الأسوار أم التعايُش ؟

إيزابيللا كاميرا



من الصعب أن نتحدّث عن التعايُش وروح التضامن في عصرٍ كالذي نعيش فيه. فلا تكفّ قنوات التليفزيون لدينا عن أن ترسل صوراً للكراهية والتعصُّب، من جميع أنحاء العالم. ولكن في الآونة الأخيرة لم يعد هناك بالنسبة لكثير من الناس في بعض المناطق الجغرافية، سلام ولا أمل في حياة أفضل أبداً. والبابا فرانشيسكو، الذي هو بالتأكيد شخصية جديدة غير معتادة على الكنيسة الكاثوليكية، وربما على العالم كله، يقول لنا باستمرار: إن الله لا يحب الأسوار، وأننا يجب ألا نبني أسواراً على الإطلاق. ومع ذلك، فإن الأسوار: لا تفتأ تزيد في كل مكان. في عصرنا، ومنذ سقوط سور برلين حتى اليوم، لم نفعل سوى المشاركة في تشييد مجموعة من الأسوار الأخرى، وكلها أعلى من سور برلين وأكثر حصانة منه. هي أسوار من الخرسانة والحجارة والأسلاك الشائكة، يواكبها للأسف العديد من الأسوار الثّقافيّة التي هي أكثر منعة وأشقّ على التحطيم. المثال الصارخ على هذه الأسوار الشائهة هو ذلك الذي يفصل إسرائيل عن فلسطين التي يزيد امتهانها أكثر وأكثر. لا يقلّ عنه عاراً ذلك السور الذي بنته في أوروبا الحكومة المجرية، لمنع اللاجئين الفارين من النزاعات في الشرق الأوسط جديدها وقديمها، للعبور من ذلك البلد. مجرد عبور فقط. لم يتم السماح لعائلات بأكملها عبور أراضي المجر للذهاب نحو الأمل في حياة أفضل، بعد الكثير من المعاناة والعذابات التي تحملوها في أوطانهم وفي رحلة هروبهم. والمعنى أنه حتى في أوروبا الحرّة، تتزايد الأسوار، وليس فقط أسوار الأسلاك الشائكة، فيكفي أن نرى العديد من المناطق الأوروبية التي تنمو فيها الأحزاب اليمينية والحركات العنصرية وجماعات بث الذعر من الإسلام.. يبدو العالم ماضياً كل يوم في اتجاه التعصُّب والخوف والشك ّ. ورغم هذا تظلّ في عصرنا أيضاً أمثلة على التسامح الكبير وعلى التحضُّر. وفي هذا الصدد أريد أن أتذكر «المعجزة» التي قام بها صديقنا العزيز الأب باولو دالوليو الذي غادر في سِنٍّ مُبكّرة إلى سوريا، التي أصبحت وطنه الجديد، حيث أعاد هيكلة دير مار موسى الحبشي التاريخي، بالقرب من بلدة النبك شمال دمشق، بمساعدة العديد من المتطوعين، ذلك الدير القديم الذي يعود بناؤه إلى القرن الحادي عشر( 1058)، وأسّس فيه جماعة من المسيحيين وغير المسيحيين، وفتحه أمام حوار الأديان والتعايُش السلمي الإنساني والتعاون الثقافي بين الناس. أبونا باولو، كما يدعونه ببساطة كل الناس الذين عرفوه، لا يكلّ أبداً عن الترحيب بأي شخص يستقبله في ذلك الدير ممن يحتاجون إلى السلام والسكينة. فيرحّب بمن يخرج من السجن، والرحالة الذين يسافرون بحثاً عن أنفسهم، وكان يدعو المسلمين والمسيحيين دون تمييز للتجمُّع في هذه الواحة وأداء الصلوات معاً. وعندما تَمّ طرده من سوريا عام 2012 عاد إلى إيطاليا، وطنه الأم، حيث عانى فيها معاناة المهاجرين، فقد أحسّ فيها بالغربة التي تعذّب كل من يقيم في المنفى، لأنه كان إيطالياً بجواز سفره سوري الروح والهوى. وعلى الرغم من كثرة الحديث عنه منذ اختفائه واختطافه في سورية، حيث عاد إليها مرة أخرى في عام 2013، لم يعد أحد يتحدّث عنه اليوم، مما حدا بمجموعة من أصدقائه ومؤيديه، إلى تأسيس جمعية سموها «أصدقاء الأب دالوليو». وتسعى الجمعية لنشر أفكاره الإنسانية العظيمة عن التعايُش، وتُنظّم لقاءات بين شخصيات مسلمة ومسيحية تسعى للحوار. وعقد مؤخراً في روما لقاء بعنوان «مسيحيون ومسلمون من أجل الرحمة»، بمشاركة بعض كبار الشخصيات الإيطالية والعربية. حاول الجميع شرح المعنى الحقيقي للتضامن والتعايُش، على أمل أن تقع هذه الكلمات على آذان ليس بها صمم. فهل من الممكن العيش معاً باسم الحب والتسامح كما كان يعتقد ويحلم أبونا باولو؟ أم أنها مدينة فاضلة يحلم بها بعض الناس الطيبين ؟ أحب أن أعتقد أن كل هذا ليس حلماً، وأن واقعاً مختلفاً قد يكون ممكناً، انطلاقاً من هؤلاء الناس الطيبين الذين لا يتوانون في عالمهم الصغير عن الاعتقاد في التعايُش الاجتماعي والسياسي والثقافي، وأنه لا يصح أن يكون هذا هدفاً نسعى إلى تحقيقه قدر ما هو حقّ للبشرية جمعاء.