سيرة ذاتية لنمرٍ في قفص

أمجد ناصر

(1)

أنت فتى السنوريات الأربع الكبرى. درَّة تاجها المُرقَّط. لك قوائم قصيرة وجسد طويل لكي تعدو وتعدو وتعدو إلى الأبد. قدرتك على التأقلم في بيئات مختلفة ميَّزتك عن سلالتك، ولكن بيئاتك تتقلّص وتتقلّص حتى أصبحت قضباناً حديدية في حديقة حيوانات، أو قفصاً زجاجياً ترى فيه شبحاً يشبهك يتحرَّك تماماً مثلما تتحرَّك ولا تعرف كيف تصنّفه في مراتب حواسك. اسمك العربي له علاقة بالعلامة، والعلامة لها علاقة بالمصائر. أنت لست فهداً مع أنك من سلالته، ولا الاليغور، المتسلل، كما يفعل لاعبو كرة القدم الذين يقتنصون الكرة عند خطّ الثمانية عشر. دموعك لا تسيل. أياً يكن الموقف. هما بئران غامضتان جافتان تسكنهما خيالات لا يعرفها أحد غيرك.

جسدك المرقَّط يموّهك جيداً بين الأغصان، ووسط أعشاب السفانا، فلا تشعر فريستك إلّا وأنت تحدِّق فيها بعينيك الجمرتين. لك جمجمة كبيرة وعضلات فكٍّ قوية، والليل مجالك الحيوي. تنام، كأي كائن ملكّي كسول، في النهار وما إن يحلّ الليل حتى يحوم الموت حيث يسوط ذيلك الهواء الواجف. طرائدك تشمل كلَّ حيٍّ يتحرّك حولك ولكنَّ المفضل لديك الظبي أو الغزال، وبهذا تثبت ذوقك الرفيع. فإن لم تجد غزالك الشارد يمكن للسعدان، الذي أقضَّ مضجعك بلهوه المزعج على الأغصان، أن يسدَّ الرمق. أنت الوحش الوحيد الذي بمقدوره حمل فريسته بين فكّيه الرهيبتين إلى أعلى الأشجار.

هذا يعني أنك تعمل وحيداً. وتأكل وحيداً، وتخطّط وحيداً. لا تنخرط في قطيعٍ، فليس لك قطيع. أنت فردٌ. حرٌّ. تحيا وحدك ووحدك تموت. التجمعات لا تجذبك إلّا في كونها مجالاً لركضك الذي لا تعود منه خائباً. رغم ذلك فلست وحدك في الحوزة التي تعلنها، من جانب واحد، مملكتك المطوَّبة، فأنت، وهذا يُحسب لك، تعيش في أرض الضواري التي يفوقك بعضها بأساً، لذلك عليك أن تكون ضارياً، فإن لم تكنْ نمراً نهشتك الذئاب، وربما تجرأت عليك الكلاب وبنات آوى. أنت تعرف الإنسان. وجدت عظامك مختلطة بعظامه في بعض الأماكن. هو أضعف منك جسداً وأقلّ قدرة على الفتك بيديه وفكيه، لكنه أشدُّ منك مكراً وحيلة، ويستطيع أن يكون وحشاً من دون المبرّر الوحيد الذي يجعل الوحش وحشاً. فهو لا يأكل طرائده. يلهو بها. يشبع مشاعر لا تعرفها. لكنها ليست وجبةً واجبة.



(2)

شاركت في المصارعات الكبرى في مدرجات الإمبراطورية، وقبلها شوهد باخوس وهو يمتطيك عارياً إلّا من شعلة في يده، وكنت تبدو سعيداً بحملك إله الترنُّح.

ليس ذنبك أنهم كانوا يعدمون المجرمين، والذين يقولون لا، بين مخالبك وأنيابك في صحون المدرجات، فأنت لست مسؤولاً عن تنكيل البشر بعضهم ببعض. تُفضِّل الطرائد البريِّة، ابنة الطبيعة الخالصة، على البشر الذين صاروا جنساً آخر بعد خروجهم من الغابة. فليس كل اللحم يُؤكل. هناك لحم لئيم، مخترق بشبكة من الأعصاب والأفكار السامة والنوايا السيئة المُبيِّتة، التي لا تعرفها أنت في قتل ما لا يُؤكل، ولا يُوضع على المائدة، وتُتلى عليه صلاة الحمد والشكر.