«برج لوصيف» للمسرح الوطني التونسي .. حينما يغيب القط تلعب الفئران

عواد علي



«برج لوصيف»، نص وإخراج الشاذلي العرفاوي (عن مسرحية «قطة على سطح من صفيح ساخن» للأميركي تنيسي وليامز)، عرض مسرحي جماعي من إنتاج المسرح الوطني التونسي، قُدِّم في الدورة الأخيرة لأيام قرطاج المسرحية بتونس، ومهرجان الأردن المسرحي في دورته الثانية والعشرين. وهو من العروض المرشحة للدورة الثامنة من مهرجان المسرح العربي في الكويت.

يدور العرض حول أسرة تونسية ثريّة تدخل في دوامة من المشاكل والخلافات. ويعمد بعض أفراد الأسرة إلى إخفاء خبر إصابة الأب «قارون»، وإيهامه بأن ما يعاني منه مجرد التهاب في القولون ليس أكثر بعد رحلة علاج في ألمانيا، طمعاً في تدهور حالته الصحية والاستيلاء على الثروة التي يمتلكها، وهي تتمثل بأرض واسعة من أجود الأراضي في الشمال الغربي من تونس، مساحتها 28 ألف هكتار، وتُسمى بـ «برج لوصيف». ونكتشف قبل نهاية العرض أن هذا الأب لم يكنْ ثرياً في الأصل، بل حفّار آبار، لكن من المؤكد أن الثروة هبطت عليه بوسائل غير نزيهة، من دون أن يشير النص إلى ذلك، وهو يعرف أن أغلب مَنْ حوله منافق وكذّاب.

يحمل العرض إسقاطات على الواقع السياسي التونسي، وتحديداً على التناحر بين الفرقاء من أجل الاستئثار بالكراسي والصراع حول النفوذ، ذلك أن القط حينما يغيب عن المنزل تلعب الفئران، كما يقول المثل، وهو الأمر الذي يحدث، ولا يزال يحدث، في جميع الدول العربية التي أُسقطت أنظمتها بالقوة، أو أصابتها لوثة ما يسمى بـ«الربيع العربي»، على الرغم من أن الإدانة في النص الأصلي لتنيسي وليامز تُوجّه إلى القطط، بدلالتها الرمزية، التي تشحذ أنيابها لافتراس كل من يقف في وجه أطماعها الجامحة، في حين أنها تموء في داخلها بأنين خوفاً من آلامها الباطنية وقلقاً على مصيرها المجهول.

منذ المشهد الأول، الذي يُجرى فيه الاحتفال بعيد ميلاد الأب قارون، وعبر الإيماءات الجسدية للممثلين، يحيلنا العرض، أو يذكّرنا برائعة شكسبير «الملك لير» في إطارها العام، وليس في التفاصيل، وأعني النوايا المبيّتة المغلّفة بالنفاق والرياء، ومن ثَمّ فإننا كمتلقين ينفتح أفق توقعنا على ما سيحدث لاحقاً كتحصيل حاصل لتلك النوايا، التي تمثّل أحطّ النوازع في نفوس البشر، النوازع التي تسحق القيم والأخلاق والفضيلة وتطلق العنان لعربدة العقوق والطمع والرذيلة. وهي النوازع ذاتها التي يمارسها العديد من السياسيين في العالم العربي، حيث يحاول كل واحد منهم امتلاك الوطن، ويدعي وصله بليلى وليلى مريضة بدائها.

في التفاصيل: تتباين شخصيات المسرحية، في أفكارها وهواجسها وتطلعاتها، لكن أمراً واحداً يجمعها هو القلق، فالأب الثري (الذي أدى دوره الفنان الكبير صلاح مصدّق) قلق ومفزوع على مصير ثروته الهائلة بعد موته، وقد مضى عمره سريعاً دون أن يشعر به، وطردته الحياة وهو لم يشبع منها، وسيرحل عنها وثمّة أشياء كثيرة لم يجربها، كل ذلك نفهمه من تساؤلاته الإنكارية التي يطرحها في حسرة شديدة. أما الابنان فلكل منهما مذهب وعقيدة في الحياة، الكبير (الذي أدى دوره عبد القادر بن سعيد) يتظاهر بتديّنه وورعه، وسجادة الصلاة لديه علامة مفضوحة، قناع نفاق لتحقيق مآربه، ولا يتردّد عن كشف نواياه في الحَجْر على أملاك أبيه. بينما الصغير (الذي أدى دوره مهذب الرميلي)، المصاب بكسر في ساقه، نتيجةً لسقوطه من فوق حصانه، مدمن على الخمر كوسيلة لنسيان أحزانه، لكنه الأصدق والأنبل من أخيه، لذلك كان الأقرب إلى أبيه. الأم (التي أدت دورها الفنانة الكبيرة سهام مصدّق) امرأة ساذجة، قلبها أبيض، محدودة الوعي، ضعيفة الإرادة أمام سلطة القدر وتشتت مطامع الأبناء. زوجة الابن الكبير (التي أدتها صالحة النصراوي) كانت نموذجاً للمرأة المنقادة إلى زوجها بلا اقتناع، والمنبوذة في العُرف الاجتماعي المتخلّف لأنها أنجبت خمس بنات ولم تخلّد اسم العائلة بإنجاب مولود ذكر، والحرباء في الوقت نفسه، حتى أنها تنزع عنها ثياب التقوى وتتحوّل إلى راقصة، في أحد المشاهد، كنايةً لانسلاخها عن برقع التديُّن الكاذب! وكشفها عن نوازعها الحقيقية. وأخيراً زوجة الابن الصغير (التي أدتها شاكرة الرماح)، فهي مرأة مفجوعة بسبب عدم إنجابها، تعيش مرارة عُقد زوجها وأزماته النفسية، وتعدُّد خيباته في الفوز بسباق الفروسية ومعاناته بسبب عدم قدرته على زرع جنين في أحشائها وإشباع ظمئها الجسدي والعاطفي.

هذه الشخصيات الخمس، التي تتكوّن منها الأسرة، تشكّل لوحةً فسيفسائيةً تتجاور على سطحها الأحجار والألوان المتباينة، وتتقاطع وتتنابذ، بل تغدو، حسب المنظور السيميائي، آلةً تبث علامات الشتّت والتفسخ الاجتماعي والصراع السياسي، وكأنها تختزل المجتمع الكبير الذي أنتجها خلال تحوّلاته الدراماتيكية التي أفقدته التوازن.

في الإخراج صاغ الشاذلي العرفاوي عرضاً متقناً أميناً على التقاليد التي أرساها المسرح التونسي، والمتمثلة بالدقة والتنوّع الشديد والانضباط في مقاربة أداء الممثلين لشخصياتهم أداءً عميقاً ومدروساً، ورسم الحركات والتكوينات على الخشبة (أو الركح كما يسمونه عندهم)، والحفاظ على وتيرة الإيقاع الصارم الذي لا يشوبه خلل ولا تنتابه لحظات تراخٍ، لأن الميزان موجود في دواخل المؤدين الواعين الحساسين قبل أن يوجد على الخشبة. ولذلك كان سحر أدائهم كفيلاً بإزاحة الحاجة إلى سينوغرافيا ثقيلة أو تفصيلية، فالسرير كان عنصراً ديناميكياً كافياً لاحتضان دلالات العرض حينما يُشير إلى مهد الولادة ولحد الوفاة، ويُشكّل محراراً لقياس مدى نجاح العلاقة الزوجية أو فشلها، وما ينتج عن ذلك من تفكُّك أسري واجتماعي وحتى سياسي. أما الكرسي فقد كان، حسب تعبير الناقدة التونسية ليـلى بورقعة، بمثابة انطولوجيا الإنسان المعاصر، حيث يلتصق به في حميمية شديدة، ولا يتنازل عنه إلّا في حالة مواجهة مصيرين مؤلمين: الموت أو المرض.

هاتان العلامتان السينوغرافيتان عززتهما الإضاءة المصممة والمنفذة بدقة، عبر إسقاطاتها العلوية والجانبية، إضافةً إلى الثريّات المتدلية وتلك التي على السايكوراما في محمولها السيميائي الذي يُشير إلى الثراء وفضاء القصر. وكذلك التعتيم المقصود، في قسم من المشاهد، الموحي إلى عتمة دخائل بعض الشخصيات.

ذلك عن العنصر البصري، أما العنصر السمعي فإنه آسر وأخّاذ بأغانيه ومؤثراته الصوتية وموسيقاه التونسية الشعبية أو الريفية المفعمة بالشجن والروح التراجيدية، والمنفذة بوضوح ودقة عاليين. ولكم بدت إيقاعاتها شبيهةً بإيقاعات الغناء الكردي الجبلي في العراق. كان توظيفها في مرحلة تصاعد الأزمة بالعرض ينم عن إدراك وحساسية وشاعرية، جمالياً ودلالياً، لدى المخرج المبدع الشاذلي العرفاوي، لتعميق العرض في مبناه ومغزاه، أو رسالته التي يمكن تأويلها بأن المال عاجز عن شراء سعادة المخلوق البشري، بل ينسحب كل عزه وسلطانه ليتركه مُجرّداً في مواجهة قدر الموت.