أول بينالي لفوتوغرافيا العالم العربي الربيع والذاكرة والتحوّلات

باريس: أوراس زيباوي



ينظَّم في باريس (11 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 - 17 يناير/كانون الثاني 2016)، وللمرّة الأولى، بينالي مُخصّص لمصورين عملوا في العالم العربي واستوحوا أعمالهم من هناك. تتوزّع هذه التظاهرة الفنيّة بين صالات «معهد العالم العربي» و«البيت الأوروبي للصورة الفوتوغرافية»، وأماكن أخرى منها «غاليري بينوم» و«غاليري فوتو 12»، بالتعاون مع عدد من المؤسّسات الفرنسيّة والعربيّة، ومنها بلدية باريس وبيت السياحة اللبناني.

صور كثيرة يعرضها البينالي التقطها خمسون مصوراً عربيّاً، من بينهم غربيون عاشوا في العالم العربي. بعض هذه الصور رصدت «الربيع العربي» وما انطوى عليه من آمالٍ ومآسٍ، وهو أحد المحاور التي تمحورت حولها التظاهرة الفنيّة...

هذه النظرة إلى الواقع تساهم في إخراج المشاهد والأحداث من إطارها المتداول، القائم في أغلب الأحيان على الأفكار المسبقة، من أجل الكشف عن الحقائق العميقة. إنه الفنّ وقد وُضع في إطاره الإنساني العامّ، والذي يساعد على التفاعل والحوار بين الشعوب، بحسب ما عبّر عنه رئيس «معهد العالم العربي» جاك لانغ في تصديره لهذا البينالي.

تتنوّع الصور التي نقلت المناظر الطبيعية والعمران، منها ما يركّز على موضوع المدينة، وهذا ما يتجلّى في الأعمال التي التقطها اللبنانيان ماهر عطار وجو كسرواني... أما المغربي خليل نماوي فقد أدار ظهره للمدينة منذ سنوات وهو يتنقّل في المناطق الريفية المغربية، حيث يلتقط معظم صوره. لقطات يحضر فيها الضوء بصورة تتلاءم والمشهد الطبيعي كتلك التي تصوّر حصاناً في ظِلّ شجرة زيتون. جو كسرواني الذي أتى إلى الصورة الفوتوغرافية من الهندسة المعمارية ويُعنى بموضوع التنظيم المديني ركزت صوره على مدينة بيروت وعلى الفوضى العمرانية فيها وتناقض مشهدها مع البحر المنبسط وحدود الأفق. أما صور ماهر عطار فبقدر ما تلتقط دينامية البناء في دولة قطر، فإنها ترصد أيضاً الزمن المعلّق بين الماضي والذاكرة، كأنه يريد أن يروي حكاية هذه الذاكرة التي قد تؤول إلى النسيان أمام الرغبة في بناء العمارات الجديدة.

وفي محور العوالم الداخلية، تطالعنا صور للمنازل والفناءات المفتوحة على الضوء وتحمل تواقيع عدد من المصورين، كالفرنسي بروني باربي الذي وُلِدَ في المغرب وأمضى طفولته هناك، كما ارتبط اسمه بوكالة «ماغنوم» الصحافية منذ مرحلة الستينيات. وينظّم له في إطار البينالي في «البيت الأوروبي للصورة الفوتوغرافية» معرض استعادي يُظهر تعلّقه بوطن طفولته. وليس هذا هو أول معرض مُخصّص للصور التي أنجزها في المغرب، فقد أُقيم له في «معهد العالم العربي» عام 1996 معرض احتوى على صور تمثّل مدينة فاس وصروحها التاريخية.

تتنوّع رؤية المصورين المشاركين في البينالي بتنوّع توجّهاتهم الفنيّة والسياسية. بعضهم أراد التعبير عن قضايا الهويّة والتحوّلات الثّقافيّة التي تعيشها أوطانهم. في هذا الإطار، تطالعنا صور المصري نبيل بطرس الذي ركّز على موضوع هويّة الإنسان المصري من خلال ملابسه ومظهره الخارجي. والصور المعروضة تمثّل جزءاً من مشروع أعده بطرس عام 2010 تحت عنوان «المصريون»، وجاء بعد تأمله في تحوّلات المجتمع المصري وإدراكه أنّ الكثير من أبنائه باتوا اليوم يقومون بتغيير مظهرهم الخارجي وأزيائهم بما يتلاءم مع مصالحهم وللفوز بمناصب اجتماعية أو دينية أو لتحقيق أرباح مالية.

من الهويّة المصرية إلى الهويّة المغربية التي تحضر مع صور الفنانة المغربية ليلى علوي في إطار معرضها المقام في «البيت الأوروبي للصورة الفوتوغرافية»، والذي يحمل عنوان «مغاربة». يسعى المعرض إلى التعبير عن روح الشعب المغربي من خلال مجموعة مؤثرة من بورتريهات لشخصيات مغربية آتية من مختلف المناطق المغربية وتعكس الثراء الثقافي المغربي الذي يتجلّى في الأزياء والملامح البشرية وتنوّع البيئة الجغرافية.

ودائماً في إطار الحضور المغربي في البينالي، نحن على موعد مع المخرج السينمائي داود أولاد السيد الذي يُقام له معرض استعادي في «البيت الأوروبي للصورة الفوتوغرافية» أيضاً، ويُعدّ هذا المخرج أحد روّاد فنّ التصوير المغربي المعاصر. وتعرض بمناسبة البينالي مجموعة من أفلامه القصيرة والطويلة، ومنها فيلمان: «بانتظار المخرج بازوليني» و«الجامع»...

من أجواء الهويّات الوطنية إلى «الربيع العربي»، تطالعنا أعمال لعدد من الفوتوغرافيين ومنهم الجزائري محمد جداوي الذي يقدّم مجموعة من الصور تحت عنوان «حكايات سورية» أنجزها عام 2014، ومنها صورة بعنوان «ابنة الغول»، وهي مستوحاة من قصص وأساطير مُخصّصة للأطفال ومعروفة في دول المشرق العربي ومنها سورية. الصورة مأخوذة في منطقة مدينة حلب، والطفلة الماثلة فيها أراد المصوّر أن يقول إنها لا تزال متفائلة وتنظر إلى الحياة كغاية أخيرة في مواجهة الحرب العبثية المشتعلة منذ سنوات.

تحضر أيضاً في محور «الربيع العربي» ساحة ميدان التحرير في القاهرة، كما يحضر المتظاهرون الذين جاؤوا إليها، من خلال عدسة المصوّرة الفرنسية بولين بينيي التي عملت على مشروع بعنوان «جيل ميدان التحرير» بوصفه رمزاً من رموز جيل مصري شاب أراد التخلُّص من الاستبداد وشقّ الطريق نحو مستقبل أفضل.

من القاهرة إلى تونس، مع المصوّر التونسي أمين لاندولسي، وهو التونسي الوحيد المشارك في البينالي، تطالعنا إحدى صوره بالأبيض والأسود، وهي تُظهر وجه فتاة تواجه رجال الشرطة الذين كانوا يتصدّون لتظاهرة كبيرة في التاسع من شهر إبريل/نيسان عام 2012، الهدف منها الاحتفال بيوم الشهداء.

ولا تغيب فلسطين عن البينالي، فمدينة غَزّة حاضرة من خلال لقطات بالأسود والأبيض للإيطالي ماسيمو بيروتي، تطالعنا في إحداها فتاة صغيرة تمسك بيدها اليمنى سطلاً ويدها اليسرى في يد أخيها الصغير، وهما ينزلان على درج في مبنى مهدّم ويتجهان نحو مكان يوجد في ماء. هذه الصورة هي جزء من مشروع نال عليه المصوّر الإيطالي جائزة «الوكالة الفرنسية للتنمية» عام 2014، وحمل عنوان «أزمة المياه في غَزّة والضفة الغربية». وكان المشروع يتناول المعاناة الكبيرة التي يعيشها الفلسطينيون، المقيمون منهم في غزّة بالأخصّ، بسبب شُحّ المياه الصالحة للشرب والاستعمال. وتحضر غَزّة أيضاً من خلال صور الفلسطيني محمد أبوسل، وهو من مواليد غَزّة وعُرف بمشاريعه الفنيّة الجريئة، ومنها تصميمه لشبكة «مترو» في غَزّة. وتشكّل مساهمته في البينالي شهادة فنيّة أخرى تعكس معاناة أهل مدينته بسبب انقطاع التيار الكهربائي وجهودهم لتأمين بدائل عنه.

كشفت هذه التظاهرة الثقافية عن أسماء ومواهب جديدة وشابة، إلى جانب أسماء أخرى مكرسة، على الرغم من عدم إيلاء أهمية للتوازن بين الدول المشاركة، وتغليب حضور الصورة الفوتوغرافية في دولة دون دول أخرى. وتبقى أهمية البينالي المقام في «معهد العالم العربي» وفي أماكن أخرى في باريس، في كونه يعرّف الجمهور الفرنسي بعدد كبير من المصوّرين الفوتوغرافيين المعاصرين، كما يلفت انتباه المتخصّصين الغربيين بعامة، والفرنسيين بالأخص، إلى تجربة فَنّ التصوير الفوتوغرافي في العالم العربي اليوم، فضلاً عن لفت انتباه أصحاب صالات العرض الخاصة والمعنيين بالصورة الفوتوغرافية بشكل عام.