التّعايُش السِّلمي بين الشعوب



أصبح العالم كلّه- في وقتنا الرّاهن- مهتمّاً بالتّطرّف والإرهاب، حيث تتابعت حوادثهما، وعظمت مآسيهما حتّى لم تسلم منها بقعة من هذا العالم: شرقه وغربه، شماله وجنوبه، وصار الحديث عن غيرهما تغريداً خارج السّرب، كما يقوّلون.

وإذا كان الحديث عنهما يُعَدّ تفاعلاً آنيّاً مع حوادث الزّمن الحاضر، واستجابةً ضروريّة لما يطلبه الواقع الرّاهن، فإن الحديث عن تطلّعات المستقبل وأمانيه يرسم لنا السّبل الكفيلة بصدّ التطرّف ومكافحة الإرهاب. وبذا يصبح الحديث حول «التّعايُش السلّمي بين الشعوب» استشرافاً لمستقبل أكثر أمناً واستقراراً للشعوب كلّها.

قد يقول قائل: إن العالم شعوب وقبائل مختلفة، فهل يكوّن بينها تعايُش سلّمي؟ وكيف يتحقّق؟

والجواب أنّ هذا الاختلاف إرادة إلهيّة، وسنّة كونيّة، ولا يمكن إنكاره أو تجاهله، وأنّ التّعايُش السلّمي ممكن، متى تعاملنا معه بوعي تامّ، وعلينا أن ندرك مقاصد كلّ منهما، على وجه الدّقّة والحقيقة. فحكمة الاختلاف هي التّعارف كما قال تعالى «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا...»، وهذا التّعارف يقتضي التّواصل مع الآخر وتبادل المعرفة، بشتّى صورها وأشكالها، وصولاً إلى تفاهم أفضل يوفِّر لكلا الطّرفين حياةً آمنة مستقرّة، يسهم كلّ طرف، من خلالها، في عمارة الأرض التي استُخلِف فيها.

ولا بدّ أن يُبنى هذا التّعارف على أساس الاحترام المتبادل، وصون الحقوق، والصّدق في المعاملة، تمهيداً لبناء الثّقة ونشر ثقافة التّعايُش السلّمي التي تعتمد على تعزيز القيم المشتركة، ونبذ التطرّف، ومحاربة الإرهاب، وعدم الإقصاء، وتشجيع الحوار البنّاء، واعتماد التّفاهم سبيلاً لحلّ المشكلات. والحكمة في إدارة التّعايُش تقضي بوجود قانون يحقّق العدل والمساواة، ويضمن الحقوق، ويمكّن من رعاية المصالح وتأمين السلّم لكلّ الأطراف، بما يحقّق التّلاحم الدّاخلي والوئام العالمي.

وإذا كان التّعايُش السّلمي ضرورة من ضرورات استقرار الأمن والأمان في أيّ مجتمع، فإن العمل على ترسيخ هذا المفهوم واجب أصيل، من خلال نشره ضمن مناهج التّعليم وعبر وسائل الإعلام، وتفعيل دور المؤسّسات والهيئات في دعمه وتوطيد أركانه ومبادئه.

ومن هذا المنطلق، يغدو التّمسّك بمبادئ التّعايُش السّلمي شرطاً ضروريّاً لبناء علاّقات طيّبة، وإقامة تفاهم بنّاء وتعاون مثمر يسهمانّ- بكلّ إيجابيّة- في تماسك المجتمعات، واستقرار العالم وتنميته.