المشهد الفنّي في قطر

عبدالوهاب الأنصاري



هو أمرٌ مثيرٌ للدهشة والغبطة في آنٍ معاً أن يكون لمجتمعات حديثة النشأة نسبياً روّاد للفنّ في بيئةٍ تجد الفنون آخر همها، ذلك، ما لم تثبط هذه المجتمعات بثقافتها هِمم الفنانين صراحةً. يذكّرني نماء شيءٍ ما بصفةٍ استثنائية ببيت عنترة يصف أنفاس حبيبته:

أَوْ رَوْضَةً أُنُفَاً تَضَمَّنَ نَبْتَهَـا

غَيْثٌ قَلِيلُ الدِّمْنِ لَيْسَ بِمُعْلَـم

فهم، أي الفنانين في هذه البيئة، كالروضة التي لا يعلم بها أحد ولذا لا يزورها أحد. قد يصدق هذا على الكثيرين الذين لا يتابعون المشهد الفنّي في قطر، لكن الحق أن في ذلك مجافاة للواقع. الشيخة المياسة مثلاً رائدة في رعاية الفنون، وتوليها رفع اسم قطر كدولة تقدّر الأعمال الفنيّة لأكبر الفنانين العالميين وتقتنيها وتجهّز المتاحف لها هو موقع تقديرٍ للشيخة المياسة. ولوزير الثقافة التقدير أيضاً إذ إنه لا يألو جهداً في تشجيع الفنانين بطرق مُتعدّدة، سواءً بإقامة المعارض أم بتقديم الدعم. من ذلك مثلاً تكريم الوزير للفنان التشكيلي القطري الراحل جاسم زيني، المؤسّس الرائد للحركة التشكيلية في قطر، بإطلاق اسمه على قاعة الأنشطة الرئيسية بوزارة الثقافة والفنون والتراث في حفلٍ خاص. ومن رعاة الفنون الآخرين في الدولة الشيخ حسن بن محمد آل ثاني، الذي تولّى مناصب ثقافية مختلفة في مسيره المهني، لكنه في كل مرحلةٍ يقوم بما من شأنه رعاية الفنّ والفنانين في الدولة، وحتى على المستوى الشخصي. وينبع تقدير الشيخ حسن للفنّ والفنانين من كونه نفسه فناناً ممارساً. هذا التقدير الذي زرعه في نفسه وحثّه عليه مدرسه في الفن الفنان القطري يوسف أحمد.

فهؤلاء هم كالغيث في بيت عنترة أعلاه الذي بسببه ينبت الروض.

ولا يُذْكَرُ الفنانون في قطر دون أن يُذْكَرَ الفنان محمد علي عبدالله. أذكر انبهاري برسومه في المراحل الدراسية الأولى وحتى خربشاته على مقاعد الدراسة كانت مؤشراً واضحاً على نبوغه الفني المبكّر. ولالتزامه بالفن آثار واضحة على المجتمع القطري، حيث ترك بصماته في مجالاتٍ فنيّةٍ مختلفة، منها المعمارية، المتمثلة بسوق واقف كمثال بارز. يُشير المعماري القطري إبراهيم الجيده، وهو بدوره فنان معماري بآثار واضحة في الدوحة تخلط بين التراث والمعاصرة بأناقةٍ عجيبة إلى أن محمد علي عبدالله أثار غيرة المعماريين بما قام به في سوق واقف؛ ربما مشيراً بذلك إلى نفسه من باب التندر. واهتمام محمد علي عبدالله بالفنون المعمارية ينبع بحق من إيمانه بأهمية المحافظة على التراث كنعصرٍ في الهويّة الثّقافيّة. وهو يمثل الفنان الملتزم بحق إذ إن الفنّ عنده، كتطبيق عملي، مقترنٌ بالبحوث والدراسات الجغرافية والتاريخية. ومن بعد نجاح هذا الفنان في مشروع سوق واقف تَمّ توكيله تولّي أعمال ترميم الوكرة الجصيّة، وكذلك الوسيل.

الأمر الذي حوّل انتباهة محمد علي من الرسم إلى المعمار له دلالاتٌ تحمل معاني عميقة. أولها الصدق مع النفس: كيف أصبحنا نبني بيوتنا بما لا يلائم مجتمعاتنا ولا ينتمي إليها؟ المواد الأولية والخام للبنيان في ما مضى كلها كانت من الأرض، باستثناء الخشب، الذي كان يُستورد من الهند. ماذا حصل للفناء الداخلي للبيوت وللخصوصية الجميلة التي تأتي من ذلك؟ ما الذي يحتّم استخدام الكتل الخرسانية في بيئة صحراوية لتتطلب فيما بعد التكييف المكلف في استهلاكه الطاقة؟ ما الداعي لبناء الشرفات الخارجية المطلة على شارعٍ عام ثم لا يتم استخدام هذه المساحات بتاتاً؟ وثاني هذه الأمور هو عدم قبول الأمر الواقع كأمرٍ مسلّم به لا محيد عنه، بل وتطبيق التغيير المطلوب على المستوى الشخصي قبل المستوى العام. فمن ذلك أنه أعاد بناء منزله على الطراز القديم، ليصبح منزلاً لافتاً للنظر وجالباً للذكرى لأولئك الذين عايشوا التغيير بين أزمنةٍ مضت وأزمنةٍ أتت بعدها.

ومن بصماته أيضاً شعار تليفزيون قطر لما بين الأعوام 2001 إلى 2012. وهو مستوحى من البيئة القطرية وهو قوس تراثي لزينة البيوت والأبواب، يكاد القوس ينطق بحرف القاف (قطر)، يحيط بدانة، رمز أيام الغوص، ثم المثلثات التسعة التي تُمثّل علم قطر. كما يذكر الكثيرون أن محمد علي كان يقدّم برنامج «الرسام الصغير» ضمن برامج تليفزيون قطر لتعليم الأطفال الرسم واستخدام الألوان. ومن اهتمامه بالنشء أيضاً تأسيس مركز قطر لثقافة الطفل (1998) وسلسلة قصص تراثية للأطفال، ومن مؤلفاته القيّمة كشاف الفنّ التشكيلي في 4 أجزاء والزخرفة الجبسيّة في الخليج.

تتميّز مسيرة محمد علي عبدالله الفنية إذن بجملة من التطبيقات العملية: الفن في خدمة المجتمع. فهو يشرف على الحرف الشعبية يوماً، ويصمّم الديكورات المسرحية حيناً، ويرمّم المباني القديمة، ويؤلّف الكتب، ويُعنى بأدب الطفل، ويبحث في تاريخ البناء في المنطقة، ويلقي المحاضرات التثقيفية، كل ذلك من منطلق الفنّ.

يُعدّ الفنان محمد علي عبدالله أحد أضلاع ثلاثية الأصدقاء الثلاثة للفنّ التشكيلي في قطر، والآخران هما الفنانان القديران بحق حسن الملا ويوسف أحمد. هؤلاء، دون انتقاص لآخرين بلغوا ذروات فنيّة، ممن يحق لقطر أن تفاخر بهم. شغلت جماليات الخط العربي جزءاً كبيراً من اهتمامات يوسف أحمد الفنيّة. لكنه ليس الخط، الجميل بذاته، فحسب، بل ربط الحاضر بالماضي، ومزج الألوان بالمواد الخام، وسعف النخيل بأقمشة قديمة كالتي ارتدته جداتنا وأمهاتنا وعماتنا، بحسب تعبير الفنان يوسف أحمد نفسه. البيئة القطرية كلها حاضرةٌ هنا. البنات ببخانقهن والحريم ببَطّولاتهن والأولاد بقحافيهم (أغطية الرأس). إذن يشارك هذا الفنان زميله محمد علي عبدالله في تمسّكه بالماضي الجميل قبل اكتساح المجتمع الحديث بأبنيته الخرسانية المسلحة المكيفة المغلقة لجذور عميقة لأبنية موادها من صميم البيئة، ولبساطةٍ في العيش، ولحاراتٍ يلعب فيها الأولاد والبنات بسلام، ويعرف كلُّ من فيها كلَّ من فيها. لكن، بالرغم من ارتباطه بالماضي، لا يبعد هذا الفنان، الذي تُقتنى لوحاته من دار مزادات سوذبي، عن الفنّ الحديث بتجريداته الهندسية والدوائر والمربعات، مستخدماً العجائن الورقية والرمل والغراء والألوان، ضمن ما يستخدم من خامات.

أما سلمان المالك، المبدع في فنون بصريّة كثيرة، لكأنما وضع ماتيس وبيكاسو في خلاطه وأخرج من بينهما فنّه هو. وأظنه، ولست ناقداً فنياً، مدرسة فنيّة بذاته. وأظننا محظوظين لوفرة إنجازاته. وربما كان فنّه سابقاًٌ لأوانه من حيث الأذواق الفنيّة السائدة في مجتمعاتنا. ومثل سلمان المبدع الآخر علي حسن الجابر، الذي تعرض لوحاته في معارض عالمية والمتمرّس بالخط العربي وبحرف النون في سلسة أعمال فنيّة له. الأمر الذي يبعث على الرضا أن هؤلاء الفنانين، وقد يكون علي حسن أفضل مثالٍ لذلك، اختطوا لأنفسهم أساليبهم وطرقهم ولم يقلّدوا أحداً أو يتبعوا مدرسةً واحدة، إنما تأثروا بالعالم وبالمحيط الذي هم فيه ثم يأتي الإنتاج الفنّي فريداً من نوعه، مزيجاً من ثقافاتٍ مختلفة ومدارس فنيّة مُتعدّدة. وإذا كنا نحن العوام بالكاد نعرف بعض المذاهب الفنيّة ونتعرف إلى صورها: التجريدية، التكعيبية، السريالية، الواقعية، إلخ. فكيف يتم تصنيف فَنّ علي حسن مثلاً أو بعض فنه؟ أجد مُسمى «الحروفية»، وقد تكون تلك الكلمة المناسبة، حيث إن هؤلاء الفنانين أبناء بيتهم والسطوة الجمالية للخط العربي قوة حاضرة في فنّهم، تماماً مثل النخلة والبيت والحارة القديمة والمنارة الطينية القصيرة المجردة من الزخارف على طرف المسجد. إذا صحّت التسمية فنحن إزاء مذهب فنّي، جديد نسبياً، منبعه الخط العربي. ويذكر للفنان علي حسن توليه تصميم كأس قطر للنشيد الوطني وحصوله على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم والفنون والآداب، وفوزه بتصميم شعار الدوحة عاصمة الثقافة العربية، ومثل يوسف أحمد، فقد دخلت أعمال الفنان علي حسن في دار مزادات سوذبي. ومثله أيضاً فقد عُرِضَتْ أعماله في عواصم عالمية كثيرة.

لكن ثمّة فنانين قطريين مغمورين لا يعلم بهم إلّا قليل. وأنا لا أتحدّث عن أفراد يمارسون الفن هوايةً بصمت في بيوتهم، إنما عن من احترف الفن واعتاش منه أعواماً. من هؤلاء عبدالواحد المولوي، صاحب اللوحات الواقعية المذهلة وكأنما تخرج على أيدي فناني عصر النهضة الأوروبية. قد لا يزال يمارس هذا الفنان رسمه في مرسمه ولكن لا تكاد تجد له أي أثر على الشبكة، وكأنه آثر أن يتفرّغ لمهنٍ أخرى يجيدها بحكم تخصّصه، كإدارة المستشفيات وشؤون الرعاية الطبية عموماً، خدمةً للوطن وإضافةً إلى رصيد مواهبه المُتعدّدة.

ولا أبالغ، وإن كان هذا رأياً شخصياً، عندما أشير إلى الفنان الحداثي القطري فرج دهام كموهبةٍ قطرية تضاهي العالمية. إن يكن ثم سبيل لوصف فنّه فقد يقال إنه رصدٌ لحركة الأجسام العضوية في تراكمها، في مرحلةٍ فنيّة ما. وفي مراحل أخرى، فالذي يملي عليه فنّه مما يرصده كفنان، هو «لغة الشارع»، أو «إحداثيات»، إلى آخر معارضه العديدة في أصقاع مختلفة من العالم. وعندما تسير في شارعٍ في مدريد لترى لوحات إعلانية كبيرة لحضور معرضٍ لفرجٍ دهام فليس لك إلّا أن تفخر بمواطنتك وبعروبتك.

هؤلاء بعض النخبة الفنيّة في قطر بهدف رسم الخطوط العريضة لجزءٍ من المشهد الفنّي. هناك آخرون بلا شك على درجة عاليةٍ من الإبداع وأصحاب أساليب خاصة بهم، مثل حسن الحداد وعلي الملا وعيسى الغانم وفؤاد العمادي ومحمد عتيق والراحل يوسف الشريف صاحب لوحة التحدي المشهورة، ولكن لا يعنيني هنا حصر الفنانين أو تعريفهم بقدر ما يعنيني العرض السريع للفنّ التشكيلي في قطر ونموه بنكهة قطريةٍ (خليجيةٍ) خاصة، سواءً في الشقّ الواقعي أم التجريدي منه. ولا تعني المساحة المتاحة للفنان هنا أو الترتيب في الذكر تفضيلاً لأيٍّ منهم على آخر غير معرفتي الشخصية المباشرة أو غير المباشرة بأحدهم، حيث إن الجمعية القطرية للفنون التشكيلية (تأسست عام 1980) وتضم اليوم 150 فناناً.

 موضوعات أخرى