الكواري ودبلوماسية الثّقافة

مرزوق بشير بن مرزوق

قضيت جزءاً مهمّاً من وظيفتي في مهنة (الإعلام والثّقافة) خارج الدولة، حيث عملت في واشنطن وبعدها في الرياض، وكان جُلّ عملي منصباً على الشأن الثّقافي والإعلامي، وأكدت لي هذه الخبرة المهنية المتراكمة بأن التسويق والترويج للمنتج الثّقافي من خلال احتراف إعلامي يأتي بنتائج إيجابية في تعزيز العلاقات بين الأفراد والأمم، ويفكّك الكثير من التشابك والخلافات التي تسببها السياسة أو الاقتصاد. وشهدت في أميركا كيف أن حكومتها صمّمت برنامجاً عالمياً لزيارتها، والاطّلاع على الوجه الحضاري لها، بغض النظر عن النوايا الخفيّة لهذا البرنامج، واستطاعت أميركا بآلاتها الثّقافية والسينمائية والتقنية، وهو ما نطلق عليه «القوة الناعمة»، أن تصلح ما تفسده سياستها الخارجية، وفي الرياض أعددنا برامج ثقافية متنوّعة لتعديل الانقلابات الفكرية والخلافات التي تنشأ بين فترة وأخرى بين دول المجلس، كما أشرفت (شخصياً) على إعداد برنامج إعلامي وثقافي لتعديل الصورة النمطية التي أحدثتها واقعة الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 على مدينة نيويورك، وأطلقنا عليها (أيام مجلس التعاون في أوروبا) وتوسّع ذلك البرنامج ليشمل آسيا.

مادفعني إلى ذكر المقدمة السابقة هو قراءتي لكتاب «على قدر أهل العزم» لمؤلفه حمد بن عبدالعزيز الكواري، الوزير الحالي للثّقافة لدولة قطر ومرشحها القادم لرئاسة منظمة اليونيسكو، ولقد لازمت (الكواري) وعملت معه وبجانبه على مدى أكثر من عشرين عاماً، منذ توليه منصب وزير الثّقافة والإعلام (لأول مرة)، وبعدها عندما أصبح عضواً في الهيئة الاستشارية لمجلس التعاون وترأّس لجنة الإعلام فيها، وكنت حينها المدير العام للإعلام بمجلس التعاون، كما عملت معه عند توليه حقيبة الثّقافة على فترتين، وتجيز لي هذه الخبرة الطويلة من العمل مع الكواري أن أصفه بأنه (رجل الدبلوماسية الثّقافيّة)، وواحد من أهم منظريها في دول مجلس التعاون. والكواري هو صاحب السنوات الطويلة في العمل الدبلوماسي ولتقلُّده أعلى المناصب في العديد من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، استشعر بالدور المؤثر الذي تلعبه الدبلوماسية الثّقافية ولذلك خصّص لهذه التجربة فصلاً كاملاً لهذا الموضوع في كتابه، حيث يعتقد الكاتب «أن من أيسر مجال للتقريب بين الشعوب والأمم، إنما هو الثّقافة بمختلف وجوهها وأبعادها، وتكمن المفارقة هناك في أن الهويّات والخصوصيات لدى الشعوب تبرز أكثر ما تبرز في الميدان الثّقافي، ولكنه- في الآن نفسه- الميدان الذي يمكن داخله أن تتلاقى أنماط التعبير في تنوّعها، وأشكال الفنّ على اختلافها، والقيم الإنسانية الكبرى باعتبارها جوهر التعبير عن علاقة كيان الفرد والجماعة بالوجود والمصير».

يتميّز كتاب «على قدر أهل العزم» بقيمته العملية، حيث جاء لعصارة تجارب شهدها الكاتب وعاشها وكان جزءاً في اتخاذ معظم قراراتها، لذلك جاء كتاباً يجمع بين الاستعراض النظري لمفهوم الثّقافة والتطبيق العملي على أرض الواقع، مما يجعله أقرب إلى مرشد ومرجع للقائمين على الشأن الثّقافي والدبلوماسي. كما تمكّن الكاتب من صياغة تجاربه الخاصة بالطريقة التي جعلتها في نهاية الأمرّ تجربة عامة صالحة للتعلُّم والاستفادة منها، وربما يكون ذلك أحد مقاصد هذا الكتاب.