلف الجزيئات في النباتات الحَيّة. الآن، أصبحنا قادرين على تعديل درجة تركيز المواد المختلفة في النباتات والتي تعمل على تنظيم مراحل نموها وتطورها. الآن أرى فرصة هائلة للتعلّم ومعرفة المزيد في هذا المجال».

منذ بداية سنوات التسعينيات، كان ماغنوس بيرغرين أستاذ الإلكترونيات العضوية في جامعة ينكوبينج، يعكف على دراسة الإلكترونيات المطبوعة على الورق، وبين الحين والآخر كانت تخامره فكرة وضع إلكترونيات في جسم النبات والأشجار، ولكن المموِّلين لم يظهروا أيّ اهتمام أو دعم للبحث. وبعد الحصول على تمويلات من مؤسَّسة (كنوت أليس والنبرغ) المستقلّة، في نهاية عام 2012، تمكَّن الأستاذ بيرغرين من توظيف ثلاثة باحثين آخرين من حاملي الدكتوراه حديثاً، وهم: روجر جابرلسن، وإيليني ستفرنودو، وإليوت غوميز. كانت مهمّتهم التحقيق - بمساعدة كبار الباحثين في جامعة ينكوبينج، ومركز أوميا لعلوم النبات - في إمكانية إدخال الإلكترونيات في النباتات أو إنتاجها طبيعياً. الجواب كان نعم. في غضون عامين فقط، نجح فريق البحث في الحصول على نباتات قادرة على إنتاج دوائر تناظرية ورقمية، على حَدّ سواء.

لقد أوجدت الباحثة جابرلسن مادة «البوليمر، PEDOT-S» (وهو مزيج من عنصرَي البوليمرات، ويعمل بمثابة مانح للإلكترونات تحت تأثير الإشعاع الكهرومغناطيسي)، ثم وضعت هذه المادّة القابلة للذوبان في ماء الحوض الذي توجد فيه نباتات الأزهار. وبعد امتصاصها، تتحوّل هذه المادّة، في الداخل، إلى هيدروجيل، الذي يكوّن، بدوره - وبشكل جيد للغاية - طبقة رقيقة على طول القناة التي تمتصّ من خلالها الزهرة الماء والعناصر الغذائية. وهكذا، نجحت الباحثة جابرلسن في دفع النباتات على إنتاج شرائح بطول عشر سنتيمترات وأغشية أو شرائط بسِمْك خمسين سنتيمتراً من البوليمر الناقل، وقامت، بعد ذلك، بتركيز قطب على كلّ طرف، وشقّ فتحة أو بوّابة في وسطها، لتحصل، في النهاية، على ترانزستور تناظري.

وأضافت جابرلسن: «لقد أنتجنا أفضل قيم القياس، التي تظهر أننا تحصّلنا على ترانزستور فعلي في الواقع، ويعمل بكامل طاقته»، وقد عملت الباحثة على قياس قدرة البوليمر الموصلة من 0.13 سيمنز / سم، والتدرّج لتصل إلى 1 سيمنز/ سم.

وفي جانب آخر، استخدم الباحث غوميز طريقة مغايرة، ولكنها معروفة في بيولوجيا النبات، تسمّى «تسرّب الفراغ»، لإرسال مزيج بديل من مادّة «PEDOT» مع ألياف نانو السليلوز، في أوراق الوردة. ويشكّل السليلوز هيكلاً ثلاثي الأبعاد يحمل تجاويف صغيرة، مثل الإسفنج، في أوراق الأزهار، ثم تمتلئ التجاويف بالبوليمر الناقل. وبهذه الطريقة، تُصنع الخلايا الكهروكيميائية مع عدد من البكسلات، وتُقسّم عبر الأوردة، وبعدها، تشكّل الكهرل أو «الإلكتروليت، ELECTROLYTE» أي المادة التي تحتوي على أيونات حرة مادة ناقلة للكهرباء من السوائل في أوراق النبتة؛ وهو ما يعني أن الورقة تعمل- إلى حَدّ ما- بطريقة عرض حرف مطبوع على لفافة إلكترونية صُنِّعت للغرض في مصنع لتكنولوجيا المعلومات والاتّصالات، في نورشوبينغ السويدية.

وقال غوميز: «يمكننا الحصول على نباتات كهربائية اللّون، تكون فيها الأوراق قادرة على تغيير لونها. هذا ممتاز، ولكنه قد لا يكون مفيداً جدّاً». ومن ناحية أخرى، أصبح من السهل التغلُّب على عوامل ضعف الإلكترونيات العضوية، كالبرد أو الرطوبة، بواسطة النبتة ذاتها التي تقوم بتغليف البوليمر، وتحميه من الرياح والعوامل المناخية.

كما كشف العالم بيرغرين عن مجالات جديدة، بفضل هذا البحث: «الآن، يمكننا أن نبدأ الحديث عن (طاقة النباتات)، يمكننا أن نضع أجهزة الاستشعار في النباتات، ونستخدم الطاقة التي تشكّلت في الكلوروفيل وننتج هوائيات خضراء أو مواد جديدة. كل شيء يعمل بشكل طبيعي، ونحن نستخدم أنظمة النباتات الخاصّة والمتطوِّرة جدّاً».

وأضاف بيرغرين: «على حَدّ علمنا، لا توجد نتائج بحث أخرى متعلِّقة بالإلكترونيات المنتجة في النباتات، ونشرت من قبل. لم يتوصّل أيّ أحد إلى ذلك، في السابق».

صحيح، قد لا نتمكَّن من رؤية أو شراء أيّ من هذه النباتات أو الأزهار السايبورغية أو الإلكترونية في محلّات بيع الزهور، ولكن نتائج البحث يمكن أن تكون مفيدة، للغاية، في مجال الزراعة، إذا ما أصبح بإمكان أوراق الأشجار والنباتات أن تُخبر عن مستوى النيتروجين أو الماء أو غيرهما من العناصر الغذائية، في التربة.