جدارية «طفولة محاصرة»

غزّة ترفع سلاح الجرافيتي



فلسطين – عبدالله عمر

وسط غزّة، وعلى حائط أكبر أبراجها المرتفعة، أنجز مجموعة من الفنانين الفلسطينيين الشباب، أكبر جدارية في فلسطين، تحاكي واقع الطفولة فيها، بصورة ضخمة لطفلة بدت ملامحها حزينة مُحاصرة خلف قضبان حديدية تتوشّح الكوفيّة الفلسطينية.

لابد أن تستوقفك تلك الجدارية وأنت تتجوّل في شوارع المدينة، لو لم يكن لدلالتها الكبيرة، سيكون بسبب حجمها الضخم، فسكان القطاع الذين اعتادوا متابعة أعمال فناني الجرافيتي على الجدران، طوال السنوات الماضية لم يعتادوا هذا الحجم الضخم لتلك اللوحات.

لم يَحْتَجْ الفنانون المشاركون في رسم الجدارية للترويج لها كثيراً، فقد شدّت اللوحة على جدار برج الظافر وسط المدينة عدسات المصورين، وتناقلها روّاد مواقع التواصل الاجتماعي في فلسطين، بسرعة كبيرة وبشكل مكثّف، وأبدى كل المتابعين لها إعجابهم الشديد بالفكرة وبدقة التنفيذ، وبموقعها المتميّز الذي اُختير بعناية فائقة، والذي يحمل هذه الرسالة الكبيرة والمهمة.

«طفولة محاصرة»، هو الاسم الذي حملته أكبر لوحة جدارية في فلسطين، وهو الاسم الذي اختاره فنان الجرافيتي بلال خالد من سكان مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزّة، وصاحب فكرة الجدارية، فيقول عنها: «هذه ليست الجدارية الوحيدة التي نقوم برسمها وإنما هناك لوحة أخرى أصغر منها في الحجم، كلتاهما رسمتا بالتزامن كجزء من مشروع يحمل اسم «لما الحيطان تحكي»، والذي ينظّمه الاتحاد الأوروبي بالشراكة مع شبكة الاتحاد الأوروبي للمراكز الثّقافيّة EUNIC.

ويضيف خالد: لهذه اللوحة مدلولات ورمزية كبيرة، كونها الأكبر في فلسطين، وهو العمل الأول من نوعه والذي ترسم فيه جدارية بهذا الحجم، وتخصّص فكرتها للتعبير عن الأطفال ومعاناتهم خلال سنوات الحصار المفروض على قطاع غزّة، منذ ما يزيد على تسع سنوات كاملة، لم يروا فيها يوماً واحداً ينعمون فيه بطفولتهم كبقية أطفال العالم.

كما أنها تحمل رسائل متعدّدة أيضاً، فهذه الطفولة المحاصرة لا زالت تؤمن بعدالة قضيتها، وتلمح في عيونها الذابلة نظرة تحدٍ وإصرار، حالمين بغدٍ أفضل رغم كل الظروف.

وهذا ما حاولنا عكسه كشبان طموحين نسعى إلى أن نثبت للعالم بأن غزّة بها الكثير من الطاقات والمواهب الفريدة، والتي يمكن لها أن تنجز أعمالاً قَلّ نظيرها في العالم وبأقلّ التكاليف وفي ظِلّ انعدام أبسط الإمكانات.

خالد، المؤمن بأن العمل الجماعي يُتيح فرصة أكبر للعمل بجد تحت روح الفريق، ويسمح بتبادل الأفكار، وأنجز مع زملاء له أكثر من 20 جدارية خلال السنوات الأربع الماضية، تحمل موضوعات متنوّعة يرى أن هذا العمل الفنّي هو الأهم في مسيرته الفنّيّة، مما يُعدّ نقلة نوعية له ولكل طاقم العمل المشارك، لما تمثله هذه الجدارية من أهمية فنّيّة لهم.

ماجد مقداد ومحمد زكريا ومحمد زكي، هم شركاء بلال خالد في رسم هذه الجدارية، ويقول محمد زكريا عن العمل: «كانت فكرة رائعة بذلنا في سبيل تحقيقها جهداً كبيراً، وقضينا ساعات عمل طويلة حتى خرجت إلى النور بهذا الشكل المشرف، وما نجده من كلمات شكر وثناء هو ثمره تعبنا وهو ما ينسينا ذلك الإرهاق الذي طالما عانيناه، ويثبت لنا أننا وصلنا إلى الناس البسطاء الذين يمرون من المكان يومياً ويبدون إعجابهم بما صنعناه».

وعن علاقة الفلسطيني بالجداريات يشير زكريا بالقول: «طالما عرف الفلسطينيون للجدار استخدامات كثيرة، بداية من انتفاضة الحجارة عام 1987، حيث كانت وسيلة إعلام مهمة، وتحوّلت الجدران آنذاك إلى جريدة يومية يخطّها المقاومون كوسيلة لتوعية وتوجيه المواطنين، وتابعوا تطوّر استخدامها مع الوقت، إلى شكل أكثر جمالاً، حيث احتوت على صور شهداء الانتفاضة، حتى بات مألوفاً أن تتابع رسوم الجرافيت على أغلب الحوائط، أينما أدرت رأسك تشاهد أعمالاً فنّيّة، يُعبِّر فيها الموهوبون والمبدعون في شوارع القطاع الصغير المحاصر، عن معاناتهم وآلامهم وأحلامهم في أحيان كثيرة».

ومن هنا أصبحت الجدران الوسيلة الأكثر تواصلاً مع الجمهور، والتي تصل إليه فيها الرسالة بقوة وسرعة وعمق، وتعدّدت مستويات وأساليب الفنانين ما بين الأسلوب الواقعي المباشر الذي يفهمه ويقرؤه الجميع، إلى أساليب تعبيرية تنتمي إلى مدارس فنّيّة متعدّدة.

أما الفنان محمد زكي وأحد المشاركين بالعمل فيعبّر عن عشقه لهذا النوع من الفنون بالقول: «منذ بداياتي وأنا أنظر إلى أن العمل بالجداريات هو قيمة فنّيّة تضاف إلى صاحبها، فأنت تصل إلى الناس بشكل أسرع دائماً، فالجدارية هي معرض مجاني تعرض فيه اللوحات للناس في الشارع وترصد انطباعاتهم عليها في مواقع التواصل الاجتماعي». وعن عمله الفنّي الأضخم فيصف شعوره بالفخر لمشاركته ضمن هذا المشروع، ويتحدّث عن لوحتهم الأضخم في فلسطين قائلاً: «تعكس هذه اللوحة حجم الظلم والقهر الذي يعيشه الفلسطينيون في كل مكان وفي غزّة على وجه الخصوص، وعبّرنا عنه بالأطفال كونهم الأكثر تأثراً به».

ويشير إلى اعتماده مع زملائه على اللون الأسود، موضحاً أن هذا لم يكنْ عبثاً، وإنما جاء نتيجة تفكير ونقاشات مُطوّلة فيما بينهم، معتبراً أن الأسود هو لون يُعبّر عن واقع الحياة داخل الشريط الساحلي الضيق والمحاصر، وعندما يعيش أحد هذا الواقع لا بد أن يكون اللون الأسود هو المُعبّر عنه دون بقيّة الألوان.

من جهة أخرى يوضّح مسؤول الإعلام في مكتب الاتحاد الأوروبي شادي عثمان أن مشروع «لما الحيطان تحكي»، يسعى إلى خلق تواصل وتفاعل بين الفنانين الأوروبيين والفلسطينيين، من خلال التركيز على فعاليات وأنشطة مشتركة يتم تنفيذها في فلسطين.

وإن هذه اللوحة كانت نتاج تفكير كبير ومجهود أكبر، خصوصاً أننا نتحدّث عن لوحة بارتفاع 20 متراً، على جدار ضخم، وهو ما يبدو صعباً في البداية، ولكن بالعزيمة والإصرار يثبت هؤلاء المبدعون أن المستحيل ممكن.