مهمّة المثقّف

عبدالسلام بنعبدالعالي

في سياق ما سُمّي إشكالية «الحقيقة والأيديولوجية» كانت الأدبيات الماركسية قد أسندت إلى المثقّف مهمّة محاربة الوعي المغلوط ومقاومة الاستلاب الفكري، وذلك بهدف تغيير وعي الناس وتمكينهم من «الحقيقة». الحقيقة المقصودة هنا هي تلك التي تمكّنت من تبيّن حركة التاريخ ومسعاه، فأدركت المنطق الذي يسير وفقه، والاتجاه الذي ينحو نحوه، والغاية التي يرمي إليها. على هذا النحو كان الفصل بين أيديولوجيا «صائبة» تسير سير التاريخ، وأخرى مناوئة لمنطقه مخالفة لاتجاهه و«معناه». وعلى هذا الأساس كان التمييز بين مواقف المثقّفين، وتصنيفهم يساراً ويميناً، حسب الأيديولوجيات التي يعتنقونها، والأفكار التي يعتقدون حقيقتها.

ستعرف إشكالية «الحقيقة والأيديولوجية» هذه هِزّة كبرى على إثر ما تعرّض له مفهوم الأيديولوجية ذاته ابتداء من كتاب جورج لوكاتش «التاريخ والوعي الطبقي» إلى مقالات لوي آلتوسير التي ضُمّت في كتاب «دفاعاً عن ماركس»، وسيظهر فلاسفة متفتحون على مستجدات الفكر المعاصر، وخصوصاً ما سُمّي بـ «فلسفات الوجس»، ليعملوا، لا على تنقيح مفهوم الأيديولوجية وإنقاذه، وإنما على إخراجه من الإشكالية الماركسية التقليدية التي لم تستطع أن تتحرّر من فلسفة الكوجيطو، ولا أن تفكّك أزواج الميتافيزيقا، وعلى الخصوص الثنائي بنية فوقية/ بنية تحتية، وكذا الثنائي نظرية/تطبيق، ولم تتمكّن، على الأخصّ، من فصل مفهوم الأيديولوجية عن «نظرية المصالح»، وتحرير المثقّف من مهمته «التبشيرية».

لا نعتقد أن بامكان المرء أن يتحدّث اليوم عن مفهوم المثقّف ودوره، من غير أن يأخذ بعين الاعتبار الإسهامات الأساسية للتقويض الهايدغري لمفهومات البراكسيس واللوغوس والتقنية، وكذا لما تعرّضت له فلسفات الوعي على يد أصحاب التحليل النفسي، ولما أصاب مفهوم الحقيقة على يد نيتشه، وتبعاً لكل هذا، ما ترتّب عن ذلك من نقل قضية المثقّف من إشكالية «الحقيقة والأيديولوجية» نحو إشكالية «المعرفة والسلطة»، ذلك النقل الذي تبلور عند م. فوكو في نهاية الأمر.

ذلك أن كل ما كرّسته الماركسيات التقليدية عن مفهوم المثقّف، بما فيها التلوين الوجودي كما هو عند سارتر، لم يحد مطلقاً عن نظرية ما عن الوعي، ولم يبتعد كثيراً عن «نظرية المصالح»، ولم يخرج عن مفهوم معيّن عن الحقيقة. هذا ما يمكننا أن نجمله بقولنا إن مسألة المثقّف ظلّت مرتبطة بميتافيزيقا الذّاتية، وبابيستيمولوجيا ترتكز على الكوجيطو، وتعتمد المباشرة في إدراك المعاني، وتجعل من الذّات المفكّرة سند الوجود وسيّدة التاريخ.

أوضح لوي آلتوسير أن التمثلات الأيديولوجية لا علاقة لها بالوعي، وأنها «موضوعات ثقافية تُدرَك وتُقبَل وتُعاش، فتفعل فعلها في البشر عبر مسلسل يفلت من أيديهم». استعمال كلمة موضوع هنا هو محاولة من الفيلسوف الفرنسي أن يبيّن أن الأيديولوجية لا تسكن الأدمغة، وإنما هي، على حدّ تعبيره، مستوى من مستويات التشكيلة الاجتماعية، إنها حالّة في «الأجهزة الأيديولوجية للدولة». فالوهم الأيديولوجي ليس كامناً في التمثلات ينتظر من يزيحه ويكشف عنه، وإنما في العلاقة التي تربط تلك التمثلات بالعلائق التي تربط الناس فيما بينهم. الأيديولوجية علاقة بالعلائق، إنها ليست علاقة بسيطة، وإنما علاقة مُركّبة، علاقة من الدرجة الثانية على حدّ تعبيره.

وعلى رغم ذلك فقد ظلّت الأيديولوجية، وفق ما بيّن فوكو، «تقابل، شئنا ذلك أو أبيناه، شيئاً مثل الحقيقة»، وما تمّ إغفاله هو «أن هذه الحقيقة مرتبطة دائرياً بأنساق السلطة التي تنتجها وتدعمها، وبالآثار التي تولّدها وتسوسها، وأعني بـ(نظام) الحقيقة».

كان من نتيجة هذه الهِزّة التي زحزحت مسألة المثقّف من إشكالية «الأيديولوجة والحقيقة» نحو إشكالية «المعرفة والسلطة»، أن الاختلاف بين المثقّفين لم يعد يدور حول حقائق بعينها، وإنّما صار يمتدّ إلى مقوّمات الحقيقة ونظام إنتاجها. أصبح المثقّفون يختلفون، ليس حول صحة القضايا وصوابها، وإنما حول الخطابات التي تتمحور حولها الحقيقة، حول معايير الحقيقة وسبل التوصّل إليها، حول منابر الحقيقة وفضاءات إنتاجها. مجمل القول إن الصراع الثقافي أصبح يدور حول إقرار نظام بعينه لإنتاج الحقيقة. إنه صراع بين من يحاولون أن يرسّخوا في الأذهان أن الحقيقة ليست بنت هذه الأرض، وأنها قيلت منذ غابر الأزمان، وأنها لا تُغزى غزواً، ولا تُكتسح اكتساحاً، وإنما تُدرك توّاً، فتؤخذ عمن لهم الحقّ في نقلها... إنه صراع بين هؤلاء، وبين من يسعون إلى أن يبيّنوا أن الحقائق ليست «بنت الأدمغة» فحسب، وأنها ليست طاهرة نقيّة، وإنما هي ملطّخة بالزّمن، عالقة بالتاريخ. إنها، في الأغلب الأعمّ، أخطاء تمّ تصحيحها، فهي لا تتجلّى عند نور أوّل صباح، وإنما تتمخّض عن علائق قوة، فتُنتزع انتزاعاً. وهي تشقّ دروبها عبر توتّرات وتعثّرات وصعوبات وعوائق. إنها وليدة حروب وآلام. وهي لا تنفكّ تضمد جراحها وتصحّح نفسها، بل إنها لا تنفكّ تعيد النظر ليس في أدوات تمحيصها ومعايير صدقها ومناهج بحثها فحسب، وإنما في شروط إمكانها و«اقتصادها السياسي».

ينبغي أن نفهم من ذلك أن المسألة تتعدّى الطرح الإبيستمولوجي لترقى إلى الشرط الإبيستيمي، فتأخذ بعين الاعتبار، ليس علاقة الحقيقة بما ليس إياها، وإنما مجمل القواعد التي يدبَّر بها أمر الحقيقة في المجتمع وعلائق القوة المتحكمة في ذلك. فلم تعد الحقيقة هي «مجموع الأشياء التي يتعيّن اكتشافها وجعل الآخرين يتقبلونها»، وإنما «مجموع القواعد التي يمكن بمقتضاها أن نفرز ماهو حقيقي عما ليس كذلك، وننسب إلى الحقيقي سلطة ذات تأثيرات خاصة» على حدّ قول فوكو.

طبيعي إذاً ألّا يقتصر دور المثقّف في أن يجعل الآخرين «يتقبلون ما اهتدى إليه». فلن تعود مهمته مهمّة تبشيرية ولا حتى «إقناعية»، لن تعود «إقناع الناس بحقائق بعينها»، و«نشر الوعي بينهم» وهديهم سواء السبيل، وإنما العمل على تغيير نظام الحقيقة الذي يعيشون في حضنه. كتب فوكو: «إن المشكل السياسي الأساسي، بالنسبة للمثقف، ليس هو أن ينتقد المضامين الأيديولوجية التي قد تكون مرتبطة بالعلم،... المشكل ليس هو تغيير وعي الناس أو ما يوجد في أذهانهم، وإنما تغيير نظام الاقتصاد السياسي والمؤسسي لإنتاج الحقيقة». فقضية المثقّف إذاً «ليست هي الأخطاء والأوهام أو الوعي المستلب والأيديولوجية، وإنما الحقيقة ذاتها».

معنى ذلك أن مهمّة المثقّف لم تعد تنحصر فحسب في دور المنطقي الذي يعيّن معايير الصدق والصّلاحية، ولا في دور الإبيستمولوجي الذي يحدّد «قواعد المنهج»، ويسنّ للعقل «قواعد توجّهه» على حدّّ تعبير أبي الفلسفة الحديثة، وهي لم تعد تسند حتى إلى الدّاعية الأيديولوجي الذي يُوكل إليه «تفنيد عقيدة الآخر»، ولا إلى المرشد الأخلاقي الذي يسدي النصيحة ويهدي إلى طريق الخير، وإنما غدت تتمثل في دور من يرعى «سياسة الحقيقة»، ويعمل من أجل البتّ في القواعد التي يدبّر بها أمر الحقيقة في المجتمع، للكشف عن الآليات التي تتحكم في توليد الخطابات ونشرها وتداولها، وتحديد أيّ منها تُقبل على أنها خطابات الحقيقة، وكذا المنابر التي تُمكّن من تعيين مجال الصدق ومجال اللاصدق والفصل بينهما.

ليست مهمّة المثقّف، والحالة هذه، معرفة كيف ينتظم الخطاب والدفاع عن حقائق بعينها، وإنما مهمّته مراجعة «نظام الخطاب»، والمساهمة في تغيير «الاقتصاد السياسي للحقيقة».