محطّات إدوار التي لا تنتهي

أحمد طه



هناك محطّات في رحلة إبداع إدوار الخرّاط لم تثر اهتمام معظم نقّاده، وهم كثر، رغم اعتقادنا بأهمّيّتها وتميّزها، ليس، فقط، لتفرُّدها من حيث زمن الكتابة الطويل، وإنما لأنها تلقي الضوء الكاشف على جوانب جوّانية من حياة إدوار الخرّاط، لم يكشف عنها، سواء في أحاديثه الصحافية، أم فيما كتبه عن سيرته الذاتية. وأهمّ هذه المحطّات هي المتتالية القصصية، التي نشرها عام (1985م)، بوصفها روايته الرابعة بعد «أضلاع الصحراء»، و«رامة والتنّين»، و«الزمن الآخر».

والواقع أن هذه المتتالية/الرواية بدأها الخرّاط كقصّة قصيرة في مجموعته القصصية الأولى «حيطان عالية»، والتي اصدرها عام (1959م)، على نفقته الخاصّة، وكان عنوان القصة «محطّات السكّة الحديد» وترتيبها، في المجموعة، جاء بعد القصّة الأولى «حيطان عالية»، ثم الثانية «الشيخ عيسى»، وكانت هي الثالثة في الترتيب، فإذا اعتمدنا تصريح إدوار بأن «حيطان عالية» هي أوّل قصّة كتبها، وإذا افترضنا أنه رتَّبَ أقاصيصه، في المجموعة الأولى، طبقاً لترتيب كتابتها، فذلك يعود- في الغالب- إلى أواسط الخمسينيات من القرن الماضي، أي بعد تجربة اعتقاله وسجنه بسنوات معدودة، حيث تمّ اعتقاله في عام (1948 م)، وأمضى في المعتقل سنتين، متنقلاً بين معتقلات: (أبو قير - هايكستيب - الطور).

وما يجعلنا نهتمّ بتاريخ كتابة «محطّات السكّة الحديد»، هو ذلك الجوّ الكابوسي المهمين على القصّة، والذي ظلّ مهيمناً على ما كتبه بعدها، تحت العنوان نفسه، والذي صدر بعد أكثر من ثلاثين عاماً من كتابته للقصّة الأولى، كرواية تضمّ خمس قصص، تَمَّ ترقيمها بالأرقام من (واحد) إلى (خمسة)، وكأنها فصول من عمل واحد، استغرقت كتابته زمناً قياسياً، في طوله، ربّما لم يتكرّر، في تاريخ الكتابة السردية العربية، في العصر الحديث.

وبالطبع، لا يعني احتواء قصّة ما على أجواء كابوسية أن يكون كاتبها قد عانى مرارة الاعتقال، بسبب انتماءاته السياسية والفكرية، ولكن هناك إشارات عديدة في هذه المتتالية القصصية، تكاد تؤكِّد ما نذهب إليه، فالبطل في القصّة الأولى يسافر في عربة قطار مغلقة، يحيط به الركّاب الذين تنبعث منهم الروائح المتباينة والمقزّزة، وهناك العسكري الضخم الذي تكوَّمَ أمامه في سترته السوداء، ويتنخّم في منديله الأحمر الباهت، ثم الأفندي الرثّ الذي يجلس إلى جانبه مع حقيبته المربوطة بدوبارة، وفي القصّة الثانية يظهر العسكري جالساً عند مكاتب المحطّة، منتفخاً في بدلته الصفراء، وأشرطته العريضة الداكنة الحمرة، على كمّه، وهي صور، توحي كلّها بعربات ترحيل المعتقلين، من المعتقل، وإليه.

حتى بعد وصول القطار إلى محطّته، ودخوله إلى النفق الأرضي للخروج إلى المدينة، يشعر أن شيئاً ورءاه؛ خطوة خفيفة مسترّقة، شيئاً يرقبه وينتظر أن يوقع به كي يطبق عليه؛ لذا فهو في حالة هلع دائم من أن تثبت إدانته، وتقترب لحظة الحكم عليه.

ويتميّز «الخرّاط» بلغته الشعرية، فهو، في قصصه، شاعر وقاصّ في آن واحد؛ لذا فقد عقد صداقة وطيدة مع شعراء جيل السبعينيات وقصّاصيه، أستاذاً لهم، بل كان يرى نفسه واحداً منهم، وأذكر أنه أعطاني وأصدقائي من جماعة أصوات الشعرية التي تكوّنت في السبعينيات، روايته الفذّة «رامة والتنّين» قبل أن ينشرها، وكانت مخطوطة ضخمة، فقمنا بتصويرها عدّة نسخ، وأقمت ثلاث ندوات لقراءة الرواية ومناقشتها في بيتي، حيث كنا نقيم ندوة خميسية أسبوعية، وكان البيت يزدحم ذلك اليوم بشباب الشعراء والكتّاب والمثقّفين، الذين أدهشتهم الرواية بلغتها ذات الحساسية المرهفة للكلمة، وبنبرتها وإيقاعها، وصياغتها المتحرِّرة من التركيب التقليدي للجملة، وهذه الرواية وضعت «الخرّاط» في موقعه الذي يستحقّه، عند هذا الجيل، وعند الأجيال اللاحقة له.

مثَّلت هذه الرواية طعنة قاتلة لأنماط كتابية سردية كانت تعتمد الواقعية الستينية التي حاولت المؤسَّسة الثقافية الناصرية ترسيخها في التربة المصرية، وفتحت آفاقاً واسعة للكتّاب الذين تحدّوا هذا النمط الواقعي، وذلك قبل أن يقرأ المثقَّفون الأعمال الحديثة لروّاد الواقعية السحرية اللاتينية، التي أجهزت على تلك الواقعية المثخنة بالجراح القاتلة، التي أحدثتها كتابات «إدوار الخرّاط» ومدرسته، والتي كانت تكسب أرضاً جديدة، كلّما بزغ كاتب جديد- سواء في الشّعر أو في السرد- يمثِّل امتداداً أو إضافة للجسر الذي وضعه «إدوار الخرّاط» باتّجاه الحداثة.

لم يكتفِ «إدوار الخرّاط» بدوره الطليعي، قصّاصاً وروائياً، بل شارك- بمجرَّد تخلُّصه من أعباء وظيفته نائباً لـ «يوسف السباعي»، في منظَّمة (التضامن الأفرو آسيوي)- مشاركةً فعّالة في الحراك الثقافي الطليعي، فشارك في تأسيس مجلّة «جاليري 68» عقب هزيمة النظام الناصري في عام (1967م)، وهي المجلّة المستقلّة الأولى الفاعلة في العصر الشمولي الناصري، والتي كانت رأس حربة لميلاد حركات ثقافية مستقلّة في السبعينيات، تلك الحركات التي أجهزت على ثقافة الدولة الشمولية المهترئة.

يذكّرني «إدوار الخرّاط» برائد آخر من جيله، تقريباً، هو المثقَّف الرائد «أنور كامل»، الذي التحم بشباب المثقَّفين والكتّاب، وهما، معاً، قاما بوصل ما انقطع بين الثّقافة المصرية فيما قبل عام (1952م) والثّقافة المصرية الناهضة، بعد سقوط النظام الشمولي الناصري في عام (1967م) ثقافياً، رغم بقائه كمؤسّسة مهترئة، تمثِّل نظاماً سياسياً مهترئاً.

كلُّهم يمثِّلون محطّات في رحلتنا الطويلة والشاقّة، ممّن عاصرناهم ورأيناهم وعايشناهم، ومن لم نرهم، مثل «جورج حنين»، و«كامل التلمساني»، و«رمسيس يونا». وحتى لو كان «إدوار الخرّاط» آخر هذه الحلقة الرائدة والطليعة، فإن غيابه لا يعدّ نهاية لهذه الرحلة، وغيابه ليس المحطّة الأخيرة، فمازال هناك طريق طويل، ومحطّات عديدة، لن تنتهي أبداً.

 موضوعات أخرى