نشر «كفاحي» مطلع 2016 هل تنبعث النازية من جديد!



د. خالد طحطح



بالرغم من كل هذا الزخم المحيط بسيرة أدولف هتلر، فإن نقاشاً حاداً ما يزال قائماً في الأوساط الجامعية والإعلامية بألمانيا حول ما إذا كان نشر نسخة جديدة من كتابه مع بداية العام (2016) ينطوي على خطر استخدامه من قِبَل النازيين الجدد لأغراض تحريضية وعنصرية. فهذا الكتاب الذي دعمته الدولة النازية سنة 1933، وطبعت منه ملايين النسخ آنذاك، ووُزِّعَ بشكل واسع على أعضاء الحزب والأنصار، يعرف حظراً صارماً من قبل الدولة الألمانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كما تُمارس رقابة شديدة على كل ما يتعلّق بمراجعة الرواية الرسمية المتعلّقة بالمحرقة النازية، ليس في ألمانيا فقط، وإنما في غالبية الدول الأوروبية، فقد تبنّت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عقوبات جزائية موحّدة ضد من ينكر المحرقة. وتُعدّ إسبانيا من الدول الأوروبية التي بدأت تخفّ بها الرقابة اليوم، فقد قرّرت المحكمة الدستورية بها إلغاء عقوبة السجن المضمنة في القانون الجنائي لمن تتم إدانتهم بإنكار المحرقة ضد اليهود «الهولوكوست». وقد كان القانون الجنائي الإسباني يعاقب كل مَنْ ينفي أو يبرّر جرائم الإبادة الجماعية لليهود بالسجن من عام إلى عامين. وقد ارتبطت مسألة تأكيد محرقة الهولوكوست بصحوة الهويّة اليهودية التي تركز على تثبيت الإبادة الجماعية كمقوّم أساسي للذاكرة اليهودية. لكن نشهد اليوم عودة النقاشات والجدل في المجلات والدوريات حول النازية والمحرقة. وإذا كان «معهد التاريخ المعاصر» التابع لجامعة ميونيخ قد أبدى رغبة حثيثة في إتمام مشروع إصدار نسخة جديدة من كتاب كفاحي المحظور مصحوبة بتعليقات نقديّة، فإن حكومة ولاية بافاريا التي تُعدّ ثالث أكبر مدينة في جمهورية ألمانيا الاتحادية، عبرت عن معارضتها الشديدة، باعتبارها الجهة التي تحتفظ قانونياً بحقّ ملكية الكتاب إلى غاية نهاية سنة 2015، حيث تنتهي مهلة سبعين سنة الخاصة بحقوق الملكية الفكريّة، ومع ذلك فقد سارعت إلى إصدار قرار عاجل بوقف الدعم المالي للمشروع، بدعوى أن الكتاب «تحريضي»، ومليء بالكراهية والاحتقار ومعاداة السامية، وأن نشره حتى مع تعليقات نقديّة، لا يتفق مع مطلب حظر الحزب النازي المتطرّف.

يصطدم قرار حكومة بافاريا في ميونيخ بعمل تاريخي أكاديمي امتد لسنوات، قام به باحثون من المعهد المذكور، بهدف سد فجوة بحثية كبيرة في الأبحاث التاريخية المتعلّقة بالحقبة البغيضة من تاريخ بلادهم. ويتفق العلماء على ضرورة إخراج هذا العمل، خصوصاً أنه السيرة الذاتية الوحيدة التي خلفها الديكتاتور هتلر. ويتوخّى معهد التاريخ المعاصر من هذه الدراسة المنتظرة بعث نسخة تاريخية ناقدة، مهمتها توضيح البعد التاريخي لتمكين القارئ من فهم محتوى الكتاب ودوافعه، ومن المتوقّع بعد سقوط حق الملكية القانونية للكتاب الذي بحوزة حكومة بافاريا أن يصبح من حق دور النشر طبعه وتوزيعه، غير أن موافقة الدوائر العليا تبقى العقبة الرئيسية.

لقد أثار قرار وقف مشروع معهد التاريخ حالة من الامتعاض في صفوف الباحثين، خصوصاً أن الأحداث لم تعد بذلك القرب الشديد، فقد عبّر المؤرخ فولكر أولريش، عن رفضه لهذا القرار واصفاً إياه بالفضيحة، وساند في تصريحاته جهود زملائه المؤرخين في معهد ميونيخ، وثمّن رغبتهم فك لغز مصادر كتاب هتلر، فالتساؤل ملح بشأن الأفكار الواردة فيه هل هي مواقفه الخاصة أم أنه قام بتجميع معتقدات عصره؟ نافياً في نفس الوقت فكرة التحريض عن الكتاب بعد مرور عقود على الحرب والمحرقة، مؤكداً أن الكتاب لا يُشكّل أي خطورة في الراهن، وذلك رداً على من يتوجّس من طبعه. وقد وافقه في الرأي مدير معهد الأبحاث التاريخية بميونيخ، والذي اعتبر أن صدور نسخة جديدة من الكتاب الممنوع مصحوبة بتعليقات توضيحية قد ينهي الأسطورة التي تحوم حوله، فالتفهم يحتاج إلى البوح لا الصمت. وفي فرنسا تسعى دار فيار بدورها إلى إصدار طبعة جديدة منه مع حلول السنة المقبلة، وتعود أول طبعة للكتاب في هذا البلد إلى سنة 1934، وذلك قبل صدور قرار بتجريم نشره بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

وإذا كان موقف المؤرخين والباحثين يتجه إلى البحث في التاريخ الراهن لبلادهم قصد فهم ما جرى، بدلاً من إصدار الأحكام، فإن السياسيين على العكس من ذلك، يتجنبون الخوض في الموضوع، خوفاً من رُهاب تهمة التعاطف مع النازية، فالمستشارة الألمانية انغيلا ميركل اعتبرت وبشكل مبالغ فيه أن في وصول هتلر إلى سُدّة الحكم قبل ثمانين سنة تهديداً مستمراً للحرّيّة والديموقراطية في ألمانيا، وأردفت في كلمة ألقتها على بعد أمتار من نصب المحرقة الشهير: «يجب أن يكون ذلك تحذيراً دائماً لنا معشر الألمان».

يسعى الباحثون في ألمانيا إلى فصل التاريخ عن الذاكرة في النقاشات اليوم، فطريقة اشتغال هذه الأخيرة تشبه بطريقة أو بأخرى طريقة اشتغال المجمد حسب تعبير الروائية الإيطالية سوزانا تامارو، فما الذي يحدث لما نقوم بانتزاع ما بداخل المجمد من طعام مكث بداخله مدة طويلة؟ إنه يبدأ تدريجياً في استعادة شكله ولونه، ويملأ المطبخ برائحته، هكذا تقبع الذكريات الحزينة لمدة طويلة في أحد الكهوف العديدة للذاكرة، تقبع هناك سنوات، بل عشرات السنوات بأكملها، ثم يحدث يوماً ما أن تعود إلى السطح ويعود من جديد الألم الذي كان قد اصطحبها في يوم من الأيام يعود حالماً وحاداً كما كان منذ سنوات عديدة. وهذا ما يعرفه التاريخ الحاضر بألمانيا، إنه الخلط الذي يعيق بشكل أو بآخر تقدّم الأبحاث والدراسات. كما يتم التذرُّع بفكرة عدم انقضاء الوقت الكافي على وقوع الأحداث، باعتبار أن الوقائع الكبيرة لها ذيول ليست في الحسبان، وهذه الحُجّة لم تعد تقنع أحداً اليوم، وبالخصوص المؤرخون، فرواية الماضي نفسه محفوفة بالظنون، إذ حذّر المؤرّخ الصيني المعاصر لهيكاتيوس قائلاً: «بقدر ما نتوغّل في الزمن تحضر الروايات الزائفة»، ويذكّر بمقترح تاريخي لكزوتسي «ينبغي أن نكون موجزين في تناول الماضي ومفصلين في الحديث عن الحاضر».