«إسطنبول المعاصر» (10)

منصّة مشرقة عن الثّقافة والفَنّ في تركيا



إسطنبول- رنا نجار



أَقلّ من شهرين يفصلان بين أهم تظاهرتين تشكيليّتين تجاريتين في تركيا هما «آرت انترناشونال» و«إسطنبول المعاصر» «CONTEMPORARY ISTANBUL»، رافقهما «بينالي إسطنبول» في دورته الرابعة عشرة، وهو الأبرز في الشرق الأوسط. ثلاث تظاهرات حملت في طيّاتها قضايا سياسية وإنسانية واجتماعية مختلفة.

في جولة سريعة في أرجاء معرض «CONTEMPORARY ISTANBUL»، الذي احتفل في نوفمبر الماضي بعشر سنوات على افتتاحه، والذي يركّز على أعمال الفنانين الأتراك، نرى كميّة لا بأس بها من الأعمال طرحت قضايا مُلحة أهمها الديموقراطية وحرّيّة التعبير. الفنان التركي الشهير بدري بايكام الذي يُلقّب بـ «آندي وارهول تركيا» يصرح لمجلة «الدوحة» بأن «مثل هذه المعارض هي المتنفّس الأكبر للفنانين الأتراك الذين يعملون تحت الرقابة ويقاتلون بأعمالهم من أجل حرّيّة التعبير». ويضيف: «هذه التظاهرات الثّقافيّة طوّرت السوق الفنّيّة في تركيا، ووسعت آفاق ثقافة المواطن التشكيلية العالمية. كما أنها لفتت نظر الجامعين الأتراك إلى أعمال مواطنيهم..».

الإيجابية هي سلاحنا

هذه الإيجابية التي تراها في عيون كثير من الفنانين الأتراك، تحدّث عنها علي غورلي رجل الأعمال ورئيس مجلس إدارة «CONTEMPORARY ISTANBUL» في حديثه لمجلة «الدوحة»، لدى سؤالنا عما اذا كان معرضه يشكّل منصّة مشرقة عن الثّقافة والفَنّ في تركيا: المعرض يقدّم لوحات جريئة، فكيف يُسمح لكم بهذا الهامش من الحرّيّة، ألا تخافون إقفاله؟ يجيب غورلي: «نحن مؤسسة خاصة وفنّيّة لا نتعاطى السياسة، ونحن نعرض أعمالاً فنّيّة من حول العالم في مركز خاص غير حكومي، لذا يعطينا وضعنا هامشاً من الحرّيّة. وهذا المعرض الذي يجمع أعمالاً لكبار الفنانين حول العالم، هو بحدّ ذاته صورة إيجابية عن حرّيّة التعبير في تركيا مهما اختلف النقاد والمحللون حول حالتها. لذا فإن الحكومة لا تسألنا عن ماهية الأعمال المعروضة ولا تطلب أن تراها، هي توافق على عرضها باعتبارها أعمالاً فنّيّة وتشكيلية فقط. ثم إن هذه الأعمال هي أيضاً تجارية وتُدخل دخلاً مهماً على الاقتصاد، سواء من ناحية تشغيل الفنادق والأماكن السياحية من خلال زوار المعرض الذين وصل عددهم إلى 90 ألف زائر من تركيا والعالم، أم من ناحية تشغيل الغاليريهات والفنانين والعاملين في القطاع».

يمرّ العالم بظروف صعبة نظراً للأحداث السياسية المتلاحقة والمتسارعة في المنطقة، خصوصاً موجات الإرهاب، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية وتشعّب قضية اللاجئين السوريين وقضية الأكراد. كيف تؤثّر كل هذه العناصر على الفَنّ التركي وعلى تنظيم معرض «إسطنبول المعاصر» تحديداً؟ يجيب غورلي: «تواجه غالبية دول العالم صعوبات مالية. وواجهت تركيا مثل هذه الصعوبات من قبل، حيث وصلت معدلات التضخم مستويات قياسية. نحن نمرّ بتحدٍّ كبير. ولكن نحن نفكّر كيف يمكننا استثمار الجوانب الإيجابية بدلاً من زيادة التحدّيّات؟ وكيف يمكن الاستفادة من هذه التحدّيّات لتحقيق نتائج مختلفة؟ أنا أتحدّث عن جعل الأمور إيجابية عن سابق إصرار وتصميم بعيداً عن ارتفاع معدلات التضخّم. و50 في المئة اعمال هذه المهمة المواجهة للسلبية، هي رياضية ومالية، ولكن الخمسين في المئة المتبقية هي نفسية وإدراكية. نحن الآن نحاول تحفيز البيئة وملؤها بالطاقة الإيجابية من خلال معرض «إسطنبول المعاصر»، الذي نجح على مدى عشر سنوات في بث روح إيجابية في البلد كما يقول لنا الناس».

لقد أتى المعرض مباشرة بعد الانتخابات الوطنية التي فاز بها مجدّداً حزب العدالة والتنمية الإسلامي، ومع ذلك كان عدد الزوار كبيراً جداً ونسبة البيع تخطت الـ 63 مليون يورو، وهذا ما يؤكد أن «الأتراك يتوقون إلى بيئة ثقافية مشرقة وإيجابية، وهذا ما آمله»، كما يقول غورلي. مُضيفاً: «آمل أن يدعم قادتنا الفَنّ ويجدون مساحات إضافية لهذه البيئات الثّقافيّة في البلد، كما تفعل دول مثل قطر والإمارات. هم يستثمرون في الفَنّ لأنهم يعون أنه يُعطي صورة إيجابية عن بلدانهم ويُنشئ جيلاً مثقفاً واعياً».

منصة تبتكر الفَنّ

ساهم «CONTEMPORARY ISTANBUL» المعرض الفنّي التجاري الأول من نوعه في المدينة والذي تأسس في العام 2005، في ازدهار الفنون المعاصرة محليّاً، كما أسّس لشراكات مثمرة بين فنانين أتراك وهواة تجميع عالميين وغاليريهات دولية، ولكن هذا المعرض ليس وحده الذي أعاد إسطنبول إلى الخارطة الفنّيّة، خصوصاً المعاصرة. فهناك «بينالي إسطنبول»، الذي أسسه بيرال مادرا في العام 1987 وهو الرائد في تحريك عجلة الفَنّ المعاصر، والذي استقدم فنانين مشهورين إلى تركيا وقيّمين دوليين مثل دان كاميرون ورينيه بلوك. ولا ننسى تأثير مؤسستي « VEHBI KOÇ FOUNDATION» (تأسست في العام 1969) و«ARTER» (تأسست في العام 2010) الشقيقتين وغير الحكوميتين، في تطوير بنية تحتية مستدامة لإنتاج وعرض الفَنّ المعاصر.

اليوناني جانيس كونيلّيس الأعلى ثمناً

قد يشعر زائر المعرض الذي يأتي في المرتبة الخامسة عالمياً من حيث عدد الزوار، والذي شارك فيه 102 غاليري من 24 بلداً حول العالم، و790 فناناً، أن التنظيم وتوزيع الغاليريهات وطريقة العرض تحتاج إلى مزيد من الخبرة والدقة من ناحية اختيار الأعمال والغاليريهات العالمية. وعلى الرغم من ذلك، وصل المعرض إلى مبلغ قياسي في المبيعات في الشرق الأوسط وهو 63 مليون يورو، بمعدل مبيعات بلغ 64 في المئة من نسبة الأعمال المعروضة في هذه الدورة. ولكن المتابعين لسوق الفَنّ المعاصر كانوا يتوقعون مبيع حوالي 70 إلى 80 في المئة من المعروضات، خصوصاً مع زيارة المعرض حوالي 600 هاوي تجميع من مختلف بلدان العالم. ولا ننسى أن المعرض نفسه وصلت نسبة مبيعاته العام الماضي، إلى 72 في المئة من نسبة المعروضات التي عرضها 190 غاليري (62 منها دولية).

وفي نظرة سريعة على الأعمال المباعة، احتلت منحوتة «بلا عنوان» الضخمة لليوناني جانيس كونيلّيس (ولد في العام 1936) المرتبة الأولى من حيث الأعمال الأعلى ثمناً في المعرض. المنحوتة التي عرضها غاليري «ARTIST» بيعت بمليون و40 ألف يورو. تلاها عمل لرسام الغرافيتي البريطاني BANKSY عام 1974 بيع بـ 500 ألف باوند من غاليري «LAZARIDES». أما لوحة «HOMAGE TO TITAN» للفنان التركي MEHMET GÜLERYÜZ عام 1938، فبيعت من غاليري MARSYAS بـ 175 ألف يورو. فيما بيعت منحوتة «كايت موس» للبريطاني مارك كوين (1964) من غاليري KRAMPF بـ 160 ألف دولار.

تطوّر ملحوظ

لقد تطوّر «CONTEMPORARY ISTANBUL» من مستضيف لـ 49 غاليري في السنة الأولى إلى 108 غاليري هذا العام. وقد أُضيفت إلى برنامجه مشاريع كثيرة منها الحوارات الثّقافيّة الحيّة التي يشارك فيها فنانون وأمناء متاحف وقيّمون وغيرهم من خبراء، ومنصّة «PLUGIN» التي تستضيف أحدث الاتجاهات والنزعات في عالم وسائل الإعلام الجديدة للفنون. كما تختار لجنة مستشارين بلداً أو مدينة من العالم كل عام لتركّز على تطوّرات الفَنّ المعاصر فيها، ومن ثَمّ تستضيف أهم الغاليريهات والمؤسسات الفنّيّة فيها، وتحاول الاستقصاء حول الحركات الفنّيّة في البلد المختار من خلال النقاشات التي تديرها خلال المعرض. كما أضاف المعرض إلى برنامجه مشروع «X-CHANGE» الذي يستضيف فنانين شباباً محليين ومن العالم، ليسلط الضوء على أعمالهم وتحفيزهم من خلال عرض مشاريع فنّيّة خاصة بـ «إسطنبول المعاصر». فالشباب والمخضرمون هم الشريحة الأكبر التي يركّز عليها «CI»، في مشاريعه كافة كما يؤكد غورلي. «المعرض بهذه البرامج أصبح مبتكراً للفَنّ وسياقاته»، كما يقول غورلي. ويضيف أن «»إسطنبول المعاصر» الذي مهّد إليه الطريق «بينالي إسطنبول» الذي يُعدّ الشعلة بالنسبة لنا، استطاع أن يزيد من عدد الفنانين الأتراك والدوليين في السوق المحلية، خصوصاً أن المعرض يكشف سنوياً عن وجوه ومواهب جديدة. وقد زاد المشهد الإسطنبولي تنوّعاً وغنى منذ 10 سنوات حتى الآن. وهو ما يصعّب تتبع وتعقّب كل هذا التدفق الهائل من الأعمال الفنّيّة من قِبَل الجامعين والخبراء، وهنا تكمن مهمّتنا كمنصة أو كدليل للعرض وليس للنصيحة، للجامعين وأمناء المتاحف».

منافسة محتدمة

اليوم أصبح لمعرض «إسطنبول المعاصر» منافس وهو «ARTINTERNATIONAL ISTANBUL» (AI) الذي يغمز غورلي إلى أنه يستغل نجاح «بينالي إسطنبول» وزواره والصحافة الدولية المدعوة إلى التظاهرة العريقة منذ العام 1987، من خلال تنظيم معرضه بالتزامن مع البينالي في سبتمبر/أيلول. لطالما أكد غورلي على أهمية التشبيك، لكن هل فكّر بالمنافسة؟ وهل يمكن القول إن «إسطنبول المعاصر» ساهم كمنصة في ولادة معرض جديد وهو «AI»؟ يرد غورلي: «يمكن لإسطنبول كمدينة مميّزة وجميلة ومعروفة تاريخياً بتشجيعها للفَنّ والعمارة، أن تتسع لكل المساحات الفنّيّة. وهو أمر يساعد على إبراز الوجه المشرق لإسطنبول الذي تفتقده خصوصاً في الصحافة الدولية. ولكنني أعتمد مبدأ في حياتي المهنية وهو عدم تقليد أي مشروع أو نسخه وعدم تأسيس عمل مبني على نجاحات الآخرين. هذا خطأ». وهو ما فعله معرض «AI»، إذ استفاد مما أسسه «إسطنبول المعاصر» وحاول تقليده مع التركيز على الغاليريهات الدوليّة أكثر من المحليّة، على عكس ما يفعل معرض غورلي. وهنا يوضح غورلي: «الغرض والحاجة هما اللذان يحددان عملك. وعندما أسسنا «إسطنبول المعاصر» كانت هناك فجوة كبيرة واستطعنا سدّها. لكنني لا أعرف ما هي حاجة «ARTINTERNATIONAL ISTANBUL» وما هي الفجوة التي يسدها في مدينتنا».

هل استفاد CONTEMPORARY ISTANBUL من «بينالي إسطنبول»؟ يجيب غورلي: «أبداً، لم نفكر بالأمر. وقد كنت من الداعمين لهذه التظاهرة الوطنية وأدعو دائماً إلى دعمها، ولا يمكن أن أقتنص نجاحاتها». وهنا يشرح أن أي معرض يجب أن تكون له شخصيته وتوقيته وزواره، لذا «نحن رفضنا أن يتزامن معرضنا مع البينالي، ولا نقبل بتقاسم الخبزة معه، لا مادياً ولا صحافياً». ثم أشار إلى أنه لا يمكن أن تنظّم معرضاً مثل «AI» في سبتمبر/أيلول، وتختفي طوال العام، عليك التواصل مع الناس والفنانين والزوار والمجتمع الفنّي عامة. أما بالنسبة إلى جدولة المعارض الزمنية، فقال إنه لا يجوز وليس مقنعاً أن يُنظَّم معرضان في مدينة واحدة خلال مدّة زمنية لا تتعدّى الشهرين، فتنظيم تظاهرتين في الوقت نفسه يؤدي إلى منافسة سلبية أو غير شريفة. وهنا يؤكد أن إدارة «إسطنبول المعاصر» اتّخذت قرارها بمقاطعة كل الغاليريهات التي تتعامل مع «ARTINTERNATIONAL ISTANBUL».

 موضوعات أخرى