ذكريات قديمة في «بون»

محمد الأصفر

لا أعرف كيف أصف حالتي، عندما وجدت نفسي منخرطاً في مغامرة هجرة، حاولت بقدر الإمكان أن أجعلها شرعيّة، من خلال حصولي على تأشيرة إقامة في بون.

فبعد انتظار خمسة أشهر في تونس، وسلسلة من الإجراءات المُعقّدة المحتاجة إلى صبر أيوب، نجحت في العبور جواً مع أسرتي إلى بون، التي وصلتها أوان الغروب، وفي نفس الليلة كنت أتسكّع في شوارعها القديمة، مُستذكراً ذكريات قديمة، عشتها في هذه المدينة عام 1979، حين كنت في التاسعة عشرة.

لم أجدْ شيئاً قد تغيّر في بون، فمحطة القطارات مازالت كما هي، قطار يصل، قطار يغادر، ركّاب ينزلون، ركّاب يصعدون، والحدائق القريبة منها مازال عشبها، كما تركته، ندياً أخضر طرياً، رغم أن الفصل خريف، وأوراق الأشجار الصفراء المتساقطة تُغطّي الأرض والأرصفة، تمثال بتهوفن مازال ظهره للبريد، ووجهه للكنيسة الضخمة التي لا يستمع بالطبع لأجراسها، أما بيته الذي يبعد عن الساحة بخطوات قليلة فمازال مكانه، صامتاً ليلاً، أضواء خافتة تُطلّ من نوافذه، ومصابيح مثبّتة بعناية تبث نورها إلى أسفل دون أن تتأرجح.

تركت أسرتي في النزل الذي أقمنا فيه، وقلت لهم سأقوم بجولة، وقالت لي زوجتي قد تضيع، خذ العنوان معك، قلت لها، في بون لا أضيع، لقد عشت فيها ثلاثة أشهر من قبل، وتعلّمت اللغة الألمانية، وأعرفها كما أعرف بنغازي.

عندما وصلت إلى بون صغيراً، كانت الأرض كلها خضراء، وكانت الأوراق الصفراء الذهبية المتساقطة بفعل الخريف تحيط بالأشجار، المحتفظة بانتصابها ورقصها وبهجتها وشموخها، شققت طريقي سريعاً إلى محطة القطارات، جعلتها إلى ظهري وكأنها حارس مرمى وتقدّمت في الأزقة والأحياء والحدائق مهاجماً في سلام، طاوياً الزمن، بحثت عن أصدقاء قدامى، شعرت أنهم يعيشون قربي، وسوف أجدهم، تلك الموسيقى التي سمعتها قديماً عادت تواً إلى أذني، عرضتها على بتهوفن قال نعم، هى نفسها، الموسيقى كلما عاشت أكثر ازدادت أهميتها وقيمتها كما المقتنيات الأثرية، بحثت عن أبناء وبنات لي، وربما أحفاد أيضاً، ورأيت منهم الكثير، والكثير، ولَعلّ لهذا السبب أشعر أن الشعب الألماني كأنه أسرتي فعلاً.

في ليبيا عشت ظروفاً صعبة، وتفاقمت أكثر بعد ثورات الربيع العربي، مما جعل خيار الهجرة وارداً، بل في بعض الأوقات التي شعرت فيها بالخطر ملحاً وعاجلاً، ورغم كسلي الشديد وإهمالي في مثل هذه الأمور التي تتطلَّب إجراءات إدارية كثيرة، إلّا أني دست على كسلي، خاصة بعد أن حفزني الروّائي إبراهيم الكوني في عِدّة رسائل كي أُنجز المهمة وأنضمّ إلى كُتّاب المنفى كي أُبدع أكثر.

في السابق كان العالم يهاجر إلينا، وما كنا حتى نفكّر في أي هجرة، تأشيرات الدول الأوروبية وأميركا وكندا تمنح لنا دون عناء، لثقتهم بأن المواطن الليبي سيعود إلى وطنه ولن يمكث في بلادهم من أجل العمل أو العيش.

لكن في السنوات الأخيرة وانتشار العنف في البلاد، وانفلات الأمن، لابد للمثقف غير المنتمي، من تجرُّع الكأس التي ليس منها بد، والهجرة سريعاً فراراً من الموت المحدق به من كل جانب، حيث يبدأ الأمر بالتهديد ثم ربما الاختطاف وقد ينجرّ عنه الاغتيال الذي يعقبه لوذ المجرم بالفرار.