رولان بارت.. وفضح الخرافة

أحمد عبدالكريم

لم يُعرَف عن رولان بارت (الذي نحتفل بمئوية ميلاده هذا العام) انخراطه في الحياة السياسية، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى معاصريه من الكتّاب والفلاسفة، ولم تُعرَف له مواقف سياسية من الأحداث التي عاصرها، كحرب الجزائر (1954 - 1962) التي أثارت جدلاً كبيراً لدى النخبة والمثقَّفين، وقسمت فرنسا الخمسينيات بين مؤيِّد لاستمرارها ومعارض له. وقد أدان الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر هذه الحرب في بيانه الشهير «عارنا في الجزائر»، وكان من الموقِّعين على بيانه هذا كثيرٌ من الكتّاب والمثقَّفين، فيما اكتفى بارت بنقد الميثولوجيا التي تُعَدّ الأساس الذي قامت عليه كثير من الأيديولوجيات، ولم نقرأ له مواقف صريحة من حرب الجزائر، إلا ما نستشفّه من رفض للكولونيالية ومنطلقاتها الفكريّة والثّقافية.



من السيمولوجيا إلى..

يدين التحليل السيميولوجي بالشيء الكثير للناقد والسيميولوجي الفرنسي رولان بارت (1915 - 1980)، واضع الأسس الأولى للمقاربات السيميولوجية، التي أصبحت أنموذجاً يُحتذى في أدبيات التحليل السيميولوجي، وعرفت رواجاً وشيوعاً كبيرين لدى المشتغلين في هذا الحقل. ومن أكثر المفاهيم التي جاء بها بارت شهرةً مفهوما الإيحاء، CONNOTATION، والأسطورة، MYTHE.

حين قدَّم بارت منهجيّته في التحليل السيميولوجي للصورة التي طبّقها على المثال المعروف، المتمثِّل في الإشهار «لعجائن بنزاني»، في مقاله الذي كتبه عام 1964، بعنوان «بلاغة الصورة، RHÉTORIQUE DE L’IMAGE» تحدَّث عن مستويين في قراءة المعاني: مستوى المعاني المتلقّاة: معاني المعجم والتي تسمّى معاني التعيين.ومستوى المعاني المتطفِّلة الإضافية، والتي تكون ضمنية في أغلب الأحيان، وتسمَّى معاني الإيحاء.

إن الوظيفة الدلالية أو التصنيفية للعلامات البصرية ليست مجرّد إشارة إلى شيء ما، بل هناك وظيفة أخرى متضَمَّنة فيها، وهي الإيحاءات التي تحملها ضمنياً، فسيارة «رولز رويس» ليست مجرّد ماركة سيارات معيَّنة، بل هي تولّد مجموعة من الإيحاءات المتأتّية من تجربتنا الاجتماعية، ولأنها سيارة غالية وفخمة فقد تمّ ربطها بفكرتَي الثروة والفخامة، وبالمثل، لا تشير صورة قصر «باكنغهام» إلى مجرّد نوع من أبنية لندن، بل توحي بأكثر من ذلك؛ أيّ إلى مدلولات أو مفاهيم الملكية والتقليد والثروة والسلطة.

أوضح بارت أن هدف هذا العلم الذي سمّاه (سيميوطيقا) هو تحليل كلّ النظم الرمزية، أيّاً كان الجوهر أو المضمون، وأيّاً كانت الحدود، والصور، والإشارات، والأصوات النغمية، والرموز التي نجدها في الأساطير والبرتوكولات، والعروض التي نعدّها، جميعاً، لغاتٍ أو- على الأقلّ- نظاماً للمعنى».



.. إلى نقد الميثولوجيا..

في عام 1957، صدر كتاب «MYTHOLOGIES، ميثولوجيات» لرولان بارت، وهو مجموعة مقالات قصيرة، سبق أن نُشِرت في مجلّات فرنسية، تناولت مظاهر من الحياة الثّقافية، تبدو غير مهمّة وهامشية، ولا تستحق التحليل، كمباريات المصارعة، وصورة غريتا غاربو، وسيارة سيتروان، ورقائق البطاطا. لكن رولان بارت تناولها محاولاً إبراز المعاني الحقيقية التي تمتلكها الممارسات الثّقافية تلك، بالجدية والاهتمام والروح النقدية نفسها، التي يمكن استخدامها في قراءة الأعمال الفنيّة الرفيعة، مثل الأدب والموسيقى الكلاسيكية.

استخدم بارت، في كتابه «ميثولوجيات»، أدوات التحليل السيميائي في تحليل دراسة مظاهر الثّقافة اليومية، وختم الكتاب بمقالة عنوانها «الخرافة اليوم»، تضمَّنت عناصر الطريقة التي استعملها في مقالاته التحليلية، وأجاب فيها عن سؤال مهمّ هو: لماذا تبدو قراءة الحياة الاجتماعية من الأهمّيّة بمكان؟

لقي الكتاب نجاحاً كبيراً في فرنسا والعالم كلّه، لأنه فتح المجال أمام الدراسة الجادّة للحياة اليومية التي كانت مستبعَدة، نتيجة تعالي الباحثين عن تناولها.

إن الأسطورة ليست هي الخرافات والأساطير التقليدية المرتبطة بالميثولوجيا القديمة، بل هي كلام أو «خطاب اختاره التاريخ» كما يقول بارت؛ بمعنى أنها معانٍ وأفكار، تكتسب قوّة الأسطورة الجديدة. بارت يسمّي ظاهرة استدعاء العلامة لمجموعة من المدلولات والإيحاءات، لتضفي على رسالة ما معنى معيَّناً، «صنع الأسطورة».

الأسطورة تربط دالّاً بدالّ آخر، ويجري هذا الربط بطريقتين: الأولى هي الاستعارة، بجعل مدلول مشابهاً لمدلول آخر مختلف عنه، والثانية هي الإبدال من خلال استبدال مدلول ما بمدلول آخر على صلة به، صورة الإشهار المتخيَّل التي تُظهِر قَدَم شخص ما تهبط من سيارة «الرولزرويس»، مما يوحي بأن الحذاء والسيارة متشابهان، وكلاهما يجسِّد الفخامة، وهي علاقة إبدالية، أما القَدَم التي نراها تنزل من السيارة فهي تمثِّل الشخص المتَّصل به.

هذا المثال يمزج علامات عديدة بطريقة مركَّبة، تعطي للحذاء، موضوع الإشهار، معاني خرافية. غير أن الخرافة ليست لغة محايدة أو بريئة، بل هي تلتقط العلامات ومدلولها، وتعيد توظيفها بطريقة قصدية لتؤدّي دوراً اجتماعياً معيَّناً، فهي محمَّلة بالمعاني والأفكار والنوايا والأهداف غير المعلنة التي تخدم أهداف شخص ما أو فئة ما أو أيديولوجيا ما.

تعتمد الخرافة على الانتقائية وإلغاء الرسائل البديلة المناقضة، وعلى تقديم الخرافة كما لو كانت واقعاً حقيقياً، ولا مجرَّد رسالة من ضمن رسائل أخرى بديلة.

هكذا، تصبح الميثولوجيا دراسة لهذه الأساطير، فهي جزء من السيميولوجيا التي تنبّأ بها فرديناند دوسوسير، مجالها هو «قراءة الرسائل في الخرافة، وتعيين العلامات المستخدمة، وإظهار كيفية بنائها، عبر التشفير الذي يوصل رسائل معيَّنة دون سواها».



أسطورة الجزائر الفرنسية

يهمّنا جدّاً، أن نتوقَّف عند المثال الأساسي الذي ساقه بارت في مقاله «الخرافة اليوم»، يتعلَّق بالصورة؛ إذ يتخيَّل بارت نفسه في محلٍّ للحلاقة، وهو ينظر إلى أحد أعداد مجلّة «باري ماتش» الفرنسية: على الغلاف صورة جندي أسود في بزّته العسكرية متأهِّباً، يؤدي التحيّة للعلم الفرنسي، وينشد النشيد الوطني. الدالّ ظاهر وواضح، وهي الأشكال والألوان في صورة الغلاف، ويمكن أن نقرأها كعلامات أيقونية ذات معنى، أما الرسالة التي تُلتَقَط- مباشرةً- من خلال الصورة فهي« أن جندياً أسود يؤدّي النشيد الوطني الفرنسي»، لكن الصورة تتضمّن- كما سنرى- معاني أبعد مما يشير إليه الظاهر. فالصورة توحي- بقوّة- بأن فرنسا: «فرنسا إمبراطورية عظيمة، وأن كل أبنائها، وبعيداً عن أي تمييز في اللون، يخدمون- بإخلاص- تحت علمها، وأن الجواب الذي ما بعده جواب، ردّاً على التقوُّلات التي ترمي فرنسا بالاستعمار، هو مشهد عبد «NEGRO»، يخدم- بإخلاص- مضطِهديه المزعومين»..

إن هذه الصورة جاءت في سياقات وظروف خاصّة، حيث كانت فرنسا خلال الخمسينيات تعيش أزمة داخلية، وكانت الثورة التحريرية في الجزائر على أشدّها، وكانت القضية الأولى التي تشغل الرأي العام الفرنسي.

في هذا السياق الاجتماعي والسياسي- تحديداً- كان مطلوباً لصورة غلاف «الباري ماتش» أن توصل موقفاً واضحاً منحازاً لصالح استمرار الحكم الاستعماري على الجزائر، ولكن، من غير أن تعلن ذلك صراحةً، أو على نحو مباشر، من خلال تلك الصورة (جندي أسود يؤدّي النشيد الوطني الفرنسي)، وهي علامة أيقونية تتضمّن معاني محدّدة، بحيث تصبح الأساس لتشكيل معنى اجتماعي مطلوب، وهو أن الحكم الفرنسي حكم صالح وتسوده المساواة، هذا المعنى الاجتماعي هو الخرافة أو الأسطورة.

دور المحلّل الميثولوجي- بحسب بارت- هو، دائماً، فضح الخرافة ونقدها، من خلال أدوات التحليل التي يمتلكها، القادرة على فهم عملية البناء والتوليد، من خلال الفصل بين الصورة والخرافة وإبراز المعنى الحقيقي الذي تطمح الخرافة إلى بلوغه، وهو إمبريالية فرنسا.



*للمقال هوامش وإحالات.

 موضوعات أخرى