الشرخ الفرنسي ..عصر الأنوار في مواجهة نقيضه



نشرت المجلّة الأدبية الفرنسية، في عدد 560 أكتوبر 2015 هذا الملف ونقدّمه هنا للقارئ العربي كنموذج راهني للجدل الدائر في صفوف بعض المثقفين الفرنسيين، والذي تتضح في إطاره ردود الأفعال والآراء على ضوء الأحداث العنيفة المتلاحقة .

مارك ويتزمتان



تعيش فرنسا، نقاشاً محموماً، تَصْعُبُ معه مهمّة التمييز بين اليمين واليسار، التي أصبحت غامضة. السؤال المطروح اليوم هو: أيّ فكر يمكن أن يقود فرنسا أو أوروبا إلى برّ الأمان؟: النخبة تقاوم النزعات الشعبوية،ومع ذلك يبدو أن فرنسا، اليوم، تشهد عودة قويّة لتيار مضادّ لفكر عصر الأنوار. في خضمّ النقاشات بين المثقَّفين والسياسيين حول إنجازات عصر الأنوار تشكَّلَ فريقان: فريق المدافعين عن هذا الإرث بما يعنيه من إيمان بالقدرة الهائلة للعقل البشري، وفريق المعارضين لفكر الأنوار، الرافضين لفكرة الثقافة التي تدعم المساواة السياسية والمساواة الاجتماعية يبن الثقافات والأجناس. فمن سيحدِّد مستقبلَ فرنسا أو أوروبا انطلاقاً من العصور السابقة، وبالخصوص، القرن الثامن عشر والتاسع عشر؟

نقاش سيساهم فيه: الثوري، والمعتدل، والجذري، واللاثوري، والعقلاني، والغنوصي. ولاشكّ أنه نقاش مثمر، سيعيد النظر في الثوابت، ويحدّد رهانات العصر.

يقول آلان فنكلكروت «ALAIN FINKIELKRAUT»، في مقدِّمة كتابه الجديد «الدِقَّة الوحيدة،LA SEULE EXACTITUDE»: «نعيش اليوم منعطفاً تاريخياً» منعطفاً تخفيه- بشكل مفارق- الإحالة الدائمة على التاريخ» بينما «حاضرنا ليس نسخاً للعالم القديم أكثر مما هو إعلان للتقاطع مستقبلاً». في هذا الكتاب، يقترح فنكلكروت (سليل عصر الأنوار)- كما يُعَرّف نفسه، وعلى أساس أحداث العامين المنصرمين- تخصيص زاوية صحَافية وجودية، تشمل كلّاً من: بيكي «PÉGUY»، وليفيناس، وهيدجر. إذا كانت النتيجة لافتة للانتباه، فلأن المؤلِّف - على العكس ممّا يقوم به أحياناً - يضع، هنا، معرفته في خدمة حساسيّته لا العكس. لا نجد، هنا، أثراً للغضب المتسرِّع الذي قد يضعفه على منصّة التلفاز، بل حتى في بعض أعماله. إن الأمر يتعلّق، هنا، باشتغال أدبي أكثر ممّا هو فلسفي خالص؛ اشتغال مُرَكَّز كلّه، ومأخوذ على- مايبدو- بوضعية استعجالية. الرؤية حادّة ودقيقة في الآن نفسه، رؤية تغذِّيها سعادة الكتابة التي تترك ما يكفي من مساحة اللعب، للقرَّاء، كي يعلنوا عن عدم موافقتهم.

يشمل هذا الكتاب حقبة 2013 إلى اليوم، ويتناول- بكلّ قوّة وصراحة- هجومات يناير. التمرين صعب، والسبب في ذلك، سياسي، مختزَل في كاريكاتوريّته، كما يفسّره أحد مستشاري فرانسوا هولاند، في ولايته الخامسة لجريدة «LIBÉRATION»، بقوله: «إذا ارتفعت نسبة البطالة، فهذا يعني أنها ستنخفض». وهي جملة لم يتنكّر لها فلوبير، صاحب عمل «BOUVARD ET PÉCUCHET»، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، الشبكات الاجتماعية، كسبب هذياني، دافعه القويّ اللّا إشباع والشعور بالانخداع. إذا ما صدّقنا كتاب «LE SYSTÈMESORAL»، الكتاب الأخير لروبين أنجيلو، وماتيو مولار، الصحافيَّيْن المختصَّيْن في قسم التحرّي والبحث والاستقصاء، فإن الموقع الإلكتروني، لهذا الأخير، قد جمع، منذ بداية سنة 2015، حوالي 7 ملايين زائر (في مقابل أن مواقع الأحزاب التقليدية لا تسجّل إلا 200 ألف زائر، بصعوبة). يقول فنكلكروت: «إنّ الحداثة هي هذه الحقبة من التاريخ، التي يصبح فيها الكائن قابلاً للتحوُّل والتأثُّر. وحدها الوقائع، في المجتمعات الديموقراطية، تظلّ- بعناد- مع نفسها (....). لقد رفع الإنترنيت الحاجز، بوصفه ثورتنا التكنولوجية الأخيرة. لم تعد الأحداث صلبة، بل مرنة. بإمكاننا إعادة تشكيلها لفائدة الإيديولوجيات، بمنحها لهذه العملية، فضلاً عن ذلك المظهر المزيل للغموض المتعلِّق بالبحث المضادّ».

عندما ينبثق الكاوس (السديم)، يصبح العقل استعجالياً، أليس العقل، هنا، هو أكثر عجزاً، كذلك؟ ما الذي سيقدر عليه العقل أمام اللاعقلاني؟



لا جديد في الشرق



من جانبه، يقول مارسيل كوشي «MARCEL GAUCHET»: «تفرض علينا الوضعية إعادة مساءلة موروث عصر الأنوار». أكيد، ولكن، كيف؟،

كما يذكر لنا ذلك رفائيل كليكسمان «RAPHAEL GLUCKSMAN» في إحدى مقالاته، أنه تَمّ تجسيد تراث عصر الأنوار سياسياً بعد الحرب، في غرب الحرب الباردة، من طرف مَنْ كنّا نسمّيهم «المنشقّين»، وأغلبهم فلاسفة، أو كتّاب أو علماء، تربّوا في أحضان الثّقافة الكلاسيكية والاشتراكية، ولكنها ثّقافة معارضة للشيوعية التي كانوا يعانون قهرها اليومي، فبالإحالة إلى معاركهم، حيث تشكّل ما بدأنا نسمّيه، في فرنسا، في بداية سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، «اليسار ضدّ الكلّياني». ففي فرنسا- كان كلٌّ من ألبيركامو، وكورنيليس كاستورياديس، وفرانسوا فيراي، وبعد ذلك «الفلاسفة الجدد» (أندري كليكسمان فنكلكروت، وبرنار هنري ليفي)، ثمّ بعد ذلك، في بريطانيا، كان هناك أرثير كوستلر «ARTHUR KOESTLER» والفيلسوف أسياه برلان «ISIAAH BERLIN»، وفيما بعد، في أميركا، صول بيلو SAUL BELLOW وفيليب روث «PHILIP ROTH»، وسوزان سونتاج، ونورمان مايلر، من بين آخرين، كانوا كلّهم قد لعبوا دوراً في شبكة الدعم المقدَّم لممثِّلي البقاء على قيد الحياة، لثّقافة كوسموبوليتانية في قلب أوربا. ثم بعد ذلك، في سنة 1989، تحطَّمَ جدار برلين أمام آلة كمان «ROSTROPOVITCH»؛ ففي براغ، وصل الدراماتورج والمنشقّ«VACLAV HAVEL» إلى السلطة، وفي السنة نفسها (1990) عشنا انتخاب رئيس بولونيا النقابي المنشقّ «LECH WALESA».

تعود أوروبا إلى الإطار الأوّل، سيسود السلام في الشرق الأوسط، وستمتدّ الديموقراطية إلى حدود الصين... ألم يسقط نظام الميز العنصري (الأبارتايد)، تحث تأثيرها في إفريقيا الجنوبية؟ والبقيّة ستأتي بعد ذلك.

وماذا بعد ذلك؟ لاشيء يُذكَر؟ يتساءل مارسيل كوشي «لماذا؟ سؤال مشَوِّق، لم نتأمّله بما يكفي. لقد أدركنا أنه إذا كان للمنشقّين وضعية أخلاقية مثيرة للإعجاب، فلِمَ لَمْ يعد لديهم- ببساطة- أيّ شيء ليدلوا به حول صعوبة عمل الأنظمة الديموقراطية. فاكلاف هافل، إنسان محترم جدّاً، ظهر بوصفه سياسياً مبتذلاً، لم يصنع معجزات، ولم يجسِّد أيَّ شيء. وسياسة ليش فاليسا «LECH WALESA»، في بولونيا، ظهرت بوصفها فشلاً مطلقاً، أدّى باليمين الأقصى إلى أبواب السلطة. حدثت، عند الجميع، خيبة ضربتْ- بقوّة- مسار الانتقال الديموقراطي. أما نحن، فمن كنّا نعتمد عليهم كي يجدّدوا الديموقراطيات الرخوة والفاسدة، لم يعرفوا كيف ينجزون ذلك، لقد ابتُذِلوا، ولم يعرفوا كيف يبعثون الحماس الذي كنّا نأمله»، وفي غضون ذلك، لم تتلقّ النخبة المثقَّفة الدولية المجنّدة من أجل منشقّ آخر اسمه سلمان رشدي (الذي أصدر بحقِّه الخميني فتوى إهدار دمه في السنة نفسها التي سقط فيها الجدار) أيَّ تضامن سياسي، هذه المرّة. وعلى العكس من ذلك، إذا كانت قيادات الغرب، في غالبيتها، تدين الفتوى، فإنَّ غالبيتها- في المقابل- كانت تأمل، جيّداً، أن تدين، من جهة أخرى، «استفزاز» سلمان رشدي.

بينما ينتقل سؤال الانشقاق نحو العالم الإسلامي، سيختفي الإرث الثقافي لسولجستاين أندري ساخاروف «ANDRÉ SAKHAROV»، وجوزيف برودسكي «JOSEPH BRODSKY»، وجان باتوكا «JAN PATOCKA». ماذا بقي اليوم من عشرات هذه الأعمال، بل من التكهّنات الأكثر ظلامية؟ كتب جان باتوكا، من سجنه، منذ منتصف سنوات السبعينيات من القرن الماضي في مؤلَّفه: «أوروبا بعد أوروبا، L’EUROPE APRÈS L’EUROPE»: «توجِّهُ القوّات القديمة ( الأوروبية) مجهوداتها نحو تشييداتها الخاصّة، وهي تبحث، في هذه الأوراش، بواسطة إقامة نظام للخدمات الاجتماعية لا مثيل له، عن نسيان حقارتها».

تنبَّأت أرملة أندري ساخاروف، إلينا بونر «ELENA BONNER»، في سنة 2007، وعلى أعمدة مجلّة «أفضل العوالم، LE MEILLEUR DES MONDES»، عن القرن الواحد والعشرين الكابوسي، المركَّب من «أردأ ما في الشيوعية والرّأسمالية».

يمكننا أن نؤرِّخ لهذه الحقبة نفسها، حين دخلت فرنسا، بشكل منفتح، في حقبة القلق والأمراض العصابية الكامنة، التي لم تخرج منها منذئذ. ترعرع هذا المرض (إن صَحَّ القول) منذ مدّة طويلة، وقد تَكَوَّن خلال عشرات من السنين، كانت فيها «ثقافة اليسار» في السلطة حيث «التواصل»، والنشوة الإشهارية»، وإدارة الشركات، و«تضامن المواطنة»، ومحاربة العنصرية الباهتة، قد عَوّضت- شيئاً فشيئاً- كُلَّ شكل من أشكال الوضوح النقدي. تدهورت، في منتصف التسعينات من القرن الماضي، هذه الثّقافة: وبدأنا بالتَعَوُّد على تقرير خلاصة اليومي، في صحافة «القضايا» غير المفهومة، من جهة أخرى، ومن الفساد السياسي، وهكذا، فقد انتحر الوزير الأوّل والمستشار السياسي، وفي الضواحي كنّا نشهد على الطلقات الأولى، للرّصاص، بينما تتأسّس الشبكات الإسلامية الأولى. في المقابل، بدأت الجبهة الوطنية في البروز السياسي، بينما الرئيس، بهذا المعنى الفوضوي للإثارة التي ستجعله لطيفاً لغاية ما، سيعمل على تحديث صداقاته مع المواطنين القدامى لحكومة فيشي.



هولبيك والفجوة التي سيفتحها



يقول بلزاك: «كلّما كانت الحياة مقزِّزة، تشبَّت بها الإنسان. إنها- إذاً- احتجاج، وانتقام من كلّ اللحظات». تُبرز هذه الجملة رؤية لميشل هولبيك «MICHEL HOUELLEBECQ»، في روايته «PLATEFORME، المنصّة»، كانت صالحة لرواية للكاتب نفسه، ظهرت في تلك الآونة، هي «EXTENSION DU DOMAINE DE LA LUTTE، تمدّد مجال الصراع»، المنشورة سنة 1994، عند موريس نادو، بغلاف رمادي تتعذَّر معه قراءة عنوانه. وفي تجاهل ملحوظ جدّاً، لم يجد الكتاب طريقه نحو المكتبات. شَنَّ الكتاب ما كنّا نعرِّفه، آنذاك، بـ«الهجوم الوحشي ضدّ الغرب الحالي»، كي نعيد تكرار كلمات المؤلِّف؛ أي ضدّ الفدرالية، الليبرالية، والديموقراطية البرلمانية، وموروث عصر الأنوار، وبشكل علمي، كلّ ما كان يسمّيه ميشل هولبيك، في البداية، على غرار أوغست كونت، «العصر الميتافيزيقي» المفتوح، منذ خمسة قرون، مع عصر النهضة.

إن عدداً كبيراً من الذين انغمسوا في الفجوة، آنذاك، مدهش قطعاً: من ميشل أونفري، وهو يعيد الإكتشاف بِمِضَخَّتِه المألوفة، إلى سبنجلر وكتابه «سقوط الغرب». يصرّح ميشيل أونفري بقوله «حضارتنا تتبدّد. كانت لنا أوربا، بدأت في قسطنطينة، وبعد ذلك انهارت بعد سنوات (1914-1918). استفحلت العدمية، واليوم، حضارتنا في نهاية السباق، لأنها لا تنتج شيئاً. المركب يغرق، ولا فائدة من وضع الإطارات المطّاطية» . وهو يخاطب ميشل مافيزولي، الذي يعلِّق على رواية هولبيك «خضوع»، إذ يقترح عليه- بلطف- العودة إلى «JOSEPH DE MAISTRE» في قوله: «لا شيء يصلح لإنكار ظاهرة، نصفها بـ(الخطيرة)، من الأحسن إدراكها والعمل على مصاحبتها. هذه هي الوضعية النسبية- بالضبط- التي يبلورها الرومانسي». هذا ما سيكتبه بخصوص اعتناق فرنسا الإسلام، المعروض في الرواية.

«مع الجمهورية، مع العلمانية ستخفق فلسفةعصر الأنوار؛ إذ أصبح عصر الأنوار ينذر بوميضها الخافت، وعلى كلّ حال، لا يضيء شيئاً ذا أهمّية، في العالم الكبير!، ولكن هولبيك لا يعبّر عن ذلك بعنف، إنه يدعو- بالأحرى- إلى حكمة شعبية، تلك التي قدَّرَها جوزيف دوميستر بقوله: «التفكير السليم والعقل السليم مجتمعان». إذا أمكننا الحديث عن التيّار بالمعنى الخاصّ، فمن المؤكَّد أن اقتحام هولبيك المشهد قد كشف عن حداثة مضادّة غامضة (سديمية)، يمكننا، من خلالها إيجاد تصنيف، بمستويات مختلفة، ومواهب متنوّعة (لكنها جميعها تتَّفق على نقد شرس للموضوع). كلّ من ريجيس دوبري، وريشارميّي، ورونو كامو، العزيز على فكلنكروت، وفيليب موراي بعد الوفاة، و- أيضاً- إيريك زامور، يُعَدّون من أفضل عقول هذا البلد، باستثناء البعض.

إن مقولات نهاية الجمهورية، ونهاية عصر الأنوار والغرب، هي بمثابة قبول راضٍ ونسبي لانهيار النظام الجديد: حتى ولو ذكر لنا زيف ستيرنهيل «ZEE VSTERHELL» أن جزءاً مهمّاً من هذه المقولات الجوهرية وصلت إلى أوجها تحت سلطة VICHY. وهي مقارنة ليست معقولة. ففي سنة 1940، لم تكن إسرائيل موجودة، ولم تعرف فرنسا بقوّة الحضور الإسلامي، ولا- طبعاً- انتشار الشبكات الاجتماعية، طبعاً. بعبارة أخرى: إن اختلاف السياق يجعل الوضعية جديدة تماماً.

على كلّ حال، يبقى السؤال مطروحاً: ما الذي يجعل فرنسا المؤهَّلة، بصورة استثنائية، قادرة على صياغه تقديرات تهمّ هذه النقطة المريبة بطريقة منتظمة؟ لقد عاد مارسيل كوشي في مجلّة النّقاش «LE DÉBAT»، إلى حدود سنة 1970، فيما يسمّيه «أزمة المستقبل «التي تعبِّر، في فرنسا، تحت وقع الصدمة البترولية، عن هذه الأزمة- كما يقول- بواسطة إزالة الإيمان بالمستقبلي، ونهاية الاقتصاد المخطَّط له، وانهيار المنظور الثوري، لكن الظاهرة هي عالمية؛ ففي سنة 1979، و-بالخصوص- في الصين الشيوعية، قام دينك كسياوينغ «DENG XIAOPING»، بإدخال الإصلاحات الرأسمالية. وعرفت السنة نفسها وصول ريغان، وتاتشر، وبداية الحرب السوفياتية في أفغانستان وانتصار الإسلام السياسي في طهران مع الخميني، سلسلةً من الأحداث، جعلت من سنة 1979 سنة وصل، حيث ابتعد العالم- ببطء- عن النظام الموروث بعد الحرب، بالنسبة إلى السواحل المجهولة للقرن الواحد والعشرين. كيف يعيش العالم الثقافي الفرنسي هذا الزلزال اللامرئي؟ يستبق جان فرانسواليوتار الحقبة بمفهومه عن الوضعية ما بعد الحداثية «LA CONDITION POSTROMODERNE». يُعَدّ ميشيل فوكو، في روبورتاجَيْن ملتبسَيْن نشَرَتْهما صحيفتا «CORRIERE DELLA ،SERA» و«LIBÉRATION»، واحداً من القلائل الذين أدركوا أهمّيّة الثورة الإسلامية وقد كتب- عنها- قائلاً: «إنها ربّما التمرُّد الأوَّل ضدّ الأنظمة الكونية، والشكل الأكثر حداثةً للثورة، والأكثر جنوناً»، وهذا كلّ شيء تقريباً.

ينغمس غالبية المثقَّفين، كذلك، في الماركسية، ويظلّون أوفياء إلى حَدّ الغموض؛ ومن ثمّ دافع آلان باديو، أحد الأحياء الأكثر وجاهةً، والنّاجين من غرق السّفينة في سنة 1979، في مقالة، ظلت شهيرة، عن الإبادة الجماعية التي يقودها «الخمير الحمر»، تَمّ تسنين مرسوم «الرعب باسم التطوُّر». سيفعل نعوم تشومسكي الشيء نفسه في السنة الموالية. سيؤدّي دعم مذابح الماركسية بعيداً مادام قد لامس أحد المقاومين للمدّ الاستعماري، سيرج تيون «SERGE THION»، في هذه السنة، مسألة إنكار الهولوكوست عند فوريسون «FAURISSON»،  وقد جرَّ وراءه المجموعة التحرُّرية «LA VIEILLE TAUPE» (حركة ثورية). واليوم، باسم إرث عصر الأنوار الذي يلهب الأحرام الجامعية الغربية، في هذا الخليط من العالم الثّالثي والمعارضة للنّزعة الليبرالية، يظلّ باديو أحد أكبر مشاهيره، بدون منازع. يحلِّل بيير أندري تاركيف «PIERRE- ANDRÉ TARGUEFF» ذلك، بقوله: «إنّ جزءاً مهمّاً من الفكر المعارض للّيبرالية، الذي ينبثق من دوائر اليمين الجديد، قد ذاع في كلّ مكان، و-بالخصوص- بفضل اليسار المتطرِّف، فاليوم، على مستوى القيم، إن الزاد الثقافي لليمين الجديد قابل للمقارنة مع ذلك المتعلِّق بالحركة «L’ACTION» الفرنسية، لسنوات 1930. نحافظ في خطابنا عن المؤلّفين «المنبوذين»، مثلاً، على نسبية معيَّنة، لم نكن نفكِّر فيها منذ ما يقرب من عشرين عاماً. يمكننا أن نرى فيها مخرجاً للمانوية (مذهب ديني قديم يقول بمبدأ النور والظلمة)، ولكن، توجد- أيضاً- سذاجة أكثر».

أما فنكلكروت، من جهته، فقد أعطى، في كتابه، بعض الأمثلة لما يمكن أن يؤدِّي إليه هذا الخليط من التصحيح السياسي والارتداد: إن العريضة الجماعية التي أطلقها الروائي إدوارد لويس«EDOUARD LOUIS»، في مواجهة مارسيل كوشي، خلال المواعيد الأخيرة، وتضمنت «إيمانويل تود «E

 موضوعات أخرى