رحلة في أسرار المرآة وسحرها

فاطمة خير

في 308 صفحات، من القطع الكبير، وبابَيْن، يتضمّن كلّ منهما فصلين، بالإضافة إلى المقدّمة والهوامش والمصادر والمراجع، يقدم د. محمود رجب رؤيته الخاصّة وبحثه عن «فلسفة المرآة»، من خلال طبعة جديدة صدرت- مؤخّراً- عن سلسلة «علوم اجتماعية»، التابعة لمكتبة الأسرة.

«.. وهل يمكن- على الإطلاق- قيام دراسة فلسفية حول شيء عادي كالمرآة، أو ظاهرة مألوفة لنا في حياتنا اليومية مثل ظاهرة المرآة؟»، هكذا يبادر د. رجب القارئ في مقدِّمة كتابه، موفِّراً عليه جهد التساؤل، وهكذا يجيب - أيضاً- على التساؤل الذي دفعني إلى التردُّد- لوهلة- قبل أن أبادر بشراء الكتاب، لكنه هو نفسه (د.رجب) يساعد القارئ كي يتحسّس طريقه لإجابات على سؤال، قد يرتبك أمامه، لأنه لا يعرف- أصلاً- لماذا يريد أن يبحث له عن إجابة!؛ الإجابة التي ستلتقيها مختبئةً في صفحات الكتاب ستكون شافيةً لفضولك وممتعة لذهنك؛حينها، لن تندم على السؤال. يأخذك الكتاب في رحلة عميقة نحو تأمُّل ماهيّة المرآة، كلّما أدركت تجلّي قدرته في خلقه. الكتاب ملهم، ومحرّض على التفكير.

يناقش الكتاب فكرة المرآة من النواحي الفلسفية المختلفة، وعلى مدار القرون الفائتة جميعها، يقول في الفصل الأول «ظاهرة المرآة»، من الباب الأول «فلسفة المرآة»: «فالصورة المرآوية يمكن اعتبارها كما لو أنها نقطة التقاء بين المادّي واللامادّي»، ويقول أيضاً: «القمر والنجوم وقطرات المطر والسحاب والهواء، تؤلِّف كلها- إذاً- مرايا سماوية، وكأنما هي مشهد أو مسرح سماوي متعدِّد الجوانب، فيه تنعكس الأشياء وتتجلّى، بأشكال مختلفة: مصغَّرة، ومكبَّرة، ومتعدِّدة إلى مالا نهاية»، ويشير الكاتب، في الفصل نفسه، إلى علاقة المرايا بالتجميل والتزيُّن، وخصوصية ذلك عند المصريين القدماء، لارتباط ذلك برغبتهم في الخلود، عن طريق الاحتفاظ بملامحهم الذاتية إلى الأبد، وكذلك أهمّيّة المرآة لدى نساء الإغريق، حتى أن الكاتب يستمرّ في شرح علاقة الحضارات القديمة بالمرآة، وخاصّةً عند النساء، فيقول: «ورؤية المرأة نفسها في المرآة معناه أن يسقط وجهها أمامها على سطح المرآة، فتكون في حال من المواجهة للذات، أي تكون وجهاً لوجه مع نفسها، ومن ثَمّ تزدوج حين تصبح، وهي تبحث عن ذاتها، شكلاً يشاهد ويلاحظ، كما لو كان شكلاً آخر غير شكلها. والحقّ أنه ما من وسيلة لمعرفة الذات غير تلك المواجهة عبر المرآة، حيث يرى الإنسان نفسه وهو يرى نفسه، أو حيث ينظر إلى نفسه وهو ينظر إلى نفسه».

ويشير الكاتب إلى ما سمّاه «المرايا المجازية»، ومنها عناوين الكتب التي تحمل لفظ المرآة، ورأى أنها عصيّة على الحصر في التاريخ الإسلامي، كما أنه من شبه المستحيل تصنيفها إلى أنماط وفئات.

وفي مفارقة ذكيّة، يشير الكاتب إلى «المرآة من حيث هي رمز للخداع، وكذلك من حيث هي رمز للمعرفة، تتضمن تحوُّلاً يطرأ على الإنسان الناظر إليها، ويتمثَّل هذا التحوُّل في الوعي (ولو كان وعياً ضئيلاً) بأن ثمة معرفة بنفسه أو بغيره، وحتى الوعي بالخداع هو بداية التخلُّص من الخداع والانخداع، ومن ثمّ يؤدّي إلى معرفة النفس على حقيقتها».

في الباب الثاني «تجربة المرآة»، يتناول، ومن خلال الفصل الأول، من الباب «أنا - آخر»، الظواهر المحسوسة التي تتناولها المرآة، من حيث علاقتها بالإنسان وعلاقة الإنسان بها، وبمعنى آخر: المرآة من حيث كونها تجربة إنسانية، على درجة كبيرة من العمق والتعقيد، فهي تتيح للإنسان أن يعرف ذاته من خلال التعرُّف إليها من خلال صورته المنعكسة على سطح المرآة.

ويشير المؤلف د. محمود رجب إلى أن استخدام المرآة الزجاجية كان علامة على بداية فنّ السيرة الذاتية الحديث، »أي من حيث هي صورة للذات: بأعماقها، وأسرارها، وأبعادها الداخلية»، وفي استطراد لتفسير الأمر يقول د. رجب: «فقد تبيَّن أن المرآة تستطيع أن تحيل الذات، عن طريق الصورة المرآوية، إلى ذات يمكن فصلها عن الطبيعة وعن تأثير الآخرين. فالذات، في المرآة، ليست سوى جزء من الذات الحقيقية الواقعية، هو الذات مجرّدة، لكن هذا لا يعني أنها ذات مثالية أو أسطورية، لا تخضع للتغيير ولتقلُّبات الزمن؛ إذ كلّما كانت المرآة مجلوّة، وكان الضوء الساقط عليها كافياً، كانت أقدر على إظهار ما يطرأ على الذات من آثار السنّ، والمرض، وخيبة الأمل، والإحباط، والضعف،... إلى آخر هذه الآثار التي تتخارج هناك في المرآة، مثلها مثل الصحة، والفرح، والأمل، والثقة. ولا شكّ في أن الإنسان حينما يكون منسجماً مع العالم ومتّحداً به، لا يحتاج إلى المرآة، ذلك أن حاجته إليها إنما تشتدّ في فترات التفكُّك النفسي، حيث يبدأ في الالتفات إلى تلك الصورة المتوحِّدة ليرى ما الذي طرأ عليها بالفعل، وما الذي تعكسه مما يجري في داخله، وما الذي ينوي عمله بعد ذلك كلّه. فالمرآة- إذاً- تعكس، إلى الخارج، ذلك العالم الداخلي للإنسان: عالم الذات».

ويرى المؤلِّف أن بدايات كتابات السيرة الذاتية، تزامنت مع بدايات علوم الطبيعة، والتي تستخدم- بطبيعة الحال- أدوات مصنوعة من الزجاج كالمرايا!، كما يرى أن الأمرين هما وجهان لعملةٍ واحدة، فعزل الذات عن العالم(منهج السير الذاتية)، وعزل العالم عن الذات (منهج العلوم الطبيعية) هما وجهان متكاملان لفاعلية واحدة، ألا وهي تجزيء مجموع الخبرة الإنسانية وتحليله إلى عناصره الذرّية المختلفة التي يتألَّف منها، وذلك كي يتمكّن الإنسان من أن يراها بوضوح. ويبلور المؤلِّف ما سبق قي الجملة التالية «إن كلّاً من عالم الطبيعة الخارجي، كما لاحظه العلم، وعالم الذات الداخلي، كما كشفت عنه السيرة الذاتية، لم يُدرَك إلا من خلال تلك الأدوات التي صُنِعت من الزجاج».

ويعود المؤلّف، في الفصل الأخير، إلى التأكيد على أن «الوعي بالانخداع هو بداية معرفة الذات»، ويشير إلى الدور الخطير الذي تلعبه المرآة فيقول: «إذا كانت الخيلاء تديم النظر في المرآة، فإن ذلك علامة رمزية على اهتمامها الجارف بمظهرها الخارجي الخادع. أمّا المرآة فهي لا تخدع، إنما هي وظيفة رمزية، نُسبت إليها كغيرها من وظائف؛ فعند المعجبين بأنفسهم ولع شديد بالمرايا، لأنها تغذّي فيهم هذا الإعجاب بإعطائهم صورة محبَّبة سارّة عن ذواتهم الخارجية؛ ومن هنا كانت وظيفة المرآة في الرياء والنفاق، وكان الربط بين المرآة والمنافق، فالمنافق- إذاً- مخادع».

المرآة، هذا الشيء الزجاجي، يسبِّب طوفاناً من الحيرة لمن يفهم؛ لذا ففي كلّ مرّة تقف فيها أمام مرآة تمرّ أمامك أسئلة، نادراً ما يتوقَّف البعض للبحث عن إجابات لها؛ذلك أنهم يخشون الرحلة الطويلة، رحلة مواجهة الذات، والتخلّي عن الخيلاء، واكتشاف العيوب في ذواتهم الحقيقية الخالية من التصنُّع، والحقيقة أن لهم كلّ الحقّ في الخوف من الرحلة التي تاه فيها فلاسفة، ووصل إلى نهايتها آخرون، واستمتع بها كثيرون، حتى قبل أن يعلنوا الاستسلام والعودة إلى البدايات التي ألفوها، لكن المؤكَّد أن من يقرأ كتاب «فلسفة المرآة» لن يهنأ بعده بالراحة، قبل أن ينوي- على الأقلّ- أن يبدأ رحلته الخاصّة.

 موضوعات أخرى